أطفال‭ ‬منتصف‭ ‬الليل

مع‭ ‬احتدام‭ ‬الحرب‭ ‬الأهليّة‭ ‬مجدداً‭ ‬في‭ ‬جمهورية‭ ‬أفريقيا‭ ‬الوسطى،‭ ‬يزداد‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬الجنود‭ ‬بسرعة‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التدخل‭ ‬الدوليّ‭.‬

جاك‭ ‬لوش

نيوزويك

قبل‭ ‬خمس‭ ‬سنوات،‭ ‬يقول‭ ‬حسن‭ ‬إن‭ ‬رجال‭ ‬الميليشيّات‭ ‬قتلوا‭ ‬والده‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬يبلغ‭ ‬الحادية‭ ‬عشرة‭ ‬من‭ ‬عمره‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬في‭ ‬بلدة‭ ‬كاغا‭ ‬باندورو،‭ ‬وهي‭ ‬بلدة‭ ‬صغيرة‭ ‬لتجارة‭ ‬الماشية‭ ‬في‭ ‬جمهورية‭ ‬أفريقيا‭ ‬الوسطى‭. ‬

ولم‭ ‬يصدق‭ ‬الفتى‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعتريه‭ ‬الغضب‭ ‬والحزن،‭ ‬والذي‭ ‬ينحدر‭ ‬من‭ ‬الأقليّة‭ ‬المسلمة‭ ‬المحرومة‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬أن‭ ‬المحاكم‭ ‬ستحقّق‭ ‬العدالة،‭ ‬والشيء‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬وثق‭ ‬به‭ ‬كان‭ ‬الكلاشينكوف‭ ‬حسب‭ ‬قوله‭.‬

لذلك،‭ ‬وبعد‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭ ‬من‭ ‬وفاة‭ ‬والده،‭ ‬يقول‭ ‬حسن‭ – ‬الذي‭ ‬تعرفه‭ ‬مجلة‭ ‬نيوزويك‭ ‬باسم‭ ‬مُستعار‭ ‬لأسباب‭ ‬أمنيّة‭: ‬إنه‭ ‬انضم‭ ‬إلى‭ ‬تحالف‭ ‬سيليكا‭ ‬للمتمردين،‭ ‬وهو‭ ‬تحالف‭ ‬من‭ ‬المقاتلين‭ ‬المحليّين‭ ‬والأجانب‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الأهليّة‭. ‬

وقد‭ ‬استولت‭ ‬الجماعة‭ ‬الإسلاميّة‭ ‬على‭ ‬مساحات‭ ‬شاسعة‭ ‬من‭ ‬البلاد‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2013‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬مما‭ ‬أدّى‭ ‬إلى‭ ‬عمليّات‭ ‬انتقاميّة‭ ‬على‭ ‬الأغلب‭ ‬من‭ ‬ميليشيّات‭ ‬مسيحيّة‭ ‬تسمى‭ ‬“مكافحة‭ ‬البالاكا”‭.‬

وظيفته‭ ‬الأولى‭: ‬عمل‭ ‬حارساً‭ ‬شخصياً‭ ‬لأحد‭ ‬القادة‭ ‬الذي‭ ‬قامت‭ ‬جماعته‭ ‬المسلحة‭ ‬بترويع‭ ‬وإرهاب‭ ‬البلدات‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬البلد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬تتعدى‭ ‬مساحته‭ ‬مساحة‭ ‬ولاية‭ ‬تكساس،‭ ‬والذي‭ ‬يقع‭ ‬بين‭ ‬تشاد‭ ‬وجمهوريّة‭ ‬الكونغو‭ ‬الديمقراطيّة‭. ‬

وبعد‭ ‬مرور‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر،‭ ‬يقول‭ ‬حسن‭: ‬إنه‭ ‬قد‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬رتبة‭ ‬ملازم،‭ ‬وتولى‭ ‬مسؤوليّة‭ ‬حوالي‭ ‬50‭ ‬شخصاً،‭ ‬بينهم‭ ‬10‭ ‬أطفال‭ ‬آخرين‭. ‬

“في‭ ‬البداية،‭ ‬كنتّ‭ ‬خائفاً”،‭ ‬كما‭ ‬صرح،‭ ‬وأكمل‭: ‬“لكن‭ ‬فيما‭ ‬بعد،‭ ‬تبدّد‭ ‬هذا‭ ‬الخوف‭ ‬واعتدت‭ ‬على‭ ‬حمل‭ ‬السلاح”‭.‬

كما‭ ‬كلّفه‭ ‬المتمردون‭ ‬بتجنيد‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الأطفال،‭ ‬وأعطوه‭ ‬مكافآت‭ ‬متفرقة‭ ‬وزهيدة‭.‬

ويقول‭ ‬حسن‭: ‬“أحببت‭ ‬عملي‭ ‬وفي‭ ‬أيام‭ ‬العطلات‭ ‬الخاصة،‭ ‬كانوا‭ ‬يمنحونني‭ ‬السجائر‭ ‬والأموال”‭.‬

ولكن‭ ‬مع‭ ‬اشتداد‭ ‬الحرب،‭ ‬تضاءلت‭ ‬الإمدادات‭ ‬،‭ ‬وارتفع‭ ‬عدد‭ ‬القتلى‭ ‬من‭ ‬الجانبين،‭ ‬ونام‭ ‬هو‭ ‬وفصيلته‭ ‬في‭ ‬الأدغال‭ ‬معظم‭ ‬الليالي‭. ‬

وبينما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مهمّة‭ ‬الحراسة،‭ ‬اعترف‭ ‬بأنه‭ ‬كان‭ ‬يطلق‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬المدنيّين،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يستمعوا‭ ‬إلى‭ ‬أوامره‭ ‬ويتوقفوا‭. ‬

“لقد‭ ‬رأيت‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الدماء”،‭ ‬بحسب‭ ‬وصفه‭. ‬وأضاف‭ ‬قائلاً‭: ‬“كنت‭ ‬دوماً‭ ‬سعيداً‭ ‬بعد‭ ‬مهاجمة‭ ‬بلدة‭ ‬ما،‭ ‬ولكن‭ ‬هذا‭ ‬الشعور‭ ‬قد‭ ‬تبدّد،‭ ‬وأصبحت‭ ‬خائفاً‭ ‬عندما‭ ‬أدركت‭ ‬أن‭ ‬عدوّي‭ ‬سيعود”‭.‬

يستمر‭ ‬اليوم‭ ‬سفك‭ ‬وإراقة‭ ‬الدماء

بعد‭ ‬هدوء‭ ‬مؤقّت‭ ‬في‭ ‬أوائل‭ ‬عام‭ ‬2016،‭ ‬استعرت‭ ‬الحرب‭ ‬الأهليّة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬العام‭. ‬وانقسم‭ ‬تحالف‭ ‬الثوّار‭ ‬إلى‭ ‬فصائل‭ ‬متنافسة‭ ‬تقاتل‭ ‬للاستيلاء‭ ‬على‭ ‬موارد‭ ‬المياه‭ ‬المعدنيّة‭ ‬وطرق‭ ‬التجارة‭ ‬الواقعة‭ ‬عبر‭ ‬جمهوريّة‭ ‬أفريقيا‭ ‬الوسطى‭. ‬وتعزّز‭ ‬الميليشيات‭ ‬صفوفها‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬الأطفال،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تناضل‭ ‬فرق‭ ‬عمل‭ ‬تقودها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لمساعدة‭ ‬آلاف‭ ‬الجنود‭ ‬السابقين‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬على‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭. ‬

وفي‭ ‬مارس‭/ ‬آذار،‭ ‬قالت‭ ‬الأمين‭ ‬العام‭ ‬للشؤون‭ ‬الإنسانيّة‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أورسولا‭ ‬مولر‭: ‬“إن‭ ‬تجنيد‭ ‬الأطفال‭ ‬واستخدامهم‭ ‬بواسطة‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬قد‭ ‬ازداد‭ ‬بنسبة‭ ‬50‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2016‭ ‬و2017”،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬النزاع‭ ‬في‭ ‬التصاعد‭. ‬ويُستخدم‭ ‬الآن‭ ‬عدة‭ ‬آلاف‭ ‬من‭ ‬الفتيان‭ ‬والفتيات‭ ‬باعتبارهم‭ ‬مقاتلين‭ ‬وطباخين‭ ‬وسعاة‭ ‬وبوابين،‭ ‬وفقاً‭ ‬لما‭ ‬ورد‭ ‬عن‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لرعاية‭ ‬الطفولة‭ (‬اليونيسيف‭). ‬

وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬يتعرض‭ ‬الأطفال‭ ‬للإيذاء‭ ‬من‭ ‬المقاتلين‭ ‬الأكبر‭ ‬سناً،‭ ‬ويتلقّون‭ ‬أوامر‭ ‬بارتكاب‭ ‬الفظائع‭ ‬ويُستخدمون‭ ‬باعتبارهم‭ ‬دروعاً‭ ‬بشريّة‭. ‬

وقد‭ ‬عانى‭ ‬معظمهم‭ ‬من‭ ‬صدمات‭ ‬شديدة‭ ‬وعميقة‭. ‬

وتشير‭ ‬ماري‭ ‬بيير‭ ‬بويرير،‭ ‬المديرة‭ ‬الإقليميّة‭ ‬لليونيسف‭: ‬“إن‭ ‬الأطفال‭ ‬يدفعون‭ ‬أعلى‭ ‬ثمن‭ ‬لهذه‭ ‬الموجة‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬العنف”‭. ‬

ومنذ‭ ‬عام‭ ‬2004،‭ ‬قامت‭ ‬الدول‭ ‬الغربيّة‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدوليّة‭ ‬مثل‭ ‬المفوضيّة‭ ‬الأوروبيّة‭ ‬والأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والبنك‭ ‬الدوليّ‭ ‬بتمويل‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬برامج‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬جمهورية‭ ‬أفريقيا‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لقمع‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬التمرد‭ ‬وتشجيع‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬على‭ ‬حل‭ ‬جماعاتهم‭ ‬ومساعدة‭ ‬المقاتلين‭ ‬على‭ ‬العودة‭ ‬والاندماج‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭.‬

كما‭ ‬تقدّم‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬عادة‭ ‬الحوافز‭ – ‬مثل‭ ‬الدعم‭ ‬التعليميّ‭ ‬والتدريب‭ ‬المهنيّ‭ ‬والعمل‭ ‬المدفوع‭ – ‬للمقاتلين،‭ ‬متضمناً‭ ‬الجنود‭ ‬الأطفال،‭ ‬لتشجعيهم‭ ‬على‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬أسلحتهم‭.‬

ولكن‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬حوالي‭ ‬12500‭ ‬طفل‭ ‬أطلقت‭ ‬سراحهم‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2014،‭ ‬تُظهر‭ ‬أرقام‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلث‭ ‬الأطفال‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬حوالي‭ ‬4500‭ – ‬ما‭ ‬زالوا‭ ‬ينتظرون‭ ‬المساعدة‭. ‬وتشمل‭ ‬الأسباب‭ ‬الرئيسيّة‭ ‬لذلك‭ ‬الافتقار‭ ‬إلى‭ ‬المال‭ ‬المتعلق‭ ‬بعمليّات‭ ‬اليونيسف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭. ‬

على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬تعاني‭ ‬العمليّات‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬التمويل‭ ‬بنسبة‭ ‬90‭ ‬بالمائة‭ ‬تقريباً،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تشغيل‭ ‬عمّال‭ ‬الإغاثة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬عليها‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلّحة‭. ‬

يقول‭ ‬أحد‭ ‬كبار‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الإغاثة‭ ‬والذي‭ ‬تحدّث‭ ‬بشرط‭ ‬عدم‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬هويّته‭ ‬بسبب‭ ‬حساسيّة‭ ‬الموضوع‭: ‬“إذا‭ ‬لم‭ ‬نقم‭ ‬بهذا‭ ‬العمل‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح،‭ ‬فإن‭ ‬الأطفال‭ ‬يعودون‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة”‭. ‬

ويحاول‭ ‬الوسطاء‭ ‬إقناع‭ ‬قادة‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬بأن‭ ‬إطلاق‭ ‬سراح‭ ‬الجنود‭ ‬الأطفال‭ ‬سوف‭ ‬يدعم‭ ‬الميليشيّات‭ ‬التابعة‭ ‬لهم،‭ ‬وذلك‭ ‬مقابل‭ ‬إمدادهم‭ ‬بالموارد‭ ‬الحيويّة‭ ‬مثل‭ ‬الغذاء‭ ‬والماء‭ ‬للمقاتلين‭ ‬الآخرين‭. ‬

ويقول‭ ‬عامل‭ ‬الإغاثة‭: ‬“‭ ‬وبعد‭ ‬ذلك،‭ ‬يوقّع‭ ‬الطرفان‭ ‬على‭ ‬اتفاقيّة؛‭ ‬نتعهد‭ ‬فيها‭ ‬بأننا‭ ‬سنرعى‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال،‭ ‬مقابل‭ ‬أن‭ ‬يتعهدوا‭ ‬هم‭ ‬بعدم‭ ‬تجنيدهم‭ ‬مرة‭ ‬أخرى”‭.‬

لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬برامج‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬عنصراً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬جهود‭ ‬بناء‭ ‬السلام‭ ‬التي‭ ‬تتبنّاها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬لكن‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬مشاكل‭ ‬ومعضلات‭. ‬يقول‭ ‬عمال‭ ‬الإغاثة‭ ‬لمجلة‭ ‬نيوزويك‭: ‬إنه‭ ‬أثناء‭ ‬المفاوضات،‭ ‬يحاول‭ ‬قادة‭ ‬الميليشيّات‭ ‬انتزاع‭ ‬المنح‭ ‬لأنفسهم‭ ‬من‭ ‬المنظّمات‭ ‬غير‭ ‬الربحيّة‭ ‬الدوليّة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬إدراج‭ ‬أطفال‭ ‬أو‭ ‬أقارب‭ ‬مزيَّفين‭ ‬باعتبارهم‭ ‬مقاتلين‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬المنح‭.‬

وقد‭ ‬وصفت‭ ‬لويزا‭ ‬لومبارد،‭ ‬وهي‭ ‬خبيرة‭ ‬من‭ ‬جمهوريّة‭ ‬إفريقيا‭ ‬الوسطى‭ ‬وأستاذ‭ ‬مساعد‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬الأنثروبولوجيا‭ ‬بجامعة‭ ‬ييل،‭ ‬بعض‭ ‬مبادرات‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬بأنها‭ ‬“موطن‭ ‬للفساد”،‭ ‬باع‭ ‬فيها‭ ‬المسؤولون‭ ‬شرفهم‭ ‬المهنيّ‭ ‬في‭ ‬البرامج‭ ‬وتقاعسوا‭ ‬عن‭ ‬تعقب‭ ‬المساعدات‭ ‬ومثل‭ ‬هؤلاء‭ ‬الفاسدين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يعطّلوا‭ ‬المانحين‭ ‬ويؤجّجوا‭ ‬تصرّفات‭ ‬المقاتلين‭ ‬السابقين‭. ‬

وبخصوص‭ ‬بعض‭ ‬النقاد،‭ ‬فحتى‭ ‬حملات‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬الناجحة‭ ‬تنتهي،‭ ‬دون‭ ‬قصد،‭ ‬بتشجيع‭ ‬استخدام‭ ‬العنف‭. ‬

ووفقاً‭ ‬لما‭ ‬ذكرته‭ ‬لومبارد،‭ ‬كثيرون‭ ‬في‭ ‬البلاد‭ ‬“يعتبرون‭ ‬أن‭ ‬التمرّد‭ ‬أكثر‭ ‬إثماراً‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬وقت‭ ‬مضى”،‭ ‬حيث‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬البرامج‭ ‬الناتجة‭ ‬للمقاتلين‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬“أفضل‭ ‬الطرق‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬رواتب‭ ‬ومستحقات‭ ‬أخرى”‭.‬

وشاهد‭ ‬بعض‭ ‬المسؤولين‭ ‬أيضاً‭ ‬المسلحين‭ ‬يسلّمون‭ ‬مسدسات‭ ‬محليّة‭ ‬الصنع‭ ‬تستخدم‭ ‬لصيد‭ ‬الطرائد‭ ‬بينما‭ ‬يحتفظون‭ ‬بالأسلحة‭ ‬الأكثر‭ ‬تطوراً‭ ‬في‭ ‬مقرّاتهم‭. ‬

وخلال‭ ‬برنامج‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬الأصغر‭ ‬نطاقاً‭ ‬الذي‭ ‬نُفذ‭ ‬العام‭ ‬الماضي،‭ ‬صرّحت‭ ‬الأمم‭ ‬المتّحدة‭ ‬أن‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬تخلت‭ ‬عن‭ ‬358‭ ‬قطعة‭ ‬سلاح‭ ‬عسكريّة،‭ ‬ولكن‭ ‬94‭% ‬منها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعمل‭. ‬وعندما‭ ‬شارك‭ ‬7500‭ ‬من‭ ‬المسلحين‭ ‬في‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬برامج‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬بين‭ ‬عامي‭ ‬2004‭ ‬و2007،‭ ‬اكتشف‭ ‬الباحثون‭ ‬أن‭ ‬المقاتلين‭ ‬سلموا‭ ‬417‭ ‬بندقيّة‭ ‬فقط،‭ ‬والتي‭ ‬ثُبت‭ ‬استحالة‭ ‬تخزينها‭ ‬وتعقبها‭ ‬تعقباً‭ ‬صحيحاً‭ ‬بسبب‭ ‬قواعد‭ ‬البيانات‭ ‬المزيفة‭.‬‭ ‬

كما‭ ‬عرّف‭ ‬هذا‭ ‬البرنامج‭ ‬مصطلح‭ ‬“سلاح”‭ ‬بإستخفافية‭ ‬لدرجة‭ ‬أن‭ ‬المسؤولين‭ ‬المكلفين‭ ‬بنزع‭ ‬سلاح‭ ‬المقاتلين‭ ‬قبلوا‭ ‬بملابس‭ ‬غير‭ ‬ضارّة‭ – ‬مثل‭ ‬القبّعات‭ ‬العسكريّة‭ ‬–‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭.‬

وفي‭ ‬مقابلة‭ ‬مع‭ ‬نيوزويك،‭ ‬اعترف‭ ‬كينيث‭ ‬غلوك،‭ ‬نائب‭ ‬رئيس‭ ‬بعثة‭ ‬الأمم‭ ‬المتّحدة‭ ‬لحفظ‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬بوجود‭ ‬“الكثير‭ ‬من‭ ‬الممارسات‭ ‬الإشكاليّة‭ ‬والمعضلات‭ ‬في‭ ‬الماضي”‭ ‬وأصر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬صفقات‭ ‬نزع‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬لن‭ ‬تكرر‭ ‬هذه‭ ‬الإخفاقات‭.‬

وفي‭ ‬كلتا‭ ‬الحالتين،‭ ‬فإن‭ ‬إعادة‭ ‬دمج‭ ‬الجنود‭ ‬الأطفال‭ ‬ليس‭ ‬أسهل‭ ‬من‭ ‬نزع‭ ‬سلاحهم؛‭ ‬فمعظمهم‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬صدمة‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭ ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬يقاومون‭ ‬عرض‭ ‬بداية‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭. ‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تعاطي‭ ‬المواد‭ ‬المخدرة‭ – ‬والذي‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يشتمل‭ ‬على‭ ‬خلط‭ ‬الكحول‭ ‬والماريجوانا‭ ‬والأفيون‭ ‬وترامادول‭ ‬في‭ ‬جمهورية‭ ‬أفريقيا‭ ‬الوسطى‭ – ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬شائع‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬يعقّد‭ ‬المشكلة‭. ‬

يقول‭ ‬مارسيلي‭ ‬مونغبو،‭ ‬عامل‭ ‬حماية‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬كاغا‭ ‬باندورو،‭ ‬والتي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الشماليّة‭ ‬التي‭ ‬يسيطر‭ ‬عليها‭ ‬المتمردون‭: ‬“عندما‭ ‬أقابل‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬جماعات‭ ‬مسلحة،‭ ‬فإنهم‭ ‬لا‭ ‬يريدون‭ ‬أن‭ ‬ينظروا‭ ‬إليّ”‭. ‬

وأضاف‭: ‬“إنهم‭ ‬يرون‭ ‬الكثير‭ ‬في‭ ‬الأدغال‭ ‬والفظائع،‭ ‬ويصبح‭ ‬سلوكهم‭ ‬وحشياً‭ ‬وعدوانياً‭. ‬

ولكن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العمل‭ ‬مع‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال،‭ ‬فإنهم‭ ‬يرون‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬لهم‭ ‬هو‭ ‬أمر‭ ‬خاطئ”‭.‬

العقبة‭ ‬التالية‭: ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬المنزل

عندما‭ ‬تطلق‭ ‬الجماعات‭ ‬المسلحة‭ ‬الجنود‭ ‬الأطفال،‭ ‬يعقد‭ ‬القادة‭ ‬المحليّون‭ ‬وعاملو‭ ‬الإغاثة‭ ‬مراسم‭ ‬الاحتفال‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬لتسهيل‭ ‬انتقالهم‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬المدنيّة،‭ ‬سواء‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهم‭ ‬أو‭ ‬لمجتمعاتهم‭. ‬

ويقول‭ ‬مونغبو‭: ‬“الهدف‭ ‬هو‭: ‬إعادتهم‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭. ‬ولكن‭ ‬الوصمة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بماضيهم‭ ‬العنيف‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬قد‭ ‬يرفضهم،‭ ‬ففي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يقبل‭ ‬المجتمع‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال”‭.‬

وبخصوص‭ ‬حسن،‭ ‬فإن‭ ‬مستقبله‭ ‬غير‭ ‬مضمون،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭/ ‬أيلول‭ ‬الماضي‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬74‭ ‬جندياً‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬أطلقت‭ ‬الفصائل‭ ‬المسلحة‭ ‬سراحهم‭. ‬وبعد‭ ‬خمسة‭ ‬أشهر،‭ ‬تجمّع‭ ‬العشرات‭ ‬بعد‭ ‬ظهر‭ ‬أحد‭ ‬الأيام‭ ‬في‭ ‬ضواحي‭ ‬مدينة‭ ‬كاغا‭ ‬باندورو‭ ‬المُغبرة‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬أمنتها‭ ‬قوات‭ ‬حفظ‭ ‬السلام‭ ‬التابعة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭. ‬

وخلع‭ ‬الأطفال‭ ‬أحذيتهم‭ ‬وجلسوا‭ ‬معقودي‭ ‬الساقين‭ ‬على‭ ‬أغطية‭ ‬مفروشة‭ ‬وتظلّلهم‭ ‬أشجار‭ ‬المانجو‭. ‬وقاد‭ ‬عامل‭ ‬في‭ ‬اليونيسف‭ ‬النقاش‭ ‬حيث‭ ‬تحدث‭ ‬خلالها‭ ‬الأطفال‭ ‬عن‭ ‬مشاكلهم‭ ‬وهم‭ ‬يحاولون‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الصدمة‭ ‬التي‭ ‬مروا‭ ‬بها‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭.‬

كان‭ ‬حسن‭ ‬يجلس‭ ‬مرتدياً‭ ‬بدلة‭ ‬رياضيّة‭ ‬سوداء‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬المقدمة‭ ‬وتبدو‭ ‬على‭ ‬ملامح‭ ‬وجهه‭ ‬تعابير‭ ‬جامدة‭. ‬فهو‭ ‬مفلس‭ ‬ويعيش‭ ‬على‭ ‬حصص‭ ‬الإعاشة‭ ‬التموينيّة‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬اليونسيف‭ ‬والتي‭ ‬تتكون‭ ‬معظمها‭ ‬من‭ ‬نبات‭ ‬الكسافة‭ ‬والسردين‭ ‬المعلب‭. ‬

كما‭ ‬أنه‭ ‬بعيد‭ ‬عن‭ ‬أفراد‭ ‬عائلته‭ ‬المتبقين؛‭ ‬فبعضهم‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬مخيمات‭ ‬اللاجئين،‭ ‬وآخرون‭ ‬منهم‭ ‬قد‭ ‬ماتوا‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬فحسن‭ ‬مصمم‭ ‬على‭ ‬الارتقاء‭ ‬فوق‭ ‬الألم‭ ‬وتخطّي‭ ‬الصراع‭. ‬

ويريد‭ ‬تعلم‭ ‬مهارات‭ ‬جديدة،‭ ‬ليصبح‭ ‬خياطاً‭ ‬أو‭ ‬ميكانيكياً‭. ‬

وكما‭ ‬يقول‭: ‬“أنا‭ ‬مستعد‭ ‬لبدء‭ ‬حياة‭ ‬جديدة”‭.‬

دُعم‭ ‬التقرير‭ ‬الخاص‭ ‬بهذا‭ ‬الموضوع‭ ‬بمساعدة‭ ‬مركز‭ ‬بوليتزر‭ ‬المعنيّ‭ ‬بتقديم‭ ‬التقارير‭ ‬حول‭ ‬الأزمات‭.‬

Facebook Comments

Leave a Reply