أخيراً البنك المركزي التركي يتدخّل لإنقاذ الليرة

 حسين السيد، كبير استراتيجيي الأسواق في FXTM

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

عانت الليرة التركية من هبوط حاد أوصلها إلى مستويات قياسية متدنية يوماً بعد آخر. فبين الأول من مايو/ أيار 2018، والثالث والعشرين منه، خسرت العملة 17.6% من قيمتها بالمقارنة مع أدنى مستوى وصلت إليه، لتصل خسائرها الإجمالية خلال 2018 إلى 23.2% ولتبدو هذه العملة وكأنها في حالة سقوط حر.

من المعروف بأنّ قيمة العملة تعكس حال الاقتصاد. لكنّ الاقتصاد التركي كان قد نما بنسبة 7.3% على أساس سنوي في الربع الرابع من العام 2017، وبنسبة 11.3% في الربع الثالث من العام ذاته، مما يشير إلى أنّ الاقتصاد ينمو بوتيرة سريعة، متفوّقاً بذلك على العديد من نظرائه من الاقتصادات الناشئة. فأين تكمن المشكلة إذن؟ 

سجّل معدّل المدّخرات في تركيا تراجعاً مضطرداً خلال العقود الثلاثة الماضية، وهو حالياً من بين أدنى المعدّلات على مستوى العالم. وخلال السنوات العشر الماضية، لم يسجّل هذا الاقتصاد فائضاً في الحساب الجاري إلا خلال ثلاثة أشهر فقط، ممّا يشير إلى أنّ النمو كان يعتمد اعتماداً هائلاً على الأموال المقترضة. فقد ازداد الدين الخارجي إلى مستوى قياسي بلغ 453 مليار $ خلال الربع الرابع من العام 2017 ليشكّل بذلك أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي. ونتيجة لذلك، فقد استمرّت وكالات التصنيف في خفض التصنيف الائتماني لتركيا من رديء إلى أردأ، لتلمح بذلك إلى أنّ هذه الديون قد لا تُسدّد أبداً بكاملها. وما زاد الطين بلّة في هذا الاقتصاد هو ارتفاع مستوى التضخّم الذي ظل يتجاوز 10% خلال الأشهر التسعة الماضية. 

يعتقد كل الاقتصاديين تقريباً بأنّ التضخّم المتصاعد في تركيا ناجم عن انخفاض معدّلات الفائدة. لكنّ الرئيس رجب طيّب أردوغان يؤمن بأنّ معدلات الفائدة المرتفعة هي سبب التضخّم وليست العلاج له. 

نظراً للوضع الاقتصادي السائد في تركيا، كان يُفترض بالعملة أن تسجّل تراجعاً دراماتيكياً خلال السنوات القليلة الماضية، لكن عقداً من انخفاض مستويات التضخّم العالمي، والأموال الرخيصة، ومعدلات الفائدة السالبة في أوروبا وغيرها من الأماكن أبقت الخطوط الائتمانية مفتوحة أمام تركيا. لكنّ هذا الوضع لم يعد قائماً. فقد حصل تحوّل في البيئة العالمية ممّا يسمّى التيسير الكمّي إلى التشديد الكمّي. والاحتياطي الفدرالي الأميركي كان يرفع الفائدة باضطراد، ومن المتوقع أن يُبقي على مسار الرفع هذا خلال العامين المقبلين. وضمن هذه الأوضاع التي تقوّي الدولار الأميركي، فإنّ معنويات المستثمرين في الأسواق تجاه الأسواق الناشئة تتّصف بالسلبية، ولاسيما الاقتصادات التي تعاني من عجوزات مرتفعة في الحساب الجاري، ومن ديون ضخمة مقوّمة بالدولار الأميركي. يُضاف إلى ذلك المخاطر الجيوسياسية المحيطة بالمنطقة، وكل ذلك يفسّر السبب الذي جعل الليرة التركية تدخل حالة السقوط الحر. 

ولوقف السقوط الحر لليرة التركية، ليس هناك إلا خيارات قليلة. فإمّا البدء باستنزاف احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية من خلال بيع الدولار، أو فرض قيود رأسمالية لمنع المواطنين الأتراك والمستثمرين الأجانب من إخراج الأموال، أو التحرّك ضد إرادة الرئيس أردوغان ورفع معدّلات الفائدة. 

في يوم الأربعاء، الثالث والعشرين من مايو/ أيّار، أعلن البنك المركزي التركي عن رفع الفائدة بمقدار 300 نقطة أساس بعد اجتماع طارئ لصنّاع السياسات. وقد ارتفعت معدّلات الفوائد على الإقراض من 13.5% إلى 16.5%، ونتيجة لذلك، فقد توقّف نزيف الليرة. رغم أنّ هذه الخطوة تأتي عكس ما يشتهيه الرئيس وتخالف نظريته، إلا أنها تُظهرُ بأنّ هناك حدوداً لمدى تحمّل صنّاع السياسات لضعف الليرة. لكنّ رفع الفوائد، هو حل مؤقت. وثمّة حاجة إلى تسريع الإصلاحات الهيكلية بهدف احتواء أزمة العملة، ويجب البدء بتخفيض العجز في الحساب الجاري.

Facebook Comments

Leave a Reply