إنفجار سكّاني

تجاوز عدد المصريين 104 مليون نسمة هذا العام وهو رقم يفوق كل التوقعات، ويضع ضغوطاً على الإقتصاد.

 سارة-كلير الشعراوي
نيوزويك الشرق الأوسط

في الثلاثين من سبتمبر/ أيلول الماضي، أعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر نتائج التعداد الرسمي للسكان، في حفل حضره الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وقد جرى التعداد، الذي كان قد سُجِّل آخر مرة في العام 2006، باستخدام أساليب حديثة، وهي الأتمتة؛ بهدف زيادة الدقة والكفاءة.
وشهد “إعلان نتائج التعداد” بعض المفاجآت، منها أن معدل الزيادة السكانية كان أعلى من المتوقع بكثير، وأن حالات زواج الأطفال كانت أكثر ارتفاعاً مما كان يُعتقَد سابقاً.
ففي أبريل/ نيسان من العام الماضي، أعلنت الجهات الرسمية أن معدل النمو السكاني قد انخفض لأول مرة منذ عشر سنوات مقارنةً بالسنة السابقة.
ووفقاً لرئيس الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، اللواء أبو بكر الجندي، فإن الانخفاض الهامشي، من 2.55% في العام 2014 إلى 2.4% في العام 2015، جاء نتيجة السياسة التي نفَّذتها الحكومة مؤخراً والبرامج المستهدفة.
ومنذ ذلك الحين، انخفض هذا المعدل ليصل إلى 2.25 هذا العام. وقال الجندي، الذي تحدث بصراحة عن خطورة النمو السكاني السريع في البلاد: “إن مجرد عدم ازدياد التعداد السكاني أمر جيد جدّاً”.
ويُمثل انخفاض معدل الزيادة السكانية خبراً سارّاً بعد أن كشفت أرقام التعداد السكاني أن عدد السكان في مصر قد بلغ 104.2 مليون نسمة، وأن عدد السكان الذين يعيشون في مصر تقريباً يبلغ 95 مليون نسمة، بينما يبلغ عدد المصريين الذين يعيشون خارج البلاد 9.4 مليون نسمة.

كان العام 2012 عاماً قياسيّاً من حيث عدد الولادات، حيث زاد عدد المواليد 560,000 مولوداً عن العام 2010

ولا شك أن هذه الأرقام قد تجاوزت التوقعات إلى حَدٍّ بعيد، وهي أرقام صادمة في الواقع!
ففي ديسمبر/ كانون الأول من العام 2015، أعلنت الجهات الرسمية أن عدد السكان تجاوز 90 مليون نسمة، وأشارت التوقعات إلى أن العدد سيبلغ 91 مليون نسمة بحلول يونيو/ حزيران من العام التالي.
في ذلك الوقت، كانت الأرقام مُروِّعةً للغاية. وأشارت التوقعات، وفقاً للتعداد السكاني الأخير في العام 2006، إلى أن عدد السكان سيصل إلى 87 مليون نسمة في العام 2016.
وفي النصف الثاني من القرن العشرين، ازداد عدد سكان مصر ثلاثة أضعاف، من حوالي 19 مليون نسمة عام 1947 إلى ما يقرب من 60 مليون نسمة بحلول العام 1996 بسبب الانخفاض السريع في معدل وفيات الرُّضَّع والأطفال، وارتفاع معدل المواليد.
ومن غير المتوقع أن تتباطأ معدلات النمو السريع هذه في وقتٍ قريبٍ، بسبب وجود مجتمع سكاني صغير السن وإمكانات مرتفعة للنمو في المستقبل.
يقول الجندي إن المشكلة والنتيجة سببهما الفقر؛ إذ يؤدي الفقر -لا سيما في المناطق الريفية- إلى ارتفاع معدلات المواليد.
ويضيف أن حَلَّ هذا المشكلة يرفع مستوى المعيشة إما من خلال النمو الاقتصادي، أو السيطرة على معدلات النمو السكاني؛ حتى يمكن تقاسم الموارد المحدودة بين عدد أقل من الأفراد.
وفي حين يعيش أكثر من ربع المصريين تحت خط الفقر، تتفاوت معدلات الفقر تفاوتاً كبيراً في جميع أنحاء البلاد.

إزداد عدد سكان مصر أكثر من خمسة أضعاف، من حوالي 19 مليون نسمة عام 1947 إلى ما يفوق 104 مليون نسمة عام 2017

فوفقاً لجندي، بلغ معدل الفقر في أسيوط -أفقر محافظات مصر- 69% في العام 2015. وتشير إحصاءات البنك الدولي إلى أنه منذ العام 2009 كان هناك انخفاض حادٌّ في النمو الاقتصادي في البلاد، مع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في العام 2011 إلى 1.8%، بعد أن كان 7.2% في العام 2008.
ومنذ ذلك الحين، بلغ معدل التضخم 2%.
وفي ظل الظروف الراهنة، لا تزال الحاجة مستمرةً إلى إعادة النظر في مدى فعالية الجهود الحثيثة الرامية لإنعاش الاقتصاد المتعثر.
أما معدلات الفقر، فسجلت أعلى مستوياتها في المناطق الريفية؛ حيث تستمرُّ أيضاً معدلات السكان في النمو بأسرع وتيرة.
يقول جندي: “إنها عملية حسابية بسيطة، فإذا نظرنا إلى السنوات القليلة الماضية، كانت نسبة معدل النمو السكاني 2.5% والنمو الاقتصادي 2%. وهذا ما لا تقوى الدولة على تحمله”.
ومن الصعب أيضاً الوصول إلى سكان الريف، سواء لتنفيذ السياسة أو لقياس اتجاهات النمو بدقة.
فالمسألة لا تكمن في انعدام المعرفة بأهمية تنظيم الأسرة، ولكن في صعوبة وصول المعرفة إلى الجمهور المستهدف.
ويوضح الجندي أن النقاش حول ذلك دائماً ما يُثار في وسائل الإعلام، ولكن مَن يعيشون في المناطق الريفية لا تصلهم تلك الرسائل!
وقد بدأ هذا التغيير رويداً رويداً بمبادرات حكومية استهدفت المحافظات التي سجّلت أعلى معدلات نمو.
ويقول الجندي إن هناك إستراتيجيات أخرى اعتُمِدت في هذا الجهد؛ فعلى سبيل المثال: استخدم شيخ الأزهر مفهوم “الحليب المسروق”، وشجع الأمهات على عدم تداخل فترات الرضاعة الطبيعية بين المواليد للمساعدة في تقليل معدلات التكاثر، من منطلق أن وجود فترة كافية من الوقت بين إنجاب المولود والآخر يساعد في تقليل عدد الأبناء.
ومن المأمول أيضاً أن يؤدي اهتمام الرئيس السيسي -بعد نتائج التعداد- إلى إيلاء اهتمام أكثر جديةً لبعض القضايا الحاسمة التي تواجه البلاد.
يقول الجندي: “إن الكثير من الأمور ستتغير”؛ لأن الرئيس يولي اهتماماً أكبر منذ إصدار أرقام التعداد.
ومنذ العام 2011، أدى عدم الاستقرار وتقلب المناخ السياسي إلى تغيُّر الروايات الحكومية حول تنظيم الأسرة، مما خلق تحديات جديدة حول توثيق اتجاهات النمو. وكان العام 2012 عاماً قياسيّاً من حيث عدد الولادات، حيث زاد عدد المواليد 560,000 مولوداً عن العام 2010.
وفي مارس/ آذار 2013، كان وجود الإخوان المسلمين في لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالمرأة مثار جدلٍ واسع، وكانوا من بين مجموعة صغيرة من المندوبين الذين تناولوا عدة نقاط في الوثيقة الختامية بشأن “القضاء على جميع أشكال العنف ضد النساء والفتيات ومحاربتها”.
ومن بين هذه النقاط حق النساء في اختيار استخدام وسائل منع الحمل، التي ادَّعت جماعة الإخوان المسلمين أنها “تُقوِّض الأخلاق الإسلامية وتدمر الأسرة”.
بعد ثورة 2011، حدث تحوُّل ملحوظ في هيكل الأسرة المصرية.
تقول وزيرة الدولة السكان السابقة، هالة يوسف: “كان هذا واضحاً جدّاً بعد الثورة مع انتشار المناخ الديني. وتحدثت جماعة [الإخوان] كثيراً عن سِنِّ الزواج حتى بدأ الناس يعودون إلى فكرة “لماذا لا تتزوج الفتيات في وقت مبكر بين 14 و15 عاماً؟ ولماذا لا نُخرِجهنَّ من المدارس؟” لقد كان هذا هو الاتجاه السائد في المجتمع”.
ومن الطبيعي أن يكون للتحول في المواقف الاجتماعية تجاه الزواج المبكر تأثير في عدد السكان؛ لأن الزواج في سِنٍّ صغيرة يعني عادةً فترةً أطول للقدرة على التكاثر.
غير أن هذا التغيير لم يُوثَّق رسميّاً.
تقول يوسف: “لم يتم قياس هذا الأمر، ولم تكن نسبة زواج الأطفال مُوثَّقة فعلاً. وأرى أنها ظاهرة”.
وأدت هذه القضية إلى وضع إستراتيجية وطنية لمنع زواج الأطفال.

زواج الأطفال في مصر
تبلغ سِنُّ الزواج القانونية في مصر 18 عاماً، ولكن -كما أكد الرئيس السيسي في حفل إعلان التعداد السكاني في 30 سبتمبر/ أيلول- هناك فتيات يبلغن 12 عاماً ويُزوّجن.
ولا يزال هذا الأمر يشكل تحدِّياً كبيراً؛ لأن هذه الزيجات ليست مُوثَّقةً رسميّاً، ومن ثم يصعب متابعتها أو منعها.
وقد وُضِعت هذه الإستراتيجية بالتنسيق مع الإستراتيجية الوطنية للسكان بين نوفمبر/ تشرين الأول 2013 ويونيو/ حزيران 2014. وتُركز الإستراتيجية على تعزيز خدمات الصحة الإنجابية والتوعية، وتمكين الشباب والنساء، وتفعيل دور وسائل الإعلام.
وأظهرت هذه الإستراتيجية، بالإضافة لإعادة الرئيس عبد الفتاح السيسي وزير السكان إلى منصبه مؤقتاً في مارس/ آذار 2015، مؤشراً واضحاً على أن الحكومة تتعامل مع مسألة النمو السكاني بجدية.
إلا أن بعض التغييرات التي حدثت في مجلس الوزراء بعد ستة أشهر فقط في سبتمبر/ أيلول 2015، وشملت دمج وزارة الصحة مع وزارة السكان ووزارة التنمية الحضرية، رآها البعض على أنها مؤشرات لا تُبشِّر بأن الحكومة يمكن أن تنفذ بفعالية إستراتيجية تستهدف النمو السكاني والتنمية على السواء.
ويتولى حاليّاً نائب وزير الصحة إدارة المحفظة السكانية.
ومن الناحية الرسمية، كان هذا الاندماج استجابةً للضغوط من أجل تخفيض عدد الوزارات، وتبسيط المبادرات التعاونية.
ومنذ ذلك الوقت، لم يُبذَل سوى القليل من الجهد لتنفيذ تدابير السياسة العامة لمعالجة معدلات النمو.

زواج الأطفال والفقر عاملان أساسيان في ارتفاع عدد سكان مصر بحسب المسؤولين

ومع ذلك، تشير البيانات الجديدة إلى أن الوضع أكثر سوءاً مما كان يُعتقَد في البداية، ويوسف من بين العديد من الذين يأملون أن البيانات الجديدة سوف تحفز على إجراء التغيير اللازم.
وقد اضطرت الحكومة، التي تعاني من قضايا الإرهاب والصعوبات الاقتصادية ومجموعة كبيرة من القضايا الاجتماعية، إلى تحديد أولوياتها، مما حَدَّ من تركيزها على النمو السكاني وتنظيم الأسرة.
ومع ذلك، يدرك الجميع على نحو متزايد إلحاح القضية في بلد به نظام تعليم مُتَدَاعٍ، وتتفشى فيه البطالة بين الشباب، مع ندرة الموارد الأساسية، وخاصةً المياه.
يقول الجندي: “إن ذلك سيؤثر علينا أكثر من الإرهاب. سنتخلص من الإرهابيين في عام أو عامين، لكن هؤلاء الأطفال سيعيشون معنا طوال 80 عاماً مقبلةً”.

Facebook Comments

Post a comment