أزمة الخليج: لِمَنْ تُقْرَع الأجراسْ؟

');

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

حتى لحظة صدور هذا المقال، لم تكن الدول الخليجية الثلاث السعودية، والإمارات، والبحرين بالإضافة لمصر، قد أعلنت موقفها من الرد القطري على لائحة مطالبها الـ١٣، والتي كانت قد وجهتها للدوحة منذ ثلاثة عشر يوماً. هذا ويجتمع وزراء خارجية الدول الأربع اليوم الأربعاء في القاهرة لمناقشة الجواب القطري وتجهيز الرد المناسب عليه.

وتُطالب هذه الدول قطر بوقف نشر الفتن، وطرد جميع الأفراد والجماعات المتطرفة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين المحظورة خليجياً من الدوحة، ووقف دعم الإرهاب. كما وتطالبها هذه الدول بإغلاق القاعدة العسكرية التركية وخفض تمثيلها الدبلوماسي مع طهران، التي يرون فيها عدواً ذو نزعة توسعية، بالإضافة لإغلاق قناة الجزيرة التي تتخذ من قطر مقراً لها. فالدول الرباعية المذكورة ترى في هذه القناة أداة لنشر الشائعات والتحريض والفتن.

إنتهت المهلة الأولى بحلول منتصف ليل الأحد ١ يوليو، حيث قالت قطر إنّها ستُسلّم ردّها الرسمي على مطالب الدول الأربع صباح الإثنين ٢ يوليو، للكويت التي كانت قد قامت بوساطة من أجل التوصل لحل للأزمة الخليجية الأعنف منذ عقود. وتوسّطت الكويت من أجل تمديد المهلة ٤٨ ساعة إضافية حتى منتصف ليل الثلاثاء، وهو ما قَبِلَت به الدول الأربع.

وكان أمير دولة الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، قد إستقبل يوم الاثنين وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد آل ثاني، الذي حمل رسالة خطية موجهة من أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، دون معرفة فحوى الرسالة.

الرد القطري

وبحسب معلومات غير مؤكدة، نقلاً عن مصادر كويتية، فإنّ الرسالة القطرية تحمل “تعهّداً بعدم دعم منظمات يُشتبه بأنها إرهابية بالإضافة إلى تحييد قناة الجزيرة وبرامجها، دون إقفالها. كما وتشير الرسالة إلى قبول قطر بإخراج قياديي الإخوان المسلمين من الدولة. أما بالنسبة لخفض العلاقات مع إيران، فهناك قبول قطري مشروط بأن تقوم جميع دول الخليج دون إستثناء بمثل هذه الخطوة.”

وفي هذا السياق يُعلّق مراقبون للوضع أن سلطنة عُمان لن تُخفّض علاقاتها بإيران، مما قد “يُشكّل عائقاً في هذه الحالة لو كانت الرسالة القطرية تُشير إلى كافة دول أعضاء مجلس التعاون الخليجي وليس كافة الدول الخليجية الثلاث التي تقف على الطرف الآخر من الأزمة الخليجية.”

أمّا الرد القطري غير الرسمي فكان قد جاء يوم السبت، ٣٠ يونيو، عندما قال  وزير الخارجية القطري إن ”جميع مطالب دول الحصار قد قُدِّمَت لتُرفض.“ وبحسب آل ثاني، فإن قطر مستعدة للحوار، لكن وفق شروط مناسبة. وقال الوزير ”نرفض قائمة المطالب،“ مضيفاً أن دول الحصار تُريد “فرض آلية رقابة على قطر.”

وكان الشيخ محمد آل ثاني قد كتب على حسابه الخاص في تويتر أن “قطر لديها أكثر من ١٣ ألف حالة إنسانية تأثرت” بالحظر الذي شبّهه بـ “العقاب الجماعي.”

والدوحة حتى اللحظة تخضع  لحظرٍ  جويٍّ  وبريٍّ  وبحريٍّ  فرضته عليها الدول الأربع منذ الخامس من يونيو الماضي، والذي أجبر قطر، وهي شبه جزيرة محاطة بالسعودية والبحرين ومياه الخليج، على إستعمال المنفذ الوحيد لها عبر المياه، أي إيران.

 في المقابل، قالت قناة الجزيرة الأسبوع الماضي، إن قطر وقّعت إتفاقية مع “مكتب محاماة دولي في سويسرا بشأن قضية تعويض المتضررين من الحصار المفروض على قطر.”

نفى وزير خارجية قطر يوم السبت ١ يوليو، ما أسماه بمزاعم الدول الرباعية لناحية إتهام قطر بالإرهاب. كما وقال إن الشروط التي فرضتها الدول الأربع “وُضِعَت لتُرفَض.” إلا أنه عاد ليقدم جواب قطر الرسمي يوم الإثنين للكويت.

وأشار الشيخ محمد آل ثاني إلى أنه كان قد عقد  “إجتماعات موسعة مع أعضاء مجلس الأمن حول الأزمة الخليجية، هذا الحصار المفروض على دولة قطر غير قانوني و ينتهك المواثيق الدولية.”

كما ونفى إتهامات أن بلاده راعية للإرهاب، قائلا ”إتهامنا بدعم الإرهاب هو مثار تهكم، ودولة قطر مشهود لها في مكافحة الإرهاب… ليس لدينا مخاوف ومستعدون لمواجهة أي تداعيات بعد انتهاء مهلة دول الحصار.”

وكان وزير الخارجية القطري قد غرّد على تويتر يوم ٢٨ يونيو أنه عقد “جلسة مباحثات مع وزير الخارجية الامريكي اليوم في واشنطن، كلانا متفق بأن حل الخلاف الخليجي يجب أن يكون في إطار واقعي و قابل للتنفيذ.“

في المقابل، جددت السعودية رفضها لما أسمته “دعم قطر للإرهاب، وشددت على أن المطالب غير قابلة للتفاوض أو النقاش.”

قطر شبه جزيرة خليجية تحيط بها السعودية والبحرين من ثلاث جهات (شمالية وجنوبية وغربية)، فيما تحدها إيران من الشرق عبر مياه الخليج. -رويترز

هل تتفاقم الأزمة؟

يقول صن تزو، أحد أشهر الخبراء العسكريين الذي حُفِظَت تعاليمه الحربية في كتاب ”فن الحرب،“: ”إن الفن الأسمى للحرب هو أن تقوم بإخضاع عدوّك من دون اللجوء للقتال.“

وبما أن دول الخليج الثلاث بالإضافة إلى مصر قد تعاملت بطريقة سلمية لكن حازمة مع قطر، فمن المرجح أن عدم اللجوء للخيار العسكري هو الطريق الذي قررت إنتهاجه تلك الدول مستقبلاً مع قطر.

ويُجمع المحللين أنه وعلى الرغم من قيام الدول الأربع بتهدئة الأوضاع عبر إعطاء قطر مهلة إضافية ”للتراجع عن عنادها، إلّا أن هذه الأزمة يبدو أنها ستستمر لوقت طويل خاصة وأن قطر تنام على بحر من السيولة والأصول التي تُساهم في دعم إقتصادها لمدة طويلة، وأن طهران قد إستفادت من الوضع لتفتح أجوائها للدوحة ولتصبح بذلك المنفذ الوحيد لقطر على العالم.

وهذا إن إستمر، فسيعني نجاح المساعي الإيرانية بتفكيك تواصل قطر مع جيرانها في محيطها الخليجي. وفي حال إستمرت قطر برفض المطالب الخليجية فهناك سيناريوهين مُحتملين:

سيناريو دبلوماسي – وعسكري

بالرغم من بعض الأصوات التي كانت قد لوّحت إلى إمكانية اللجوء للقوة، إلا أن الدول الأربع تحاول قدر المستطاع حماية المنطقة من حراك عسكري. كما وإن قطر تعتمد على وجود القاعدة العسكرية الأميركية لديها إضافة لتعزيزات عسكرية من أنقرة للقاعدة العسكرية التركية في قطر، والتي تُطالب دول الخليج الثلاث الدوحة بإغلاقها. كما وأن أي إحتكاك عسكري من شأنه أن يخلق تصعيداً  عسكرياً  الجميع بغنى عنه.

في المقابل، فإن طرد قطر من الحلف الإسلامي العربي لمواجهة الإرهاب، والتحالف العربي لإستعادة الشرعية في اليمن بقيادة السعودية، يبقى جائزاً وممكن التحقيق.

أما الخيار الذي تداوله البعض بالنسبة لطرد قطر من دول مجلس التعاون، فإن الأمر، على صعوبته ممكن التحقيق.

فدول مجلس التعاون هي ٦ وقطر إحداها. وبما أن سلطنة عُمان تنتهج الحياد، فذلك يعني أن الدول الخليجية بحاجة لإقناع الكويت على التصويت لوضع قطر خارج المنظومة الخليجية، مما يعني فعلياً حرمانها من مميزات إقتصادية وإجتماعية.

وبالنسبة لإمكانية تعليق عضوية قطر في جامعة الدول العربية فإن هذا الأمر يبدو أقرب للمستحيل، خاصة في ظل إنقسام الدول العربية، بالإضافة إلى أن التجربة السورية، أي تعليق عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، لم تأتِ بنتيجة.

قناة الجزيرة، الذراع الإعلامي لقطر والتي تؤمن دول الخليج الثلاث التي قطعت علاقتها بالدوحة بأنها أداة لبث التحريض والفتنة. ويُعتقد أن من المطالب الجديدة لإعادة العلاقات الى مجاريها، هو إغلاق الجزيرة أو منعها من بث أخبارا تحريضية. -رويترز

إقتصادياً

 وقد تلجأ الدول الأربع لفرض عقوبات إقتصادية على قطر ومن يتعاون معها، منها أن تحاول تخيير الشركات العالمية العاملة في الدوحة ما بين بقائها هناك أو وقف أنشطتها في السعودية (أكبر اقتصاد في المنطقة)، ومصر، والإمارات والبحرين.

ومن شأن هذا أن يخلق ضغوطاً كبيرة على الدوحة التي تخطط لإستضافة مسابقة كأس العالم لكرة القدم عام ٢٠٢٢، في وقت تُجاهد فيه لإنهاء البنية التحتية لمرافقها الرياضية قبل الحدث. على أن بعض الخبراء يتكلمون عن إستعداد شركات إيرانية وتركية بل وحتى روسية وصينية للحلول مكان الشركات التي قد تخرج من السوق القطري، مما يجعل الأزمة تدور في حلقة مُفرغة، لناحية دفع قطر أكثر لأحضان إيران. وبحسب التأويلات فإن أول الغيث قد يكون إعلان سحب الودائع التي تملكها هذه الدول في قطر، والتي تُقَدّر ما بين ٢٥$ و ٣٠$ مليار دولار.

وعلى الرغم من أن عمليات السحب هذه من شأنها هز الصورة المالية للقطاع المصرفي القطري على المدى القصير، إلّا أنّ تنفيذها ليس بهذه السهولة، إذ تحكمها ضوابط وإتفاقات دولية ترعاها الأنظمة المالية العالمية، وبالتالي فإن تنفيذها يحتاج لوقت وهو ما سيُعطي قطر الفرصة لإيجاد حلولٍ بديلة.

وكان محافظ مصرف قطر المركزي، الشيخ عبدالله بن سعود آل ثاني، قد أكد يوم الثلاثاء ١٣ يونيو “أن المصرف لديه الأدوات النقدية والمالية الكافية والقادرة على ضمان عمل القطاع المصرفي في الدولة بشكل طبيعي.” وبحسب المحافظ، فإن التحويلات المالية من وإلى داخل الدولة مستمرة. وكشف أن المصرف المركزي لديه إحتياطيات عملات أجنبية كافية لتغطية جميع الالتزامات. ولا يُخفى أن الدوحة لديها صندوق سياديا (جهاز قطر للإستثمار) يدير أصولاً تُقدّر ما بين ٣٣٠$ مليار دولار و ٣٣0$ مليار دولار، إضافةً لإستنادها إلى إحتياطات غاز طبيعي سائل هي الثالثة لناحية الحجم في العالم وتُقدّر عائداتها بما يفوق ٤٠ مليار دولار.

ومن شأن هذا الصندوق  السيادي أن يدعم العملة القطرية عند سعر الصرف الحالي عالمياً لمدة طويلة.

ولعل خطوة الإستقرار المالي قد لا تكون عملية وبالتالي فقد تتجه تلك الدول إلى وقف كامل لتجارتها مع الدوحة والتي تُشكّل ما نسبته ١٢٪ إلى ١٥٪ من حجم تجارة قطر الدولية التي تُقارب الـ١٠٠$ مليار دولار، ومن شأن ذلك أن يضع ضغوطاً سلبية على التصنيفات الإئتمانية لقطر وحتى على تعاملات البورصة القطرية.

يُذكر أن شركات التأمين كانت قد وضعت قطر تحت المراقبة مع نظرة سالبة بحال إستمر الخلاف الخليجي-المصري مع قطر.

في المقابل، فإن توقف شركات صرافة عالمية كترافيليكس وبعض البنوك البريطانية، ولو مؤقتاً، عن التعامل بالريال القطري وتحويلاته بسبب ما أسمته بـ “التحديات المتعلقة بتداول الريال“ لم تؤثر مطولاً على الريال القطري.فبعض هذه البنوك أعلن أن السبب في وقف التعامل والتحويل بالريال القطري يعود لتوقف “طرف ثالث” عن تزويدهم بالعملة دون البوح بإسم هذا الطرف.

تستند قطر إلى أصول ضخمة تُعدّ بمئات المليارات من الدولارات كانت قد كوّنتها من عائدات الغاز الطبيعي المسال بالإضافة للإستثمارات المتنوعة حول العالم. وتعهّد المصرف المركزي القطري في يونيو بدعم العملة المربوطة بالدولار مما يعني أن الريال القطري بمأمن عن التجاذبات السياسية الحالية.

ويتهم قطريون ترافيليكس بالإنصياع لأوامر سياسية، ويشيرون إلى دور للإمارات وراء هذا التوقف المفاجيء، إذ أنّهم يربطون شركة ترافيليكس بشركة سنتورين الإماراتية للاستثمار. فالشركة الإماراتية كانت قد استحوذت على أكثر من٩٣٪ من ترافيليكس القابضة المحدودة في ٢٠١٥ مقابل نحو مليار دولارٍ.

على أن الأمر لا يمكن تكراره دون عواقب، إذ تُشير مصادر مصرفية إلى تحقيق السلطات المالية البريطانية في موضوع توقف التعامل بالعملة القطرية، مؤكدة أنها لم توجه أية  أوامر للمصارف وشركات الصيرفة البريطانية بالامتناع عن تداول الريال القطري. وهذا يعني إمكانية توقيع عقوبات مالية على المؤسسات المالية المخالفة أو إنذارها بعدم تكرار الأمر، فيما لو إتضح أن خلفية وقف التعامل بالريال القطري كانت سياسية.

 وكان مصرف قطر المركزي قد شدد في بيان نشره يوم الجمعة ٣٠ يونيو إنه سيضمن كافة عمليات تحويل العملة للجميع داخل الدولة وخارجها دون أي تأخير، مُضيفاً أن كافة البنوك وشركات الصرافة المحلية ملتزمة بإجراء التحويلات حسب ما هو معتاد، وذلك رداً على ما تداولته وسائل إعلامٍ عالمية عن توقف العديد من شركات المال والصرافة الأجنبية عن شراء وبيع الريال القطري، بالإضافة لوجود صعوبة في توفير ريالات قطرية .وشهد الريال القطري، المربوط بالدولار، تراجعات طفيفة صباح يوم الجمعة ٠ ٣ يونيو بالإضافة لارتفاع العقود الآجلة للدولار مقابل الريال القطري(عند ٦٣٠ إستحقاق عام) هو الأعلى منذ نحو عامين (ديسمبر ٢٠١٥). كما وارتفعت عقود مبادلة مخاطر الائتمان القطرية لأجل خمس سنوات، والتي تستخدم في التحوط من مخاطر التعثر عن سداد الديون السيادية القطرية، إلى٩٣،٦ نقطة من٩٠،١ نقطة مساء الخميس ٢٩ يونيو، وكان قد سبقها “نظرة سالب ورقابة سلبية” لقطر من قِبَل وكالات التصنيف الإئتماني العالمي بسبب الأزمة الخليجية.

يُذكر أن المصرف المركزي القطري كان قد قام يوم ١٥ يونيو برفع سعر الفائدة على الإيداعات بواقع ٢٥ نقطة أساس من ١٫٢٥٪ إلى ١،٥٠٪ كما أبقى سعر الإقراض وسعر عمليات إعادة الشراء الريبو كما هو، وهو ما يشير إلى ترغيب المودعين بإبقاء حساباتهم داخل الدولة تفادياً لنزوح رؤوس الأموال.

كما ولا يمكن نزع الملكيات الخاصة لأفراد قطريين في دول الأربع دون أن يترتب على ذلك آثاراً قانونية سلبية على تلك الدول، خاصة لناحية جذب الإستثمارات الأجنبية، والدعاوى القانونية المترتبة عن نزع الملكية.

ما علينا سوى أن نتابع التطورات لنرى ما سيؤول إليه الأمر في الأيام القادمة. فالمنطقة تقف على شفير مزيد من التوترات، خاصة في حال نجحت إيران في زرع أقدامها على الضفة المقابلة لها من الخليج.

Facebook Comments

Post a comment