أخطاء نوّاز شريف المُكلِفة

شاهين صحباي

نيوزويك الشرق الأوسط

يبدو أنّ ممتلكات، أموال وحظ رئيس وزراء باكستان لثلاث مرات، مينا محمد نواز شريف، قد بدأت بالإنقلاب عليه.

كما وإنّه قد إقترب، وبشكل خطِر، من سجله بالنسبة لعدد المرات التي تمّت الإطاحة به من السلطة قبيل انتهاء ولايته.

ومثل العديد من زعماء العالم، فإن تسريبات أوراق بنما (بنما ليكس) قد طاردت شريف وعائلته، إلا أن لدى شريف شياطينه الخاصّة لمحاربتها.

ويبدو أن شريف قد تمكن من استنفاذ حظه بالكامل وارتكاب الخطأ تلو الآخر بحيث أن مجموع أعماله قد بدأت تلحق بركابه.

وستقوم المحكمة العليا بإصدار حكمها في أي يومٍ الآن لتقرر مصيره.

”حتى ولو تمكّن رئيس الوزراء من الهروب كالساحر هوديني، إلّا أنّه من غير المحتمل أن ينجو منصبه. فما هو تأثير الإطاحة برئيس حكومة منتخب، لكن قد أُهين، على الإنتخابات القادمة وللدولة بشكل عامّ؟ الجواب هو نقطة تحوّل مفصلية وهامّة للبلد”، بحسب ما يقوله أشرف جيهانغير قاضي، وهو سفير باكستان السابق في الولايات المتحدة، الهند، والصين على التوالي بالإضافة لترأسه بعثات الأمم المتحدة للعراق والسودان.

في المقابل، فإنّ مناصراً لنواز شريف كان قد كتب مقالاً في صحيفة معروف عنها أنّها توالي رئيس الوزراء، يعترف فيه بأن ”آل شريف قد لعبوا دور الضحية، دور الشهيد، دور المستضعف والجرو الجريح والنمر الحبيس —كل الأدوار ما عدا الدور المنطقي وهو دور رجل الأعمال.“

وكتب طلعت حسين، وهو إعلامي تلفزيوني وصحفي معروف، مقال رأي يوم الإثنين يقول فيه: ”إنّ آل شريف يديرون إمبراطورية أعمال غريبة… قامت بتجميع ثروات طائلة، لكن على ما يبدو أنّهم عاجزون عن إظهار أي ورقة بسيطة يستطيعون من خلالها إثبات صفقاتهم المالية والخسائر والأرباح التي حققوها. (هذا مستغرب) لأنّه حتى صاحب دكان البقالة الصغير يحتفظ بدفاتر تجارية منظمة أفضل من آل شريف… إنّ فضيحة تسريبات بنما وما رافقها من إثارة تتعلق بفريق التحقيق المشترك واختصاره بالإنكليزية JIT والمتمحورة حول الخداع الذي مارسه آل شريف وجهودهم الخرقاء لتمرير وثائق مشكوك بأمرها أمام القانون.“

لقد تمت الإطاحة بشريف مرتين مِن قِبَل الجيش، مرتين خلال العقد الممتد منذ بداية التسعينات وحتى نهايته. المرة الأولى كانت في العام ١٩٩٣ والمرة الثانية كانت في العام ١٩٩٩ بواسطة الجنرال برويز مشرف، الذي سمح لشريف، في العام ٢٠٠٧ بالعودة من المنفى ودخول معترك الإنتخابات، وذلك لأن أفراداً من العائلة المالكة السعودية كانوا قد أصرّوا على معاملته كنظيرته الراحلة بينظير بوتو.

وقد شارك شريف في إنتخابات العام ٢٠٠٨، إلّا أن من وصل للسلطة كان أرمل بوتو، آصف علي زرداري. وتعاون الإثنان، زرداري وشريف على الإطاحة بالجنرال مشرف من منصبه. وفي اتّفاقٍ سياسيٍ ضمني، تمّ عقد هدنة سياسية بين الرجلين سمحت لشريف بإدارة البنجاب، فيما كانت سلطة زرداري تضم باكستان والسند.

إلّا أنّ نواز شريف لم ينسَ أبداً أن يُعاقب مشرف. فعندما نجح شريف في انتخابات العام ٢٠١٣، وأصبح رئيس وزراء للمرة الثالثة، حاول تصفية الحسابات القديمة مع الجنرال مشرف، مثيراً قضية خيانة بحق هذا الأخير لضلوعه في انقلاب العام ١٩٩٩.

هذا كان الخطأ الأول لشريف، حيث أنّ فعلته هذه وضعته في مواجهة مباشرة مع الجيش في باكستان، ومن المعلوم أن الجيش يحمي المنتسبين إليه.

فقد قام الجنرال راحيل شريف، الذي كان نواز شريف قد عيّنه شخصياً، باختطاف مشرف من على الطريق السريع بينما كان متجهاً للمحكمة وأبقاه محفوظاً إحترازياً لأشهر عدّة إلى أن تمّ نقله بسلام إلى دبي.

برويز مشرّف، القائد الأسبق للجيش الباكستاني، الذي أطاح برئيس الوزراء نوّاز شريف في العام ١٩٩٩.

ومن سخرية القدر أنّ مؤسّسة الجيش، بقيادة الجنرال ضياء الحق، التي كانت قد ساهمت في إطلاق مسيرة شريف السياسية منذ الثمانينات وصولاً لاستلامه منصب رئاسة الوزراء في مطلع التسعينات، قد انقلبت اليوم لتصبح أكبر عدو لعائلة شريف.

في المقابل، فإنّه ومنذ هزيمة زرداري في انتخابات ٢٠١٣ وانحصار سلطته في إقليم السند، لم يشعر نواز شريف بأي تهديد سياسي حقيقي، ما خلا في حالة عمران خان، الذي كان يدفع، بطريقة مريبة، أجندته الخاصّة المتعلقة بمحاربة الفساد، من دون أي نجاحٍ يُذكر، إلى أن ظهرت تسريبات بنما لنجدته.

عندها فقط، بدا وكأن حظ نواز شريف قد نَفُذَ، وحينها، أصبحت ثروته الطائلة هي تُهمته الأساسية لإدانته.

وفيما كانت حالات الإطاحة بنواز شريف سابقاً مرتكزة لأسباب تتعلق بالصراع السياسي وذات طابع استراتيجي، إلّا أن عائلة شريف بكاملها قد أصبحت تحت رحمة تحقيق قضائي شرس، بدايةً من تسريبات تتعلق بأصول وأملاك هذه العائلة، والمذكورة في أوراق بنما والإهمال الفاضح في إدارة الثروة مِن قِبَل عائلة شريف.

وعندما ظهرت تسريبات شركة المحاماة موساك فونسيكا —وهي نواة تسريبات بنما— في أبريل من العام ٢٠١٦، قام شريف بارتكاب خطؤه الثاني. لقد قام وعائلته بالإعتراف بملكية العقارات والمشاريع والصفقات وادّعى أنّه يملك الإثباتات اللازمة لأساس المال.

ولقد تم الزجّ بإسم أمير قطري في الموضوع في إطار الدفاع، على أنّ هذه الإعترافات إلتفّت حول عنق آل شريف كحبل المشنقة، حيث أنّها كانت مثيرة للإحراج ولربما مُجَرِّمة لهم لدرجة دفعهم لتقديم كافة التفاصيل عن إمبراطوريتهم المالية.

وفي خضمّ المحاكمة، قام الأمير القطري بنأي بنفسه عن الموضوع.

آنذاك، قام الغريم السياسي لشريف، ولاعب الكريكت السابق عمران خان، وبمساعدة الحكومة الإقليمية التابعة لحزبه في إقليم خيبر – بوختونخوا، باللجوء للشارع في تظاهرات حاشدة مُطالباً بفتح تحقيق ومحاكمة في الموضوع، وقد لبّت المحكمة العليا في باكستان الأمر وفتحت قضية وتحقيقاً.

في البداية، لم يكن القضاء واثقاً من إمكانيته التعرّض لإمبراطورية آل شريف بكامل ثقلها، حيث أن مُساعدي شريف كانوا يعمدون لمضايقة وتهديد القضاة والمحققين بشكلٍ مباشرٍ.

فالنائب الموالي لشريف، نهال الهاشمي، تمت محاكمته يوم الإثنين ٢٤ يوليو بتهمة ازدراء المحكمة والقضاء وذلك بعدما هدد قائلاً إنه لن يسمح لأبناء القضاة وعائلاتهم والقضاة أنفسهم بالعيش في باكستان بعد اليوم في حال أُدين شريف.

كما أن وزير العدل في إقليم بنجاب رانا صنع-الله، والموالي أيضاً لشريف، قد هدد، وإن بشكل غير مباشر قائلا إنه لن يسمح للقضاء باستعمال بنود الدستور كما يفعل أي ديكتاتور عسكري، للاقتصاص سياسياً من خصومه.

ففي ٢٠ أبريل من هذا العام، تم إعطاء خلاصة حكم مؤلفة من ٤٧٠ صفحة وقام قاضيان بإدانة نواز شريف بتهم تتعلق بالفساد، فيما طالب ثلاثة قضاة بمعرفة المزيد من الحقائق والوقائع والمعلومات عن الأمر من خلال فريق تم تشكيله قضائياً وهو فريق JIT ويخضع لإشراف المحكمة. لقد كانت المحكمة منقسمة حتى ذاك الحين إذا صح التعبير.

طبعاً، فقد قام شريف مجدداً بقراءة الوضع بشكل خاطئ، كما واحتفل بتأليف فريق التحقيق معتقداً أنّه هرب من الحبل المعقود حول رقبته.

غير أنّ القضاء أبقى فريق التحقيق تحت المتابعة الحثيثة وأجبر أعضاؤه على الإلتزام بالسرية التامة وإنهاء العمل في غضون ٦٥ يوماً فقط.

وفي تلك الأثناء تم استدعاء شريف وكافة أعضاء عائلته للإدلاء بشهاداتهم وللتحقيق معهم.

ولم يتوقع آل شريف هذه النوعية المحترفة من التحقيق، وفي خضمّ هذا الأمر كله تخبطت العائلة وقامت بتغيير محاميها وبدت وكأنها لا تملك أي استراتيجية حقيقية لمجابهة الأمر.

أما المحققون، فقد وجدوا أكثر مما كانوا يبحثون عنه. فقد قامت بعض الدول الأجنبية، ممن اعتقد شريف أنها لن تتعاون مع فريق التحقيق، بتزويد هذا الفريق بمعلومات وأدلة مُجَرِّمة عن أملاك ونشاطات شريف، فيما قام أعضاء عائلة شريف بإعطاء شهادات متضاربة خلال التحقيق معهم ومن دون القدرة على إبراز مستندات تُثبت صحة ادعاءاتهم.

ولقد كانت واحدة من المعلومات الساخنة التي حصل عليها فريق التحقيق، هي المعلومة التي أعطتها دولة الإمارات العربية المتحدة، والتي تُثبت امتلاك شريف لشركة لم يُصرّح عنها في المنطقة الحرة في دبي والتي بموجبها كان لديه تأشيرة عمل بإسمه في هذه الدولة الخليجية وعقد عملٍ براتبٍ شهري.

إنّ من شأن هذا أن يُصبح دليلاً مباشراً على أن شريف قد حنث بقسمه كرئيسٍ للوزراء، حيث أنه يحتفظ بعملين في نفس الوقت.

وعندما تمت مواجهته بهذه الحقائق، اعترف ممثل شريف القانوني بالأمر، مؤكداً بذلك قصة خرقه ليمينه، والتي يقول خبراء قانونيون أن من شأن هذا الأمر أن يكون كافياً لعزله من منصبه.

لقد قام شريف بعمل حسابات خاطئة في بداية حكمه كرئيس للحكومة للمرة الثالثة. فعند بداية عهده في ٢٠١٣، كان يضع النموذج التركي الذي بناه الرئيس رجب طيّب إردوغان نصب عينيه، لناحية إخضاع العسكر تحت إدارته المدنية.

فقد قام بتغيير قائدي جيش، وحاول إملاء أجندته على العسكر وفتح محاكمة بتهمة الخيانة ضد قائد الجيش الأسبق الجنرال برويز مشرف. لكنّه اصطدم بمقاومة صلبة حالت دون أن يُصبح إردوغان باكستان.

فعندما عيّن نواز شريف الجنرال راحيل مكان الجنرال كياني في نوفمبر ٢٠١٣، اعتقد شريف أن راحيل لن يعترض على أجندته بمفاوضة طالبان وإعادة فتح العلاقات التجارية مع الهند. ولقد قاوم راحيل هذه الأجندة، خاصة وأنه كان الشخص الذي هزم طالبان وخفف من وتيرة الأعمال الإرهابية. هذه الخطوة غير المحسوبة جيّداً انقلبت بشكل سيء على نواز شريف.

وقد لا يكون خطؤه في مهاجة القضاء موازياً لقيامه بالتقليل من شأن الإعلام الحر وقمعه إلى حدٍّ ما. فالدائرة الإعلامية في رئاسة الوزراء التي ترأستها إبنة شريف، مريم، تهاوت بسرعة مع تسريبات وثائق بنما. ويبدو أن الغبار الكبير الذي أثارته الزوبعة الصحفية حول وثائق بنما لم يترك للقضاء أي مجال إلا الإنخراط أيضا في المسألة والتحقيق فيها.

مريم شريف، إبنة نواز شريف التي انهارت الوحدة الإعلامية التي أدارتها لصالح رئاسة الحكومة إثر تسريبات بنما.

وعند دخول القضاء، ارتكب شريف خطأً فادحاً، حيث أن علاقته مع السلطات العدلية لم تكن بالمرة مشجعة خلال السنوات الماضية. فلقد تم اتهامه في السابق برشوة قضاة واستغلال سلطتهالتنفيذية من أجل الحصول على قرارات لصالحه. ويبدو، هذه المرة، أنّ حِيَل شريف لم تكن نافعة. فالقضاة، في قضية بنما، إتّبعوا النصوص الوضعية، حرفياً.

في الماضي، كان لنواز شريف أصدقاء في عواصم العالم، خاصة في العالم العربي. ولقد استضافته العائلة المالكة السعودية لمدة ثماني سنواتٍ عندما أرسله شريف للمنفى. ولقد كان حكام قطر والدول الخليجية ودودين معه. لكن، ومع تغيّر الرئاسة في الولايات المتحدة وصعود الرئيس الأميركي دونالد ترمب لسدة الحكم، فقد بدا وكأن السعوية تنأى بنفسها عن عائلة شريف.

ومع ظهور تسريبات بنما، حاول آل شريف اللجوء للأصدقاء في العواصم العالمية وللجيش في باكستان، علّ المفاوضات تنفع في الوصول للصلح، إلّا أنّ الجميع تركهم يواجهون القضاء المتشدد، لوحدهم.

ويتم حالياً انتقاد كيفية قيام عائلة شريف بالدفاع عن نفسها في المحاكم. ففي داخل قاعات المحكمة، كانت إفادات عائلة شريف متضاربة، متهربة وغامضة. لم يتبنى أحد من العائلة الإتهامات الموجهة لهم ولم يقدموا أية وثائق عن ثرواتهم المتراكمة. وتهاوت حجة الدفاع المرتبطة بقطر، حيث لم يتم إثبات وجود أثر انتقال الأموال لآل شريف.

أما خارج أروقة المحاكم، فقد حوّل آل شريف الأمر إلى سيرك سياسي. فقد ظهرت إلى السطح اتهامات بنواز شريف بتهديد النظام الديمقراطي عبر تهديد القضاة بشكل غير مباشر، والإساءة للخصوم السياسيين، وفي المقابل ظهر تلميح بوجود تعاضد بين القضاء والمؤسسة العسكرية من أجل الإطاحة بشريف ووصل الأمر بأتباعه بالكلام عن إمكانية حدوث ثورة في حال أُخرِجَ من السلطة. غير أن هذه الإستراتيجية فشلت أيضاً وارتدت على مُطلقيها.

فلم يكن هناك انقلاب من القضاء أو الجيش كما زعم معسكر نواز شريف، وقد نفى الجيش قيامه بالإنحياز لأي صف وأكد على ضرورة تطبيق القانون وأخذ العدالة لمجراها.

دعونا لا ننسى أنه من أصل ٦ أعضاء في فريق التحقيق القضائي، كان الجيش مُمَثّلاً بعضوين واحد من جهاز المخابرات والثاني من جهاز الأمن، وقد ساهم ضم عضوين من الجيش في فريق التحقيق في إبعاد التهديدات والتدخلات عن الفريق بكامله، وأعطى اللجنة مصداقية ودعم أكبر.

وكما يُشير السفير قاضي في إحدى مقالات الرأي التي كتبها، فإن الأمر سينتهي بنواز شريف إمّا خارج السلطة، أو مُهاناً، أو الإثنين معاً. لكن ما الذي سيحدث لباكستان، فهنا يبقى السؤال مفتوحاً.

ففي حال انفراط عقد حزب نواز شريف، فمن المحتمل جداً ظهور سيناريو سياسي جديد. فإذا ما احتفظ بالأغلبية اللازمة في البرلمان، فيمكنه عندئذٍ أن يقوم بتسمية رئيس الحكومة الجديد، ولربما استطاع السيطرة، بعض الشيء، على الأضرار.

في المقابل، فإن المؤشرات بالنسبة لخصم شريف السياسي، عمران خان هي في نفس الخندق، خاصة بالنسبة لأرباحه من لعب الكريكيت في لندن وشراؤه لشقة في العاصمة البريطانية. ورغم أن الحالتين غير متشابهتان إطلاقاً، إلا أنه لا أحد يعلم ما قد يحدث في السياسة والقضاء مستقبلاً. وفي حال واجه شريف وخان تبعات أعمالهم، فيبدو أن زرداري سيلحق بركابهم أيضاً.

بعض المتفائلين يتمنّون أن تؤسس هذه النهضة القضائية لتغيير جوهري وإيجابي في باكستان، لناحية تنظيف سياسي شامل وعابر للأجهزة.

Facebook Comments

Website Comments

Post a comment