إلى أين تتجه الأزمة في الخليج؟

');

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

 

يُحكى أنه في عصر الجاهلية، في منطقة القصيمٍ بنجد، تسابقت خيولٌ تعود لقيس بن زهير العبسي الغطفاني وكان أحد الخيول فرساً تُدعى الغبراء والآخر حصانٌ إسمه داحس. وتراهن قيس مع زميل له يُدعى حُذيفة بن بدر الذبياني الغطفاني على أن من يسبق من الخيل التي وضعا عليها الرهان يحظى بشرف حماية قوافل تجارة تعود للنعمان بن المنذر، أشهر ملوك المناذرة قبل الإسلام. وكان النعمان قد أوكل حماية قوافل حجاج المناذرة لقيس بن زهير، أي للعبسيين، بعدما تعرضت إحدى قوافله للسلب وهي تحت حماية الذبيانيين. وقام رهان حُذيفة الذبياني على الغبراء بينما جاء رهان قيس العبسي على داحس، وكان مسار السباق طويلاً ويأخذ أياماً.

وحدث أنّ الذبياني أوعز لأصدقاء له أنْ يُعيقوا تقدم داحس لكي تسبقه الغبراء، وعندما اكتشف قيس العبسي الخديعة، ثارت حربٌ دامت أربعين عاماً، انقسمت فيها القبائل العربية بين مؤيد لعبس أو مناصر لذبيان. وهي نفسها الحرب التي مات فيها الفارس الشهير عنترة بن شدّاد ولم تنته إلا بعدما قام هرم بن سنان والحارث بن عوف، وهما من أشراف بنو ذبيان بدفع دية القتلى من الجهتين من مالهما، وقام الشاعر المعروف وأحد أصحاب المعلقات في الجاهلية، زهير بن أبي سلمى، بمدح فعلهما في معلقته.

داحس والغبراء لم تكن أول حرب ولا أطولها في شبه الجزيرة العربية، لكنها كانت أحد أشهر الحروب التي شهدتها المنطقة والتي أتت بسبب غش من أحد بنو ذبيان في أثناء محاولته لاسترجاع ما آمن بأنه حقّ لقبيلته. ويبدو أنّ النفوس كانت ممتلئة بالحقد بين قبيلتين من أبناء العمومة تتشاركان الجد نفسه (بغيض بن ريث بن غضفان) فتم تفضيل خيار الحرب التي أبادت فُرساناً يشهد لهم التاريخ، وانتهت الحربُ، كما بدأت، بالمال.

قد لا تكون هذه الواقعة التاريخية مرتبطة كلّياً بما يحدث اليوم بين قطر والسعودية والإمارات والبحرين، إلّا أن بعض الوقائع تتشابه لناحية القرابة التاريخية بين قبائل الدول العربية في الخليج، ولناحية أنّ إحداها متهمة بأذية دول الجوار، فهل يُعقل أنّه مع سباق التسلح في العالم وفي المنطقة، ومع التوترات المحلية والإقليمية أن نشهد صراعاً طويل الأمد بين الدول الخليجية؟ وهل يمكن أن تتحول داحس والغبراء في عصرنا هذا إلى ساحات نزال حديثة متمثلة في قاعات المحاكم وشاشات التلفزة ومدونات الشبكة العنكبوتية وصفحات الجرائد والمجلات؟

 

قطر مُصِرّة، والرباعية تتحضر

أعلنت قطر يوم الأحد 9 يوليو/ تموز ٢٠١٧، أنها تنوي مطالبة دول الرباعية، السعودية والإمارات والبحرين ومصر، بتعويض عن الأضرار التي لحقت بها بسبب الحظر الجوي والبري والبحري الذي فرضته عليها تلك الدول وعلى رعاياها، مهما كانت قيمة الضرر. كما وهددت الدوحة أن من يسيء للدولة فسيتعرض للملاحقة القضائية.

وقالت قطر إنها شكّلت لجنة للمطالبة بتعويضات، يرأسها النائب العام القطري علي بن فطيس المري، لمتابعة القضايا المتوقع رفعها ضد دول الرباعية.

وبحسب المري، فإن اللجنة ”ستبحث في طلبات تعويض“ مقدمة من عدة شركات ومن ضمنها الخطوط الجوية القطرية، بالإضافة للطلبات الفردية كالطلاب القطريين الذين مُنِعوا من البقاء في الدول الأربع المذكورة بسبب جنسيتهم، وبالتالي تعذّر عليهم متابعة تحصيلهم العلمي. أما ساحة النزاع القضائي فمتعددة، من محاكم قطر إلى لندن وباريس وغيرها من العواصم الغربية.

وكانت الدول الخليجية الثلاث—التي تُشَكِّل حدود قطر البرية من الشمال والغرب والجنوب— قد فرضت عقوبات على الدوحة يوم الإثنين ٥ يونيو/حزيران ٢٠١٧. كما ومُنع المواطنين القطريين من دخول تلك الدول أو المرور بها أو العيش فيها، وبالتالي تم فرض حظر جويّ وبرّي وبحري على قطر، مما ترك لها منفذاً وحيداً: إيران، التي فتحت منفذها الجوي والبحري للدوحة التي تعتمد على الإستيراد من أجل تلبية حاجات ٢،٧ مليون شخص يعيشون على أراضيها. كما وقامت دول الرباعية بقطع كل العلاقات الدبلوماسية مع الدوحة، وطردت الدبلوماسيين القطريين على أراضيهم.

وكان وزير خارجية قطر، الشيخ محمد آل ثاني قد كتب على حسابه الخاص في تويتر يوم ١ يوليو أنه يعتبر ”الحصار“ المفرض على بلاده انتهاكا لـ ”المواثيق الدولية،“

وزير خارجية أميركا ريكس تيليرسون يتبادل مذكرة تفاهم وقّعها مع نظيره القطري الشيخ محمد آل ثاني في الدوحة الثلاثاء ١١ يوليو/تموز وتهدف تعزيز قدرة الدوحة على محاربة الإرهاب ووقف سُبُل تمويله. المصدر: رويترز

وكان أوّل من كشف في ١ يوليو أن ”قطر لديها أكثر من ١٣ ألف حالة إنسانية تأثرت“ من الحظر الذي شبّهه بـ ”العقاب الجماعي.“ وفي اليوم نفسه، قالت قناة الجزيرة، التي تتخذ من الدوحة مقراً لها وتتهمها دول الرباعية ببث الفتنة وتُطالب بإغلاقها، إن قطر وقّعت اتفاقية مع ”مكتب محاماة دولي في سويسرا بشأن قضية تعويض المتضررين من الحصار المفروض على قطر.“

في المقابل، أعلن وزير العدل في قطر، حسن بن لحدان المهندي، أن وزارته تعمل على إتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة لملاحقة ومتابعة كل من أساء لدولة قطر.

وقال المهندي يوم الأحد، 9 يوليو، إنّ قطر تعرضت «قبل قرار الحصار، وفي أثناء الأزمة لحملة ممنهجة وظالمة، أخذت مختلف الأوجه، للإساءة إلى قطر ورموزها، وهي إساءات موثقة، لن تفلت من يد القانون“.

وأكد أن الدولة «لن تتوانى عن إتخاذ كل ما يلزم من ترتيبات قانونية تحفظ لها أمنها واستقرارها وحقوق مواطنيها والمقيمين على أرضها، وستتخذ كافة الإجراءات المناسبة لهذا الغرض، داخليا وخارجيا“.

كما وأشاد بتشكيل اللجنة الخاصة بالمطالبة بالتعويضات عن الضرر مما أسماه «الحصار» المفروض على الدوحة.

هذه الخطوة تُعيد إلى الأذهان كلام النائب العام في الإمارات لناحية تجريم أي تعاطفٍ مع قطر إن كان كلامياً أو كتابةً أو بالفعل تحت طائلة عقوبة السجن لمدة تصل إلى ١٥ عاماً بالإضافة إلى فرض غرامة تصل إلى ملايين الدراهم، وتَبِعَ الإمارات في هذا الإعلان الدول الثلاث المكوِّنِة للرباعية.

وإذا كان الموقف القطري الرافض للإذعان للشروط الـ١٣ التي كانت دول الرباعية قد إشترطتها لتصحيح مسار العلاقات مع الدوحة، فهذا يعني إننا أمام طريق طويل من العناد المتبادل لناحية رفض الدوحة الخضوع لشروط الرباعية، في مقابل رفض الرباعية لعودة المياه إلى مجاريها والإنخراط في حوار مع الدوحة لحل الأزمة قبل تحقيق تلك الشروط.

وتُطالب دول الرباعية قطر بوقف نشر الفتن، وطرد جميع الأفراد والجماعات المتطرفة وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين المحظورة خليجياً من الدوحة، ووقف دعم الإرهاب. كما وتطالبها هذه الدول بإغلاق القاعدة العسكرية التركية وخفض تمثيلها الدبلوماسي مع طهران، التي يرون فيها عدواً ذو نزعة توسعية، بالإضافة لإغلاق قناة الجزيرة التي تتخذ من قطر مقراً لها. فالدول الرباعية المذكورة ترى في هذه القناة أداة لنشر الشائعات والتحريض والفتن.

وكانت نيوزويك الشرق الأوسط قد نقلت عن مصادر كويتية الأسبوع الماضي، أنّ الرسالة القطرية تحمل ”تعهّداً بعدم دعم منظمات يُشتبه بأنها إرهابية بالإضافة إلى تحييد قناة الجزيرة وبرامجها، دون إقفالها. كما وتشير الرسالة إلى قبول قطر بإخراج قياديي الإخوان المسلمين من الدولة. أما بالنسبة لخفض العلاقات مع إيران، فهناك قبول قطري مشروط بأن تقوم جميع دول الخليج دون استثناء بمثل هذه الخطوة،“ بالإضافة لدعوة إلى الحوار للوصول لحلّ لهذه الأزمة، وأتى هذا الرد بعد يومٍ من قول وزير الخارجية القطري إن ”جميع مطالب دول الحصار قد قُدِّمَت لتُرفض.“

في المقابل، رفضت دول الرباعية الجواب القطري باعتباره لم يحقق المطالب المفروضة واعتبروا الجواب بـ ”السلبي… الفارغ المضمون.“ وقررت هذه الدول استمرار فرض العقوبات والحظر البري والبحري والجوي على قطر التي يتهمونها بدعم الإرهاب.

وأشاروا إلى ميل بلادهم للتأنّي قبل الإعلان عن خطواتهم التالية، حيث أنّ الأمر ”بالنسبة لقطر تعدى الامر الإتهام إلى وقائع“ من دعم وإحتضان ورعاية التنظيمات الإرهابية، بحسب وزير الخارجية المصري سامح شكري، خلال المؤتمر الذي عقده وزراء خارجية الدول الرباعية في القاهرة يوم ٥ يوليو/ تموز.

في المقابل أصرّ وزير خارجية الإمارات الشيخ عبدالله آل نهيان على موقف المجموعة، قائلاً: ”إلى أن تقرر قطر تغيير مسارها من مسار الدمار إلى مسار الإعمار، سنبقى في حالة إنفصال.“

وزراء خارجية دول الرباعية، من اليمين لليسار: البحرين، مصر، الإمارات والسعودية خلال المؤتمر الصحفي الذي تم عقده يوم الأربعاء 5 يوليو. المصدر: رويترز

الجواب السعودي، قال وزير خارجية المملكة عادل الجبير إن الإجراءات التي اتخذوها في السابق كانت ”مؤلمة لنا ضد قطر بسبب دعمها للإرهاب ونشر التحريض والكراهية،“ وأشار في الوقت عينه أن مطالب الرباعية ليست محصورة بهم بل هي مطالب دولية.

في المقابل، ألمح وزير خارجية البحرين، الشيخ خالد آل خليفة إلى وجود مزيد من العقوبات والخطوات في جعبة الرباعية، قائلاً: ”قراراتنا لا تأتي بسرعة… فالقرارات الهامة يجب ان تكون مدروسة وكل شي رح يكون في وقته ومدروس من كل جانب.“

الإتجاه الدولي: نحو الحياد دُر

أميركا، التي غيّرت اتجاهها عدة مرات في أقل من شهرٍ بالنسبة للأزمة الخليجية دعت دول النزاع إلى الحوار، بل وحتى عرض وزير خارجيتها، ريكس تيليرسون وساطته لحلّ الأمور.

إلّا أنّه إذا عُرِفَ السبب، فقد بَطُلَ العجب. فبعدما كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد اتهم قطر علناً بتمويل الإرهاب، قائلاً في ٩ يونيو/حزيران، إن قطر تدعم الإرهاب ”على أعلى مستوى“ وطالبها بالتوقف فوراً، عاد ترمب ليدعو الدول المتنازعة للحوار.

ففي اتصال هاتفي مع نظيره المصري في ٦ يوليو، دعا ترمب دول الرباعية ”لإجراء حوارٍ بنّاء لحلّ النزاع،“ مع قطر.

كما وإن الخارجية الأميركية بعد نحو أسبوعين من هجوم ترمب الأولي على الدوحة، عادت لِتُصدِرَ بياناً، أقل ما فيه هو تبرئة ساحة قطر، ولوم دول الخليج التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية بالدوحة، ودعوة أطراف الأزمة كافّة للحوار. هذا التغيير في الموقف أتى مباشرة بعدما أعلنت الدوحة الشهر الماضي عن شراء طائرات أف-١٥ من أميركا بقيمة ١٢$ مليار دولار.

أما بيان الخارجية الأميركية، فكان مراعياً لحالة قطر دون إستعداء بقية حلفائها في هذا النزاع.

ألمانيا, وبعكس أميركا، فإن موقفها جاء موالياً تماما لقطر، حيث إعتبر وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل أن قائمة مطالب الدول الأربع التي وجهتها للدوحة، «استفزازية جدا“. وأضاف الوزير خلال مناسبةٍ للمجلس الأوروبي للشؤون الخارجية في برلين أنه ”سيكون من الصعب تنفيذها (المطالب) بالكامل“.

صورة عامة للمباني في العاصمة القطرية، الدوحة. المصدر: رويترز

ومن جهته، دعا وزير خارجية بريطانيا، بوريس جونسون، دول الرباعية لإنهاء الحظر الذي كانوا قد فرضوه على الدوحة، وذلك خلال زيارته إلى الكويت يوم السبت ٨ يوليو، على إثر لقائه بنظيره الكويتي، الشيخ صباح خالد الصباح. وبحسب جونسون فإنّ «ما يريد الناس رؤيته هو وقف التصعيد وتحقيق تقدم نحو معالجة تمويل الإرهاب في المنطقة، وتجاه إنهاء هذا الحصار …غير المرحب به ونأمل أن يكون هناك وقف للتصعيد“.

كما أثنى جونسون على موقف الكويت التي تدخلت في مساعٍ حميدة لحل الأزمة. لكن المساعي الكويتية باءت بالفشل بسبب الإصرار القطري الرافض للشروط والإصرار المتبادل من دول الرباعية بعدم الحوار أو إنهاء الحظر قبل تحقيق الدوحة لمطالبهم الـ١٣.

أمّا فرنسا، التي يبدو موقفها ضبابيا حتى الآن، والتي كان رئيسها إيمانويل ماكرون قد أبدى الشهر الماضي إستعداد بلاده للعب دور الوسيط في حل الأزمة، فقد أعلنت مطلع هذا الشهر عن أن أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني سيزور فرنسا في نهاية فصل الصيف وقد ناقش هذا الأمر مع ماكرون في اتصال هاتفي.

تركيا من جهتها، وعلى الرغم من إظهار ميلٍ لصالح الدوحة عبر إرسالها مواد غذائية، بخاصة مشتقات الحليب، إلا أنها مازالت تحتفظ بموقع حيادي نسبياً، خاصة أنها حليف للسعودية، التي ألمح الجبير إلى تمنّي بلاده على تركيا أن تبقى في موقع حيادي من الأزمة مع قطر.

أمّا إيران، المغضوب عليها من الرباعية، والتي تعتبرها هذه الدول ”الراعية الأولى للإرهاب،“ في العالم، فحتى الآن تبدو أنها تستمتع بالتوتر القائم على الضفة المقابلة لها من مياه الخليج، حيث أعلنت عن استعدادها لمساندة قطر بالغذاء، عدا عن فتح أجوائها أمام حرية الملاحة والتنقل للقطريين، لتكون منفذها الوحيد على العالم.

أما وزير خارجيتها محمد جواد ظريف، خلال شهر رمضان، فهو كان قد دعا الدول المتنازعة إلى الحوار.

في المقابل، فإن الموقف الروسي حالياً يبدو كمراقب للأحداث عن بُعد، على الرغم من إعلان وزير خارجية قطر، في مقابلة تلفزيونية مع قناة «روسيا 24“ أن روسيا وإيران عرضتا إرسال مساعدات غذائية إلى بلاده.

وقال الوزير «عرضت علينا إيران المساعدة، كما فعلت ذلك بعض الدول الصديقة. وروسيا عرضت علينا المساعدة في حال الضرورة. ولكن الحاجة إلى ذلك لم تظهر في الوقت الراهن. ونحن نستخدم حاليا القنوات نفسها من تركيا والدول الأخرى».

في إزاء هذه الأجواء الدولية المشجعة على الحوار، والتي تستبعد أعمالاً عسكرية في منطقة متوترة ومسلّحة جيّداً، والرفض الخليجي-المصري له، يبقى السؤال: ما نوع العقوبات التالية التي تُفَكّر بها دول الرباعية؟ وهل ستستطيع قطر الصمود طويلاً معتمدةً في ذلك على مئات المليارات من أموال ثروتها من النفط والغاز واستثماراتها الخارجية، أم أنها ستُذعِن؟

حسناً يبدو أن الموضوع سيكون أطول من المسلسلات التركية إذا ما استمر الأمر على هذا المنوال.

 

Facebook Comments

Post a comment