أكاذيب ساطعة ومدوية

في فيلم «ذا بوست» المفضل، قاد إحباط دانيل إلزبيرغ المتعلق بأكاذيب وزير الدفاع روبيرت ماكنمارا لتسريب وثائق البنتاغون.  لكن القصة الحقيقية كانت التستر على جريمة اغتيال قام بها أحد القبعات الخضر (القوات الخاصة) وغيّرت مسار حرب فيتنام.

جيف ستاين

نيوزويك

ما الذي يدفع المحلل العسكري دانيال إلزبيرغ للمخاطرة بالحبس مدى الحياة بتهمة تسريب وثائق من البنتاغون؛ وثائق سرية للغاية تكشف تاريخاً من الخداع الأمريكي عن الحرب في فيتنام؟ يروي فيلم ذا بوست، الفيلم الذي ينافس على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم، عن خيبة أمل إلزبيرغ من الحرب في فيتنام، والتي بلغت أوجها إثر عودته من هناك في العام 1966 مع وزير الدفاع روبرت ماكنمارا على متن الطائرة، حيث وافق ماكنمارا في حديث سري مع إلزبيرغ بأن هذه الحرب كانت ورطة دموية، لكنه قال لاحقاً للصحفيين أن الولايات المتحدة تحرز تقدماً هناك. ومع ذلك لم يتخذ إلزبيرغ القرار بالغ الأهمية سوى بعد ثلاث سنوات من جرّاء كذبة ماكنمارا التي لا تحتمل.

إن ما دفع إلزبيرغ كان شيئاً آخر تماماً؛ ففي العام 1969، ساورت إحدى وحدات القوات الخاصة الأمريكية الشك حيال أحد أهم عملائها من الفيتناميين، وهو رجل يدعى تاي خاك تشوين، بأنه يعمل لدى الشيوعيين كعميل مزدوج، بعد جهودهم الفاشلة لجعله يعترف بالحقيقة بعد أيام من التحقيق باستخدام مخدر يدعى “مصل الحقيقة”، أخذه ثلاثة من الجنود على متن مركب وأثقلوه بوزن من السلاسل وإطار السيارات وأطلقوا على رأسه الرصاص ثم ألقوا به من على متن القارب. وفي النهاية تسرّب “الإعدام بسبب التعصب المتطرف” بعدما بدأت زوجته تستفسر من السفارة الأمريكية عن أماكن تواجده، تمّ اعتقال سبعة من جنود القوات الخاصة ومن بينهم قائدهم الجسور، العقيد روبرت ريولت، وتمّ اتهامهم بالقتل والتستّر على الجريمة، وسرعان ما تبين أن المتهمين سيقدمون الدليل على موافقة وكالة الاستخبارات الأمريكية على قتل الرجل، وبمجرد أن اتجهت القضية للمحكمة، أثارت الجدل العام، وفجأة أسقط الجيش كل الاتهامات التي تمّ توجيهها للجنود. انزعج إلزبيرغ انزعاجاً شديداً مما آلت إليه القضية، فرأى فيها مجازاً عن شتى أكاذيب الحرب بفيتنام والتغطية عليها. لم تُذكر هذه الحادثة في فيلم ذا بوست؛ غير أنني في كتابي لسنة 1992 ويُدعى جريمة في زمن الحرب: قصة الجاسوس التي تروي مدى المآسي والعذاب والتي بدّلت من مسار الحرب في فيتنام، أصف الدافع الذي أدى بإلزبيرغ في النهاية لاتخاذ قراره في 30 من سبتمبر/ أيلول 1969؛ وفيما يلي مقتطفات منقّحة.

إذا لم يكن هناك شهود، فلن تكون هناك محاكمة… (فوق) دانيل إلزبيرغ الذي سرب وثائق البنتاغون.

لم يعد “الأمريكي الهادئ”

يستلقي دانيال إلزبيرغ في سريره ويقرأ خبراً عن قضية جنود القوات الخاصة في جريدة لوس أنجلوس تايمز، وخارج نافذته، تُقذف مياه المحيط الهادئ بلونها السماوي على رمال شاطئ الماليبو البيضاء، ويستكمل قراءته وهو يشرب قهوته الصباحية وبدأ يفكر في مدى صعوبة التخلي عن كل هذا.

إلزبيرغ نحيف البنية، مثقف، ذو عيون زرقاء ثاقبة، وهو من الخبراء الأمريكيين القلائل في حرب فيتنام؛ حيث قام بالعديد من الرحلات إلى سايغون في أوائل الستينيات باعتباره موظفاً بوزارة الخارجية، يدرس مكافحة العصيان على يد عقيد القوات الجوية الأسطوري وعنصر في وكالة الاستخبارات الأمريكية إدوارد لانزديل، والذي بنى غراهام غرين فيلم ذا كوايت أميركان (الأمريكي الهادئ) بناءً على شخصيته مع بعض التغييرات الخيالية.

كان إلزبيرغ جندي سابق في البحرية، يذهب للقرى ليطرح الأسئلة، وعلى الرغم من كل ما ساوره من شكوك متزايدة حيال الحرب، كتب تقريراً للسفارة الأمريكية عن إيمانه بمبدأ التهدئة، ولكن بعد عدة سنوات، فزع إلزبيرغ من شكل هذا التقرير باعتباره أساساً لما يُعرف “ببرنامج فنيكس الأمريكي”، الذي استهدف اغتيال المشتبه بهم باعتبارهم عملاء للشيوعية. بفضل عمله عام 1964 في وزارة الدفاع، أصبح إلزبيرغ خبيراً معروفاً في ديناميكيات القوة والمفاوضات؛ واستنتج أن تهديدات التصعيد لم تنجح مع مواطني شمال فيتنام، لكنها تؤدّي لنتيجة عكسية تدفع أميركا إلى مستنقع عميق فقط لتحافظ على مصداقيتها.

أخذت شكوك إلزبيرغ حيال حلّ مؤات للحرب تتفاقم مع زجّ كل لواء وسَرِيّة عسكريّة إلى فيتنام، ففي العام 1965 تصادف وجوده في سايغون مع زيارة هنري كيسنجر لها، حينما طلب بيان موجز بشكل غير رسمي بالمعلومات من الخبراء المقيمين بفيتنام، فأخبر إلزبيرغ أستاذ جامعة هارفارد (والأب الروحي للسياسة الخارجية في إدارة نيكسون فيما بعد) أن كبار الضباط العسكريين ضللوا ماكنمارا ووزير الدفاع ليندون جونسون باستمرار، وحثّ كيسنجر على الحديث مع الشباب الأصغر سناً في الميدان، كما حثّه على الذهاب بدون موكب السفارة، والتحدث مع الملازمين والضباط، وبعض المواطنين الفيتناميين من خارج النظام العسكري.

وعاد كيسينجر متشائماً للغاية حيال فرص الانتصار، ومؤمناً بأن حكومة سايغون لا تستحق الدعم، وبأنه لابد من صياغة استراتيجية التفاوض، وأفشى لأصدقائه بأنه لابد من صياغتها لوضع “فترة زمنية ملائمة” بين انسحاب أمريكا من سايغون وسيطرة الشيوعيين الحتمية عليها. وأعرب كيسنجر في محاضرة له عن امتنانه لإلزبيرغ قائلاً: “علمت من دان إلزبيرغ معلومات أكثر مما علمت من أي شخص بفيتنام”، وعلى الرغم من ذلك، بعد عدة سنوات دفعت دعوة الرئيس ريتشارد نيكسون لكيسنجر ليكون مستشار الأمن الوطني- لمراجعة آرائه، فقد أصبح يعتقد الآن أن القصف ينجح أكثر. في الوقت نفسه، أخذ إلزبيرغ على عاتقه مهمة غير عادية، حيث شكّلت وزارة الدفاع الأميركية فريقاً من خبراء الأمن الوطني لصياغة التاريخ الدبلوماسي والعسكري والسياسي لحرب فيتنام، وكان إلزبيرغ ممن تمّ دعوتهم للانضمام للفريق.

وكشفت خزائن وزارة الدفاع الأمريكية عن سجل سريّ للغاية يتناقض تناقضاً كبيراً مع الروايات الرسمية عن الأحداث، فحينما فتش إلزبيرغ في صناديق البرقيّات السريّة والرسائل غير الرسمية وتقارير السفارة ومذكرات لوكالة الاستخبارات الأمريكية يعود تاريخها إلى خمسة وعشرين عاماً، اكتشف أن الولايات المتحدة كدّست خدعاتها من خلال تورطها مع الهند والصين.

كبار الضباط العسكريين ضللوا ماكنمارا ووزير الدفاع ليندون جونسون باستمرار

تروي الوثائق مطالب “هو تشي منه” خلال الحرب العالمية الثانية، والذي كان حينها زعيماً لفدائيين مناهضين للاستعمار؛ حيث طلب نسخة من بيان إعلان الاستقلال وخطته لاستخدامها باعتبارها نموذجاً من أجل فيتنام. وسجلوا تراجع الرئيس هاري ترومان عن العهود التي أبرمها سلفه فرانكلين روزفلت وقت الحرب، والتي تنصّ على منع الفرنسيين من اعتبار مدن لاوس وفيتنام وكامبوديا مستعمرات لهم بنهاية الحرب.

هكذا دفنت وزارة الدفاع الأمريكية في خزانتها تاريخ مقلق ومزعج عن الخداع الرسمي في فيتنام؛ بدايةً من الانتخاب الوهمي لنغو دينه ديم باعتباره رئيساً لجنوب فيتنام وتواطؤ الولايات المتحدة في اغتياله عام 1963، مروراً بحرب الاستخبارات الأمريكية السريّة في لاوس، وحتى العمليات التخريبية بشمال فيتنام وتنفيذ برنامج فينيكس. وعلى الرغم من كل ما سبق، فإن ما أذهل إلزبيرغ على وجه الخصوص، هو سلسلة الأحداث المحيطة بصِدامٍ وقع على خليج تونكين عام 1964، وهي واقعة أثارت قصف الولايات المتحدة لجنوب فيتنام وأدت إلى نزول أول وحدات قتاليّة بريّة؛ واكتشف إلزبيرغ أن تفسير الرئيس جونسون للحادثة كان مزيفاً برمّته.

وبحسب رواية البيت الأبيض، أطلقت قوارب دوريّات الشيوعيين النيران على المدمرات الأمريكية التي لا تشارك في الحرب بالمياه الدولية خارج حدود جنوب فيتنام، أما بحسب الملفات السرية، علم إلزبيرغ أن السفن الحربية كانت تزحف نحو مياه جنوب فيتنام لتدعم مهام القوات الخاصة التخريبية في جنوب فيتنام. حتى ذلك “الهجوم” الصاخب جداً كان غير أكيد؛ إذ إن أحد قادة هذه السفن أساء تفسير “ظلال” الردار على أنها طوربيدات؛ ولم يكن ثمة دليل آخر على وجود هجوم. استغل كلاً من جونسون والبنتاغون هذه الواقعة لتدفع الكونغرس لتمرير قرار حرب مفتوحة.

إن ما دفع إلزبيرغ كان شيئاً آخر؛ ففي عام 1969، ساورت إحدى وحدات القوات الخاصة الشك حيال أحد أهم عملائها من الفيتناميين، وهو رجل يدعى تاي خاك تشوين، بأنه عميل مزدوج للشيوعيين.

يتصور إلزبيرغ أن هذه الواقعة تلتها مأساة ذات أبعاد هائلة، ونظراً لخدمته في شتى المناصب الرفيعة بالحكومة كانت مثل هذه الأكاذيب مألوفة له، سوى أن هذه الواقعة المخيبة بالذات سبّبت له إحباطاً شديداً؛ فقد كان إلزبيرغ يؤمن بأن تزييف الحقائق عن واقعة “خليج تونكين” مسؤول عن وفاة 16,000 أمريكي حتى الآن، فضلاً عن إصابة مئات الألوف من الفيتناميين، بل والمزيد يموتون كل يوم، (فبنهاية الحرب، يكون 58,000 من عناصر الخدمة العسكرية الأمريكية و1,3 مليون فيتناميّ قد قتلوا).

ويعتقد إلزبيرغ أنه لو كان لدى لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي علم بمثل هذا التزييف، ما كان الكونغرس ليمنح جونسون تفويضاً مطلقاً بشنّ الحرب، وكان الشعب الأمريكي ليدرك أن وعود جونسون بالسلام خلال حملته الانتخابية ما كانت إلا وعوداً كاذبة. وعلم إلزبيرغ من اتصالاته داخل البيت الأبيض أن حزب تكساس الديمقراطي كان يخطط لتصعيد الحرب، تماماً كما فعل نيكسون وكيسنجر، لكن المحلل الأمريكي لم يجد أحد في مجلس الشيوخ على استعداد لتصديقه.

بالنسبة إلى إلزبيرغ، فإن القوات الخاصة الأمريكية هي الخيوط الرئيسية التي تنسج معاً التاريخ السريّ للحرب، بدايةً من مجموعات الإغارة في شمال فيتنام، وحتى وحدة العمليات اللارسمية الخاصة في لاوس ودورهم السابق الدقيق في اغتيال ديم، ثم الفضيحة المحيطة بالعقيد روبرت رولت، قائد القوات الخاصة في فيتنام. وكلما كان إلزبيرغ يقرأ عن هذه القضية في صحيفة لوس أنجلوس زاد اشمئزازه وغضبه، وتوصل إلى أن عملية التستّر بدأت من الأدنى إلى الأعلى ابتداءً من القاعدة حيث الضباط الثلاثة الذين نفّذوا جريمة القتل، ثم إلى الرائد الذي يعلوهم في الرتبة وصولاً إلى رولت، بعدها كذب القائد حول اختفاء تشوين أمام اللواء كرايتون آبرامز، قائد القوات الأمريكية في فيتنام، والذي كذَب بدوره حول دوافع ملاحقة تشوين قانونياً.

وأخيراً، الكذبة الكبرى التي قام بها وزير الدفاع ستانلي ريزور عن سبب إسقاط القضية بأكملها، وبطبيعة الحال كان إلزبيرغ يعلم أنه يمكن إجبار رجال وكالة الاستخبارات الأمريكية على أن يشهدوا في المحكمة. كل ما على الرئيس فعله هو أن يأمرهم ليشهدوا. وأخذ يفكر قائلاً: هذا النظام الذي خدمته منذ خمسة عشر عاماً، نظام يكذب تلقائياً من أعلى رتبه إلى أدناها، ليحمي التستر على جريمة، ثم وجه انتباهه إلى نسخته للتاريخ السريّ للحرب؛ آلاف الصفحات يحتفظ بها في خزنة مكتبه.

كشفت خزائن وزارة الدفاع الأمريكية عن سجل سريّ للغاية يتناقض تناقضاً كبيراً مع الروايات الرسمية عن الأحداث.

“نحتاج لشخصٍ قذر”

بينما كان إلزبيرغ يطيل التفكير، كان نيكسون يجلس على مكتبه البيضاويّ ويدوّن ملحوظة سريعة، وبعد تفكير يشوبه الغموض، مرّر مجلس النواب أخيراً قانون التمويل العسكري تحت إشراف اللواء ميندل ريفرز، الرئيس المقبل للجنة الخدمة العسكرية، والذي كان مِن بين مَن ساعدوا في التستّر على قضية القوات الخاصة بينما كانت القضية قيد التحقيق، وكان الرئيس ممتناً له.

“عزيزي ميندل،

لست بحاجة للتأكيد على أهمية القضايا التي ينطوي عليها بلدنا، فأنت تعرفهم كما أعرفهم أنا، وقد تصرفت مثلما تتصرف دوماً عندما تكون مصلحة الأمة على المحك.

مع جزيل الشكر،

ريتشارد م. نيكسون”.

تعامل نيكسون مع قضية القوات الخاصة تماماً مثلما ظن إلزبيرغ أنه سيفعل، وكان سببه الوجيه وراء ذلك، وفقاً لرؤيته، هو حماية أسرار الأمن القومي، لاسيما تلك المتعلقة بكمبوديا.

يعتقد كل رئيس ممن تعاملوا مع الحرب أنه تصرّف تصرفاً سليماً؛ فمثله مثل سابقيه، تقلّد نيكسون منصبه عازماً على إثبات رؤيته بأنه يمكن الانتصار بالحرب من دون تكبّد خسائر داخلية جسيمة، وقد اضطر كل منهم للتخلي عن أمور صغيرة من استراتيجيته للمحافظة على هالة من الحياة الطبيعية. مثل جونسون وجون ف. كينيدي، عجز نيكسون عن تقديم تفسير مناسب لحالة الالتزام الأمريكي المتصاعد، ليصبح مجبراً على الاعتماد على السرية أكثر فأكثر.

أقسم نيكسون على ألا تنهكه الحرب في فيتنام مثلما أنهكتهم، كان لديه مصادر قلق أكبر بكثير تشتمل على إبرام اتفاقيات الحدّ من التسلّح مع موسكو، والانفتاح على الصين، ووحدة أوروبا، والسلام في الشرق الأوسط، وإصلاح الرعاية والجريمة. وبالنسبة للمؤسسة الليبرالية، كانت رسالة حملة نيكسون الانتخابية مطمئنة؛ إذ أكد أن الحرب ستنتهي والصراع الطويل أشرف على النهاية؛ إذ سيعمّ السلام في الشوارع، وسيستطيع الآباء من “أعظم جيل” التحدّث لأطفالهم المخذولين، وسيذهب الطلاب لدروسهم، وسيتمكن معارضو التجنيد العودة من كندا، وسيعود الجميع لحياتهم الطبيعية.

كان إلزبيرغ يؤمن بأن تزييف الحقائق عن واقعة “خليج تونكين” مسؤول عن وفاة 16,000 أمريكي حتى الآن، فضلاً عن إصابة مئات الألوف من الفيتناميين.

على الرغم من ذلك، كان المقصود من هذه الصورة أن تترجم بشكل مختلف في هانوي؛ لم يكن على جدول أعمال الإدارة سوى كلمة الحرب، وبات الرأي العام الأمريكي تحت السيطرة، وكان لنيكسون الحرية في مواصلة القتال وفقاً لشروطه الخاصة، وهذا تماماً ما رغب رجال نيكسون توصيله لهوتشي منه.

ظهرت قضية القوات الخاصة، وبدت جريمة تافهة مقارنةً بالمجازر بالجملة التي كانت تشنّها الولايات المتحدة على جنوب فيتنام. تهافتت الرسائل الآتية التي تهدّد بإشعال الجدل مجدداً حول أخلاقية هذه الحرب وسلوك القوات وسبل العمليات السرّيّة ومدى النشاطات الواسعة التي تشير لغزو أمريكي في كامبوديا. لقد هددت القوات الخاصة بجعل هذه الحرب حربها الخاصة، ففي أواخر سبتمبر/ أيلول ادعى نيكسون عدم اهتمامه بالحرب في فيتنام، فأمضى أياماً في كامب ديفيد وفي الإبحار في سيكويا، ولعب الغولف بنادي بيرنينغ تري مع الممثل بوب هوب، واستضاف رئيسة وزراء اسرائيل جولدا مائير في عشاءٍ براق بالبيت الأبيض، بينما أخفى وراء هذا الهدوء الظاهر مستنزَف من حرب فيتنام تماماً كسابقه.

وفي صباح يوم 25 سبتمبر/ أيلول 1969، عقد الرئيس اجتماعاً على الإفطار دعا له كافة الجنرالات، وبدا الاجتماع الرسمي بالطابق السفلي اجتماعاً روتينيّاً، لكن جدول الأعمال كان يضم خططاً سرية لغزو كامبوديا ولاوس، ومتابعة قصف شمال فيتنام وتفجير مينائها هايبهونغ. وفي حين بدأ الرئيس يعرف بحادث القوات الخاصة، كان متهمو البيت الأبيض يقومون ببحثٍ ذو صلة في سايغون، وكانت تصل يومياً إلى البيت الأبيض مذكرات إحضار للشهادة من المحامين لكلٍ من رئيس وكالة الاستخبارت الأمريكية ريتشارد هيلمز، ووزير الدفاع ميلفن لايرد، ووزير الدفاع ريزور، فيما يتعلق بسنوات من العمليات غير القانونية في الهند الصينية. وتمّ إرسال التماسات من الدفاع تطالب الرئيس بالتدخل وإسقاط التهم، حتى جاءه اتصال، لا يمكن وصفه بأنه غير مباشر تماماً، من رئيس لجنة الخدمة العسكرية ريفرز يطالبه بالإطاحة بالقضية.

وعد نيكسون باتخاذ الإجراء اللازم، لكنه للعجب لم يفعل، هل كان لا يزال يرغب في حرق رئيس وكالة الاستخبارت هيلمز بتوريط الوكالة في قضية القوات الخاصة؟ كان بوب هالدمان كبير موظفي نيكسون يعتقد هذا، ولكنه بنهاية الأسبوع أدرك بأنه لابد أن يلفت نظر رئيسه للقضية، وكتب ملحوظة لنفسه قائلاً “قضية القوات الخاصة – يوم الإثنين”، لابد من التخلص منها.

أراد نيكسون أن يسدّد ضربة أقوى للقوى المناهضة للحرب.

بدا اهتمام الرئيس بقضية القوات الخاصة الأمريكية أقل من طلاب الجامعات الذين عادوا لتَوِّهِم لحرم الجامعة لتصعيد تظاهراتهم المناهضة للحرب، ففي إبريل/ نيسان، اقتحم أكثر من 300 متظاهر مناهض للحرب ساحة جامعة هارفارد، وطاردوا العديد من عمداء الجامعة وأعضاء هيئة التدريس، واحتلوا المبنى حتى أخلتهم الشرطة في مداهمة دموية. وخلال العام الماضي، تصاعدت شراسة تظاهرات الجامعات المناهضة للجيش، ما أدى إلى إغلاق أربعين كلية وبرامج روتك الجامعية (دورات تدريب ضباط الاحتياط). ومع بداية محاكمة “متهمي شيكاغو السبعة”؛ متظاهري الاتفاقية الوطنية الديمقراطية عام 1968، أقسم مارك رود، زعيم الحركة المسلحة “ويذر أندرجراوند” قائلا: “لا يزال العنف في بدايته”.

وكان أكثر ما أزعج نيكسون هو المسيرة التي تمّ الإعداد لها يوم 15 من أكتوبر/ تشرين الأول، فأرسل تشارلي ماكورتر، معاون البيت الأبيض ليلتقي سراً بمنظمي المسيرة سام براون و ديفيد هوك، وعاد ليقدم تقريراً بأن التظاهرات ستكون ضخمة، وحذّر البيت الأبيض من استدعاء الحركة المناهضة للحرب بمزيد من البيانات المأججة. وضع نيكسون النصيحة جانباً، وأمر هالدمان في مذكرة مطولة قائلا: “من الضروري أن نتجاوب بشكل صارم وشديد مع هذا الهجوم الأعمى”.

وطلب نيكسون من بات بوتشانان محرر خطاباته أن يكتب رسالة وهمية ضد حملة ضد تيد كينيدي عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ماساتشوسيتس الذي صرح ببطء انسحاب القوات والمفاوضات واعتبرها غطاءً لمزيد من التصعيد. ولكن، أراد نيكسون أن يسدّد ضربة أقوى للقوى المناهضة للحرب، ففي صباح 28 سبتمبر/ أيلول حينما انتهى محامو الجيش ووكالة الاستخبارات الأمريكية من التفاصيل الأخيرة في ملاحقة القوات الخاصة قانونياً، وأمر نيكسون هالدمان بتعيين تشارلز كولسون، موظف في البيت الأبيض لتولي مهمة التعامل مع مجموعات المصالح الخاصة، للمساعدة في تشويه سمعة الليبراليين. وكتب هالدمان ملاحظاته خلال الاجتماع: “من أفضل رجال المتابعة.. صاحب الحيل القذرة..لنأخذه من وظيفته ونلقي به على الهجوم مباشرةً .. فهو شديد التنافسية .. لا يكّل وليس من رجال العلاقات العامة أصحاب الشعر الأبيض.. نحن بحاجة لشخصٍ قذر”.

يشترك كولسون، أحد المحافظين من نيو إنغلاند، مع نيكسون من حيث كراهيته الكبيرة لآل كينيدي، حيث أرسل هوارد هانت، رجل الاستخبارات السابق إلى حقل العنب مارثا ليرى إلى أي مدى يستطيع أن يبحث عن مزيد من الفضائح حول حادثة تشاباكويديك حيث وقعت سيارة تيد كينيدي عن مسار الجسر وترك موظفة لتغرق بسيارته. وفي واشنطن، بدأ هانت بحثه السريّ حول تورط إدارة كينيدي في الإطاحة برئيس جنوب فيتنام نغو دينه ديم، وأوصى بتزييف رسائل دبلوماسية سريّة تربط كينيدي شخصياً باغتيال ديم.

وأخيراً، أصبح نيكسون مجبراً على الإهتمام بقضية القوات الخاصة خلال اجتماعه اليومي بموظفيه في التاسعة صباحا يوم 29 من سبتمبر/ أيلول، في هذا الصباح غطّت جميع برامج الشبكات الإخبارية فيلماً عن المحاميين المدنيين والصحافة التي تهافتت على سايغون للتقصّي لما يسمى “بأكبر عرض للمحاكمة خلال العقد”.

يعتقد كل رئيس ممن تعاملوا مع الحرب أنه تصرّف تصرفاً سليماً

في مكتبه البيضاوي، جلس نيكسون قائلاً: بأنه قد حان الوقت للتخلّص من القضية، فكانت التسريبات التي تفيد بتورط الاستخبارات الأمريكية في قضية القوات الخاصة قد نالت من هيلمز بما فيه الكفاية، كما نمى إلى سمع هالدمان ومساعد الرئيس جون إيرليشمان شائعات تفيد بأن رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية استغل النائب العام جون ميتشيل للضغط على نيكسون للتدخّل في القضية، وزُعم أن هيلمز قال، إذا استمرت القضية فلن يكون للوكالة أدنى قيمة في حرب فيتنام. ولكن لم يكن من السهل إخفاء القضية بعد أسابيع من الأخبار المروّعة عن تورط الوكالة بالاغتيالات.

أخذ الرئيس وموظفوه يفكرون بالبدائل، واقترح هالدمان الاستعانة بإيغل كرو، أحد محاميّي إيرليشمان المسؤولين عن هانت وغوردون ليدي، وهو عميل سابق بمكتب التحقيق الفيدرالي، وعلى استعداد للقيام بأي مهمة لمساعدة نيكسون، علاوة على أنه جدير بالثقة؛ فهو من كان يساعد كولسون بحِيَلِه القذرة ضد المسؤولين ممن يشتبه بخيانتهم للرئيس.

وشرح هالدمان في ملاحظاته أنه من الممكن أن يكون رجال كيسنجر متورطين أيضاً، “لنحصل على خطاب من وكالة الاستخبارات يفيد بأنهم سوف يرفضون تأمين شهود لمحاكمة القوات خاصة، هذا هو الامتياز التنفيذي”، ويمكن الاتفاق على التفاصيل مع مستشار وكالة الاستخبارات لاري هيوستن، صرّح نيكسون قائلا: “إن غياب شهود وكالة الاستخبارات من شأنه أن يضر بحقوق المتهمين”.

إذا لم يكن هناك شهود، فلن تكون هناك محاكمة، ماذا عن كرايتون آبرامز قائد القوات في فيتنام؟ كان قائداً قاسياً، ونحن لا يمكن أن نغرق سفينة بأكملها بسبب قائد يكره القوات الخاصة، فليفرغ غضبه بطريقة أخرى. ماذا عن ريزور وزير الدفاع الأمريكي؟ ليتلقى رسائله من وكالة الاستخبارات، ماذا يمكن أن يفعل؟ لن يكون له خيار سوى مجاراة الأمور. هكذا فكّر نيكسون أن تنتهي القضية من دون أثر لبصمات البيت الأبيض.

مجموعة من سجناء الفيتكونغ في صورة تعود للعام 1973

أهمّ تسريب على الإطلاق

في صباح يوم 30 سبتمبر/ أيلول، قرأ إلزبيرغ شرح ريزور لإسقاط التهم، فما كانت وكالة الاستخبارات لتقدم شهود يساندون أقوال متهمي القوات الخاصة بأن اثنين من جواسيس الوكالة نصحوهم “بالتخلص” من تشوين، العميل الفيتنامي المتهم بالخيانة. وعند مواجهة ريزور بذلك قال: “لا يمكن أن يحصل المتهمون على محاكمة عادلة، وفقاً لذلك أمرت اليوم بإسقاط كافة التهم على الفور”.

وضع إلزبيرغ الجريدة جانباً، وفكر ثانيةً في الوثائق السرّيّة للغاية بخزنته. إذا سرّبها ستتبدل حياته بالكامل. سيُحكم عليه بالسجن لسنواتٍ طوال، فالوثيقة الأمنية واضحة جداً بهذا الخصوص، وسيخسر منزله الفسيح على شاطئ المحيط الهادئ. وبعد ذلك من يدري؟ فلن يكون مؤهل لوظيفته كمستشار بالحكومة، ومن سيهتم بمهاراته السرية؟!

لكنه رأى صورة أخرى في ذهنه أقل شخصية؛ صورة آلاف الموتى والعاجزين من الجنود الأمريكيين لأعوام وأعوام قادمة، صورة لمليون قتيل من فيتنام ولاوس وكامبوديا، ألسنة اللهب تتصاعد من القرى وعويل الفلاحين. رأى إلزبيرغ أنها آثار المجزرة التي امتدت أبعد من آفاق خياله.

لابد أن تتوقف الأكاذيب، إن مقتل تشوين أودى بحياة واحدة، لكنه كان واحداً أكثر من اللازم. وعلم إلزبيرغ بأن الوثائق التي يحتفظ بها في خزنته ستزيح الستار عن أسرار جرائم القتل الجماعي، فهي توضح السبب وراء مقتل مليوني فيتناميّ في الحرب الباردة الأمريكية الروسية، كما توضح كيف قام أربعة رؤساء أمريكيّين بتصعيد حربهم تصعيداً سرياً عقيماً قبل انتخاب نيكسون. علِم إلزبيرغ الآن سوف يُفتح فصل جديد في تاريخ الجريمة.

فقط عندما يرى مجلس الشيوخ والشعب الأمريكي الوثائق السرية سوف يقتنعون أن إلزبيرغ كان يعرف: والتي تفيد بأن نيكسون وكيسنجر كانا يخططان للمزيد من التصعيد بينما يعلنون عن السلام، وأنهم كانوا يقصفون كمبوديا على الرغم من إنكار البيت الأبيض الشديد قبل ستة أشهر ، وأن الولايات المتحدة ظلّت لفترة طويلة تحوم حول لاوس وكامبوديا، وأنها كانت تدير فرق الموت تحت غطاء برنامج شرطة يسمى “فينيكس”. ويعتقد إلزبيرغ أنه إذا فهم الكونغرس الماضي قد يأخذون في الاعتبار المستقبل الدامي.

اتصل إلزبيرغ بأنطوني روسو، زميله بمؤسسة راند في سانتا مونيكا، ليعمل روسو على المشروع التاريخيّ السريّ، ومثله مثل إلزبيرغ كان مستشاراً بالبنتاغون ومؤمناً بقضية فيتنام.

سأل إلزبيرغ روسو “هل تعرف أين يمكن أن توجد ماكينة تصوير؟” جاوبه روسو، وكان مستعداً للذهاب. وقال أنه كان باستطاعته أن يبدأ في تصوير الأوراق في تلك الليلة.

فردّ عليه إلزبيرغ “إذاً، دعنا نفعل ذلك”

أخذ إلزبيرغ يفكّر والحماس يملأه، عندما أغلق الهاتف، إنها لسخرية رائعة أن يعتقد نيكسون بأنه يستطيع إخفاء هذه المعلومات للأبد.

وأقسم إلزبيرغ أنه لن يحدث ذلك هذه المرة ومع هذه الجريمة، فقد بدأ نيكسون اكبر تسريب للحقائق، للسر بأكمله، وللتاريخ الدنيء.

هذه المرة سترى ملفات البنتاغون طريقها للنور.

رون زيغلر، مستشار الرئيس نيكسون الإعلامي في صورة مع الرئيس. يُقال إنه كان أكثر ما أزعج نيكسون هو المسيرة التي تمّ الإعداد لها يوم 15 من أكتوبر/ تشرين الأول.

Facebook Comments

Leave a Reply