أصالة متجددة: الشارقة ترمم البيوت الأثرية للمحافظة على طابعها الأثري ومكانتها التاريخية

نوره الشحّي

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

عند دخولك لبيت النابودة في الشارقة، والذي يمثل البيت الإماراتي التقليدي، لا يسعك إلا أن تحس بعبق الماضي بكل ما يحمله من جمالية وأصالة تُشعرك بمدى بساطة عيش الأجداد واهتمامهم بالتفاصيل الدقيقة التي تُساعد المرء على اعتبار منزله جنة يرتاح فيها.

فالباحة الواسعة التي تسمح لسكان المنزل بالجلوس دون أن يحد نظرهم عائق، وتراتبية الغرف والأدوات المستخدمة كلها تصب في خانة تسهيل حياة قاطني المنزل.

هذا البيت تأثر بطبيعة عمل وسفر صاحبه وهو عبيد بن عيسى بن علي الشامسي، الملقب بالنابودة، تاجر اللؤلؤ المعروف في الخليج العربي، والذي استطاع توسيع شبكة علاقاته التجارية لتشمل مناطق الخليج العربي، والهند، وصولاً إلى أوروبا.

وأول ما قد يلفت انتباهك في هذا البيت الذي يرجع تاريخه لأكثر من قرنٍ مضى، هي مظاهر الترف ودقة تصاميم الزخارف نسبةً لتلك الحقبة.

ويتميز البيت أيضاً بموقعه الاستراتيجي، حيث يقع في حي السوق في قلب الشارقة القديمة، وقد ساهم موقعه وقربه من الميناء والسوق في دعم عمل عبيد وإزدهار تجارته، حيث اعتاد التجار والمفكرين ارتياد بيته. وقد ساهم أيضا بإبراز أثر تجارة النابودة في اللؤلؤ على الطابع المعماري للبيت.

الشارقة: بين الماضي والمستقبل

وبما أن الأصالة والعراقة هي محط اهتمام القيّمين على إمارة الشارقة، كان من الطبيعي أن تعمد الجهات الرسمية فيها إلى الاهتمام بالمنزل وغيره من البيوت الأثرية، لكي تتعرف الأجيال القادمة من مواطنين ومقيمين وزوار على كيفية عيش الأجداد في الماضي.

أول ما يتبادر إلى أذهاننا عند سماع إسم الشارقة، هو مدى استحقاقها للقبها: عاصمة الثقافة العربية، وبخاصة أنها تعمل جاهدة للحفاظ على ملامح العمران الإسلامي والعربي العريق إضافة لتميّزها في إهتمامها اللامحدود بإعلاء شأن الثقافة والتراث.

ومن هذا المنطلق، قامت الإمارة بإنشاء إدارة تهتم بالتراث في العام 2006، وهي إدارة متاحف الشارقة .

وتعنى هذه الإدارة بالمواقع الأثرية في الإمارة والتي تتضمن 16 موقعاً تتنوع بين الفنون والثقافة الإسلامية وعلم الآثار والتراث والعلوم والأحياء المائية وتاريخ الإمارات عامة والشارقة على وجه الخصوص. كما وتهتم بترسيخ الإرث القديم وإعادة إحيائه وتقدير هوية الإمارة وقيمة التراث الثقافي والطبيعي محلياً وعالمياً.

وتضم الشارقة عدة مناطق أثرية، منها قلب الشارقة، وقد تم تقييد إعادة ترميم هذه المناطق وبناءها تحت تعليمات حازمة من حاكم الإمارة بحيث تستمر بالاحتفاظ بأصالتها المادية والمعنوية.

ومن ضمن المناطق الأثرية: بقايا قرية الخان للصيد واللؤلؤ، الحصن القديم في خورفكان، وما تبقى من آثار قرى تعود للقرن الـتاسع عشر في وادي الحلو، وبرج المراقبة وموقع حصن فيلي، والحصن في واحة الذيد.

والجدير بالذكر أن بيت النابودة كان من أوائل البيوت التي تم ترميمها، بسبب تدهور حالة هذا المنزل الأثري التي استدعت الاهتمام العاجل نظراً لما تسببته الرطوبة وانتشار النمل الأبيض في تدمير أجزاء كبيرة من المنزل.

وقد كانت تصريفات المياه الخاطئة سبباً في تجمع المياه على سطح البيت، مما أدى لتشقق جدرانه وأسقفه.

وقامت الشارقة  بترميم المنزل لأول مرة في مطلع التسعينات، وشملت التنقيب وأخذ عينات من مواد البناء، حيث كشفت الحفريات عن الأساسات الأصلية للبيت في المنطقة المحيطة بالمنزل القائم، وهو ما ساهم في عملية ترميمه بشكل صحيح.

لكن هذا البيت الأثري تعرّض لهجمات النمل الأبيض وفاقمت الرطوبة من تدهور وضعه، لذا تم استخدام مواد طاردة للحشرات ومواد مقاومة للرطوبة للحفاظ على البيت لسنوات عبر عملية ترميم ثانية له في العام 2014.

وتعد الحرارة المرتفعة والرطوبة والنمل الأبيض من ألد أعداء بيوت الشارقة التراثية بسبب مواد البناء الطبيعية التي كانت تدخل في تشييد هذه المنازل في الماضي والتي تتأثر بشكل كبير بالعوامل الطبيعية القاسية للمنطقة.

وقد تم تحويل البيت لمتحف يضم أهم مقتنيات عائلة النابودة، التي شملت عملات معدنية من منطقة الهند والخليج العربي ودفتر حساب الخاص به.

وإضافة إلى ذلك، يحوي مجموعة من الأجهزة والمعدات الأساسية لقياس وزن وحجم اللآلئ التي تم جلبها إلى الشارقة.

Facebook Comments

Leave a Reply