اصطياد الصيادين

هل يجب أن ننقذ حيوان الكركدن أم الصيادين الذين يقودونهم نحو الإنقراض؟ 

الجواب على هذا السؤال، ليس بالسهولة التي تتصورونها أبداً.

نينا بورليه

نيوزويك

المشهد الأول: فجراً، نُزُل خاصٌّ في جنوب أفريقيا

انطلق عشرة رجال من جزيرة لونغ آيلاند في نيويورك، مُسلَّحين تسليحاً كاملاً ومُجهَّزين، إلى الأدغال لاصطياد ملك الغابة.

وعلى مدى أكثر من تسعة أيام، تم أَسْر وتخدير عشرة مواليد من الأُسُود ونقلهم إلى محميَّة خاصَّة، ثم أُطلِق سراحهم ليعيشوا في بيئة لم يسبق لهم رؤيتها.

انطلق الصيادون إلى الغابة مُستقِلِّين سيارات جيب، ثم تسلَّقوا الأشجار؛ كي يتمكَّنوا من التصويب لأسفل على الحيوانات المُشَوَّشة باستخدام الأسلحة الآلية عالية الإمكانيات.

وتحت تأثير الرعب من الرصاص المتطاير، تسيطر على الأُسُود حالة من الهلع، بينما لا تزال مُخَدَّرةً، وقد اعتادت أن يُطعِمها البشر منذ الولادة.

فتجد الحيوانات تنكمش خوفاً قُبَالة الأسوار، أو تَحشُر نفسها في الجحور، ولكن لا يوجد مكان حقيقي للاختباء.

وقريباً، سيفوز كل واحد من هؤلاء الأمريكيين البِيض بأَسَد ليعود به إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وستكون أسوأ الإصابات التي قد يعانون منها في أثناء جهودهم هي حروق الشمس، وصُدَاع الثمالة.

المشهد 2: ليلة مُقمِرة، خارج متنزه كروغر الوطني، أكبر محميَّة صيد عامة في جنوب أفريقيا

تسلَّل رجلان من ذَوِي البشرة السوداء خِلسةً عبر عشب الجاموس الطويل، سعياً وراء أحد حيوانات وحيد القرن. ثم أطلق أحدهما النار، فسقط الوحش الضخم، وقطع الآخر قرون الوحش بسرعة.

وبعد ذلك، هرب الرجلان سيراً على الأقدام؛ تاركَيْنِ وراءهما وحيد القرن مُشَوَّهاً ببشاعة، ولكنه ربما لا يزال على قيد الحياة.

سوف يجني الرجلان من بيع هذه القرون ما يكفي من المال لشراء سيارة وتلفاز، وإرسال أبنائهم إلى المدرسة الثانوية. وهكذا، نجدهما يَفِرَّان ويتسابقان عبر المراعي؛ حيث كثيراً ما تقتل فرسان النهر والفيلة البشر الباحثين عن الطعام، بينما يَمُرُّ أسد وفهد خلسةً من خلف الصخور.

إن هدف الحيوانات اجتياز أحد تلك الأسوار الكبيرة التي تفصل بين الأراضي العامة والخاصة، قبل أن يأتي الجنود المرتزقة البِيض بنظارات الرؤية الليلية لمطاردتها وقتلها.

3000 دولار لكل رطل

تلُوح اللوحات الإعلانية في الأفق من على بُعْد أميال من حديقة كروغر: “سيتم صيد الصيادين”.

أما الصيادون الأميون، فتوجد لهم علامة أخرى تُعلِن “منطقة لا يوجد بها قرون”، مع صورة لحيوان وحيد القرن دون قرون (يُزِيل بعض أصحاب المحميات الخاصة قرون وحيد القرن؛ لردع الصيد غير المشروع).

والحيوانات الخمسة الشهيرة التي يصطادها صائدو الغنائم هي: الأسد، ووحيد القرن، والفيل، وجاموس الرأس، والفهد؛ ولكن وحيد القرن المُهدَّد بالانقراض هو الحيوان الذي كان رمزاً قويّاً على التفاوت الصارخ بين التعامل مع ذَوِي البشرة البيضاء والسوداء في جنوب أفريقيا في مرحلة ما بعد التمييز العنصري.

ترجع سلالة وحيد القرن إلى أسلافه، من العمالقة التي ملأت المراعي الخصبة قبل 30 مليون سنة.

ويقول موراي سميث، الرئيس السابق لرابطة الصيادين المحترفين في شرق أفريقيا: “إن استمرار هذه الحيوانات البلهاء على قيد الحياة منذ ما قبل التاريخ حتى الآن يُعَدُّ معجزةً بالفعل”.

وعلى مدى آلاف السنين، جاب أسلاف هذا الوحش البدائي المراعي في آسيا وأفريقيا بالملايين، ولكن الآن لا يجُوب هذه الأنحاء بحُرِّيَّة إلا أقلُّ من 20.000 حيوان. وتُمثل جنوب أفريقيا موطن 79% من حيوان وحيد القرن في العالم، ويعيش نصفها في منتزه كروغر.

وقد قلَّت أعداد وحيد القرن هناك وفي جميع أنحاء العالم منذ أن تصاعد الطلب الآسيوي على قرونها قبل حوالي 10 سنوات، بعد أن أعلن جنرال فيتنامي أن قرن وحيد القرن المُجفَّف قد عالجه من مرض السرطان.

وتُبَاع قرون وحيد القرن مقابل 3000 دولار للرطل، وهو المبلغ الذي يمكنه تغيير حياة الصيادين الذين يعيشون في قرى دون مياه أو كهرباء؛ ليجعلهم يعيشون كالملوك.

حارس يفك أسلاكا حديدية نصبها صيادون ممن يعتاشون من لحوم الطرائد الكبيرة لكنهم لا يملكون رخصاً قانونية لصيدها

لقد انتهى التمييز العنصري في جنوب أفريقيا في التسعينات، ولكن القادة ذوي البشرة السوداء -بدايةً من نيلسون مانديلا حتى الرئيس الحالي جاكوب زوما- لم يتمكَّنوا من كسر التمييز العنصري الاقتصادي؛ إذ يملك البِيض أكثر من 80% من الأراضي في جنوب أفريقيا. وقد مكَّنت وتيرة التغيير البطيئة القادةَ السياسيين المتطرفين، مثل جوليوس ماليما الذي يدعو إلى تمليك الأراضي للمواطنين من ذَوِي البشرة السمراء، من اكتساب أتباع أقوياء، وتخويف الأقلية البيضاء التي تمتلك الأرض.

وقد اكتسب ماليما شهرته من إثارة الغضب.

وفي عام 2012، طرده حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم؛ لغنائه أغنيةً أفريقيةً محظورةً علناً، تشمل عبارة “دوبولا إيبوني” (أطلق النار على الهولنديين الأفريقيين).

وكان المُستعمِرون البِيض قد أنشَؤُوا منتزه كروغر في عام 1898 بإعلانه أرضاً مَشاعاً -أرضاً خاليةً- متجاهلين حقوق السكان الأصليين وحقوق الصيد، فضلاً عن الأراضي التي بها مقابر الأسلاف.

وسَرْعان ما أصبحت التقاليد العشائرية القَبَلِيَّة القديمة عديمة الفائدة في الأحياء الفقيرة داخل المناطق الحضرية والقرى المجتمعية؛ حيث أصبحت الحيوانات التي يَعثُر عليها معظم السكان السود في جنوب أفريقيا هي الكلاب المُلوَّثة فقط.

وفي فترة التمييز العنصري، كان بعض القرويين المحليين لا يزالون يصطادون في أرض غير مُتنازَع عليها حول منتزه كروغر؛ ولكن في عام 1993، الذي انتهى فيه التمييز العنصري، سنَّت حكومة جنوب أفريقيا قانون سرقة المحميات، الذي قضى بأن كل مَن يُقِيم سياجاً حول الأراضي التي تحتوي على محميات بَرِّيَّة يصبح مالكاً لها بطريقة قانونية، بالإضافة إلى أي حيوانات تحتوي عليها.

وبين عشية وضحاها، أُقِيمت أسوار مُكهرَبة كبيرة ومتوالية؛ لتدلَّ على إقامة مئات الأميال من مناطق الحيوانات البرية الخاصة الجديدة.

وفي المناطق الريفية، عاشت أجيال من الرجال والأولاد من ذوي البشرة السمراء محرومين من طقوس العبور التقليدية: صيد الحيوانات البرية. وأصبحت القبائل، التي كان أسلافها إذا مات أحد زعمائهم يقتلون أحد حيوانات جاموس الرأس لدَفْن زعيمهم في مَخْبَئِه، لا تستطيع تحمُّل قيمة تراخيص الصيد التي يشتريها صائدو الغنائم مقابل عشرات أو مئات الآلاف من الدولارات.

ولا يستطيع الكثيرون منهم دفع رسوم الدخول اليومي للشخص البالغ إلى منتزه كروغر، التي تساوي 5 دولارات.

يُهدِّد الانقراض الآن العديد من الأنواع الخاضعة للصيد، ويزداد الطلب على الوصول إليها من السياح الأثرياء والصيادين، وهذا يعني أن الحيوانات البرية الفردية يمكن أن تصل قيمتها إلى مليون دولار لمالك الأراضي ذي البشرة البيضاء. ويدفع الضيوف الذين يُقِيمون في النُّزُل مبالغ كبيرة للتمتع برؤية لا تقتصر على واحد أو اثنين من الزرافات والفيلة، ولكن للاستمتاع برؤية جميع الحيوانات. وهذا يعني أن مالك النُّزُل يحتاج إلى جلب المزيد من الحيوانات بالقرب من مزرعته؛ لذلك يضع بعض المُلَّاك الطعام لجذب القطط الكبيرة والحيوانات العاشبة داخل مجال الرؤية، ويستأجرون جيوشاً من المرتزقة لحماية الحيوانات.

وجميع هؤلاء المرتزقة، من ذَوِي البشرة البيضاء تقريباً، يصطادون الصيادين الذين يكون معظمهم من ذَوِي البشرة السوداء.

وهذه هي الطريقة التي تجد بها معظم حيوانات العصر الجوراسي التي تسير على الأرض اليوم نفسَها في قلب سباق حربي دموي يزداد يوماً بعد يوم.

الموت فجراً أو عند الغروب

كتب إرنست همنغواي هذه الرسالة وهو جالس تحت شجرة في أثناء رحلة سفاري في قارة أفريقيا، استمرَّت ثلاثة أشهر في ثلاثينات القرن العشرين. وتأتي هذه الرسالة ضمن مذكراته التي حملت عنوان “تلال أفريقيا الخضراء”:

“كنت أتوقَّع دائماً أن يقتلني شيء ما، ولكنني لم أَعُدْ أهتمُّ بذلك فعلاً بعد الآن”.

لقد كانت الحيوانات الأشهر في أفريقيا دائماً مصدر إلهام للخوف والشجاعة على السواء للرجال البِيض، مثل بابا همنغواي.

فعندما تنام بالقرب منها في الأدغال ليلاً، أو تسمع صرخاتها وأصوات الهدير والضرضرة، وتكون قريباً منها بما يكفي لشَمِّ رائحتها أو لمواجهتها وجهاً لوجه عند الفجر أو الغسق؛ فإن هذا هو التشويق البدائي الذي لا يمكن أن تجده في المدن أو الأراضي المزروعة.

قد يكون لقاءٌ قصيرٌ مع الحيوانات البرية “التي تُلطِّخ أسنانها ومخالبها بالدماء” أحد أكبر الامتيازات لدى البِيض، التي يمكن بيعها في أفريقيا؛ إذ يدفع السائحون وصائدو الغنائم 80 مليار دولار سنويّاً للتصوير الفوتوغرافي، وبالدرجة الأولى لقتل الوحوش العظيمة في أفريقيا.

ويُعَدُّ أبناء الرئيس دونالد ترمب الابن وإريك ترمب من الصيادين المتعطشين الذين يستمتعون بالتقاط الصور مع جثث الحيوانات الخمسة الكبرى، ونشرها عبر الإنترنت.

ولكن صيد الغنائم الحديث عبارة عن أُسُود تمَّت تربيتها في الأقفاص، ويُطلِق الأمريكيون الأغنياء النار عليها من السيارات المتحركة؛ وهي بالكاد تشبه السفاري التي افتتن بها همنغواي.

ويتمثل الخطر الرئيسي الآن في الملل بعد القيام برحلات كثيرة جدّاً إلى النُّزُل الذي أصبحت لوحاته تتألم.

التجارة غير الشرعية

وبينما الزرافات والحمير الوحشية والفيلة والأسود والبابون والكلاب الحربية تمشي وتتسلَّق وتتبختر وتختفي بين العشب، تجد أن الشيء الوحيد الذي نادراً ما يراه السياح والصيادون في السفاري بجنوب أفريقيا هو مُواطِن جنوب أفريقي ذو بشرة سوداء؛ فهو يعمل في النُّزُل، وأحياناً يجلس “مُتعقِّب” أسودُ البشرة على مقعدٍ عالٍ مُثبَّتٍ على غطاء مُحرِّك السيارة بشاحنة السفاري، ويتتبَّع (يقتفي) الطريقة القديمة، التي كانت قبل ظهور جهاز تتبُّع المواقع جغرافيّاً، والطائرات دون طيَّار، والحيوانات التي تحمل طوق تتبُّع.

وبات المُتتبِّعون الأصليون ذَوُو البشرة السوداء، الذين تعلموا مهاراتهم من الأجيال السابقة، عملةً نادرةً مثل وحيد القرن؛ فمعظم ذوي البشرة السوداء لم يقابلوا حيوانات برية على مدى أجيال.

أما الصيادون الذين يتعقَّبون وحيد القرن سيراً على الأقدام، فيشبهون همنغواي وديدي روزفلت أكثر بكثير من صائدي الغنائم الأمريكيين في الوقت الحاضر.

فهم يتسلَّقون أسوار الحديقة، أو يدخلون عبر البوابات؛ حيث يعمل الأشخاص المتواطئون معهم على تسهيل ذلك. ويكونون مُسلَّحين ببنادق CZ تشيكية الصنع، وينامون في العَرَاء لعدة أيام، وفي درجة حرارة مُتقلِّبة، وبين أشجار شائكة، وتُحيط بهم الثعابين القاتلة والأسود حتى الفيلة الهائجة.

فإذا وجدوا وحيد القرن، أطلقوا عليه النار وقطعوا قرنه، وتركوه ميتاً في الأدغال حتى يعثر عليه أحد أو تأكله الحيوانات. وتُمثل النسور التي تُحَلِّق فوق وحيد القرن الميت أول تنبيه من الطبيعة للحُرَّاس والمرتزقة. ولكسب المزيد من الوقت للهروب، سَمَّم الصيادون أعداداً كبيرةً من النسور في منتزه كروغر.

إذا نجح الصيَّاد في الخروج بالغنيمة من أقرب سياج، فإن هذه الغنيمة يمكن أن تَضمَن العيش الكريم لعائلته لأجيال.

وإذا أُلقِي القبض عليه -والعديد منهم يُلقَى القبض عليهم بالفعل- فقد يُسجَن أو يُقتَل على الفور.

ونظراً لأن المكافأة كبيرة جدّاً والفقر مُدقِع في جنوب أفريقيا، نجد سلسلةً لا تنتهي من الشباب يشتركون في هذه المهمة.

“حربي الرابعة عشرة”

لوقف الصيد غير المشروع، استأجر مُلَّاك الأراضي في جنوب أفريقيا ومنتزه كروغر كتائب من المرتزقة، وأنفقوا الملايين في تجهيزهم بالعتاد عالي التقنية، والطائرات، والطائرات دون طيَّار.

ويأتي هؤلاء المرتزقة من جميع أنحاء العالم، ولكنهم عادةً ما يكونون من ذوي البشرة البيضاء. وفي الآونة الأخيرة، بدأت فيتباو، التي تُوظِّف المرتزقة وتُرسِلهم إلى منطقة كروغر، تجنيد المحاربين الأمريكيين القدامى، الذين شاركوا في الحروب في العراق وأفغانستان، للذهاب إلى جنوب أفريقيا لتدريبهم على العمل في مهمة يمكن أن يشعروا فيها بالرضا، وهي حماية وحيد القرن.

كانت الأرض التي تحيط بإحدى “قواعد العمليات المتقدمة” للمرتزقة التي زُرتُها قد زُيِّنت بالجاموس الأبيض وجماجم الفيلة؛ حيث يستخدم المرتزقة هذا الكوخ مَقَرّاً رئيسيّاً، ويتم إرسالهم في فِرَق للبقاء في الأدغال لمدة أسبوع في المرة الواحدة. ويقومون بتتبُّع ومطاردة الصيادين، وقتلهم في بعض الأحيان، باستخدام التكنولوجيا القتالية الحديثة.

ولا يَسمَح لهم القانون بإطلاق النار إلا بعد إطلاق النار عليهم، ولكن كما قال لي أحد المرتزقة: “ما يحدث في الأدغال يَبقَى في الأدغال”.

ما يحدث في الأدغال يَبقَى في الأدغال

وقد أحصى أنصار الحفاظ على البيئة الأعداد التي تم صيدها من فصيلة وحيد القرن بين عامي 2008 و2016 بحوالي 6,094 حيوان، قُتِلت الغالبية العظمى منها في جنوب أفريقيا.

ولا يعلم أحد عدد الأشخاص ذَوِي البشرة السوداء الذين لقُوا مصرعهم في الغابة في أثناء محاولتهم قتل وحيد القرن، بيد أن رئيس موزمبيق اشتكى في العام الماضي من إطلاق النار على 500 رجل في المنتزه وما حوله.

وفي تقدير خبراء الحفاظ على البيئة الآخرون، فإن العدد قد يكون بالآلاف.

ويقول ضابط متقاعد بالجيش الجنوب أفريقي، سنُطلِق عليه السيد “أ” لأنه رفض التحدث معنا بشكل رسمي، وهو يعمل لصالح مجموعة من مالكي الأراضي الخاصة: “هذه هي حربي الرابعة عشرة. إنها تشبه الذهاب إلى الحرب في أنغولا”.

وعندما يقبض المرتزقة على الصيادين، من المفترض أن يزُجُّوا بهم في السجن المحلي، لكن الضابط “أ” يقول إن السلطات المحلية لا تحتجزهم لفترة طويلة، ولا تُثبِت عليهم القضايا المرفوعة ضدهم أبداً.

وغرف الأدلة غير المُعقَّمة مُكدَّسة بأسلحة غير معروفة، ولا يتم التقصِّي عن أي شيء، ولا توجد سلسلة من الأدلة.

ويقول أيضاً إن البصمات لا جدوى منها؛ لأن حفظ السجلات الورقية في مراكز الشرطة الريفية يتم بشكل فوضوي. حتى إن كان الضابط “أ” قد أطلق النار على الحالات الخطيرة، فإنه يعتقد أن الصيد غير المشروع سيستمرُّ.

لذا يقول: “إنها عمليات مدعومة داخليّاً؛ إذ يعمل الكثير من مواطني جنوب أفريقيا في وظائف في المتنزهات من أجل أن يكونوا بالقرب من الصيد غير المشروع. والحقيقة الرهيبة أن الحُرَّاس لا يمكن الوثوق بهم”.

ويقول الضابط “أ” مُعبِّراً عن إعجابه بأن الصيادين لديهم لياقة عالية، وأنه سيكون أكثر نجاحاً في القبض عليهم إذا سمحت لهم السلطات بالاستعانة بالكلاب في مطاردتهم.

“إذا كان بإمكانك العثور على الرجل الذي غادر البوابة سيراً على الأقدام منذ ثلاث ساعات، يمكنك القبض عليه، ولكنه ينجح في الفرار. أما إن كان لدينا كلاب، فسوف تُمزِّق هذا الرجل”.

ويعتقد الضابط “أ” أن أفضل شيء يمكن أن يفعله المحافظون على الحياة البرية لإنقاذ وحيد القرن هو إنشاء صندوق الدفاع القانوني عنه إذا قُبِض عليه: “أنا لا أهتمُّ؛ فسأكون حالةً تجريبيةً”.

مثل إطلاق النار على الأسود في مصيدة

معظم صائدي الغنائم من الأمريكيين ذوي البشرة البيضاء، على الرغم من أن هناك الكثير من الأوروبيين والروس الأغنياء أيضاً.

والأمر الغريب أنهم في الكثير من الأحيان يكونون من الحاصلين على درجة طبية، ويدفعون من 30,000 إلى 100,000 دولار ليحصلوا على الحقِّ في قتل واحد من الحيوانات الخمس الكبار؛ إذ تبيع مجموعة اللوبي الأمريكية إلى نادي السفاري الدولي فرص الصيد في المزادات بمبالغ تصل إلى 300,000 دولار في مؤتمرها السنوي في لاس فيغاس.

وتساعد هذه الأموال في ممارسة الضغط الشديد على الحكومات والمنظمات الدولية للحفاظ على الحياة البرية، والتي تتعرَّض لضغوط بهدف حظر الصيد أو تقييده بشدة.

في عام 2015، تَصَدَّر الصيد غير المشروع عناوين الصحف عندما قتل طبيب الأسنان “والتر بالمر” من ولاية مينيسوتا “الأسد سيسيل”، أكبر الأُسُود الذكور وأكثرهم شهرةً في حديقة هوانج الوطنية في زيمبابوي؛ حيث استخدم مرشد بالمر لحم فيل كطُعْم؛ لجذب الأسد خارج الأراضي المحميَّة. وعندما قُتِل سيسيل، الذي كان يَحمِل قلادة تعقُّب في رقبته وَضَعها باحثون تابعون لجامعة أكسفورد -الباحثون المُنتسِبون- أصبح شهيداً ورمزاً.

ثم كانت هناك حالة من السخط عبر وسائل التواصل الاجتماعي من أجل حظر الصيد غير المشروع.

ورَدّاً على ذلك، اتهمت حكومة زيمبابوي مرشد بالمر المحلي (من ذوي البشرة البيضاء) بالصيد دون تصريح، ثم أسقطت عنه التهمة في عام 2016 (في حين لم تسقط تهمة مماثلة ضد مالك مزرعةٍ زيمبابويٍّ من ذوي البشرة السوداء؛ حيث وقعت عملية القتل). وحكمت دائرة الأسماك الأمريكية والحياة البرية أنه يجب على الصيادين الأمريكيين الذين يُحضِرون حيوانات من صيد غير مشروع إلى الولايات المتحدة أن يُثبِتوا أنهم لم يصطادوها من المناطق المحميَّة.

لم تُحدِث وفاة سيسيل تغيُّراً كبيراً

ففي يوليو، قام صياد أمريكي آخر -ممَّن يقومون بالصيد غير المشروع- بصيد أسد آخر خارج الحديقة نفسها. وكانت آخر عملية صيد غير مشروعة لشبل من أشبال الأسد سيسيل اسمه زاندا.

إن قلة عدد الأُسُود المعروضة تؤدي إلى نشأة صناعة جديدة ومتنامية في جنوب أفريقيا، هي تربية الحيوانات البرية “للصيد المُعَلَّب”؛ لأن صائدي الغنائم سيدفعون مبالغ كبيرة للحصول على فرصة مضمونة للصيد.

وقد صارت تربية الحيوانات البرية تجارةً كبيرةً في جنوب أفريقيا تأخذ موارد الغذاء والماء بعيداً عن الزراعة التقليدية. ولتربية أُسُود كبيرة جدّاً، يُهَجِّن المُرَبُّون الآن الأُسُود مع النمور؛ للحصول على “الأسد البري”؛ لأن الحصول على جائزة من صائدي الغنائم أصبح أمراً نادراً.

ويجلب المُرَبُّون أيضاً الأُسُود ذات العيون البيضاء. وهذه الأُسُود جميعاً تُولَد وتُربَّى لغرض واحد، هو أن تُزيِّن رؤوسها المُحنَّطة قصر القديس في بروكسل، أو ماكمانسيون في بيوريا يوماً ما.

غالبا ما يتم اصطياد حيوان الكركدن المهدد بالإنقراض من أجل قرونه التي تُباع بآلاف الدولارات كعلاج شعبي في دول آسيوية

صيد الصيادين

كما يُرَبِّي مالكو الأراضي من ذوي البشرة البيضاء وحيد القرن؛ حيث يعيش الآن الآلاف منها ويتكاثرون في الأَسْر.

وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها أنصار الحفاظ على البيئة لتغيير القانون، لا يزال بيع قرن وحيد القرن محليّاً أمراً مسموحاً به في جنوب أفريقيا.

ويمكن أن يعيش وحيد القرن دون قرونه، وهذا هو السبب الذي يجعل بعض المُرَبِّين لا يَسْعَوْنَ إلى الحَدِّ بشدة من الطلب الآسيوي الذي يُحفِّز الصيادين.

وهذا ظلم بَيِّنٌ آخر في حروب وحيد القرن؛ إذ يمكن للمُربِّين من ذوي البشرة البيضاء بيع القرون، بينما يُطلِقون النار على ذوي البشرة السوداء لسرقتها.

وللسؤال عن موقف الصيادين من هذه الحرب، نجد أن مارتن بورمان، مناصر الحفاظ على البيئة في جنوب أفريقيا ومدير مؤسسة الحفاظ الأفريقية لتشغيل السياحة البيئة، يُصوِّرها كأنها محاولة للدفاع عن اغتصاب الأطفال.

ولا أحد يريد أن يسمع ذلك، فيقول: “ولكن هناك شعوراً متزايداً يتعلق بالصيادين، وهو أن ذوي البشرة البيضاء يُفلِتون من القتل”.

يرى القرويون ذَوُو البشرة السوداء أن الصيد غير المشروع حقٌّ وضرورةٌ على السواء.

وتقول أنيت هوبشل، باحثة في علم الجريمة في مَرصَد كيب تاون البيئي، إن الصيد غير المشروع احتجاج على “الاستبعاد المنهجي” لذوي البشرة السوداء من محميات الصيد.

كما وجدت أن القرويين الذين يعيشون على طول امتداد المنتزه يَرَوْنَ الصيادين مثل روبن هود، على الرغم من أن العديد منهم لديهم سجلٌّ حافلٌ بالأعمال الإجرامية، التي تشمل جرائم القتل والأسلحة والمخدرات. كما قال لها أحد معتادي سرقة القرون: “نحن نستخدم قرون وحيد القرن لتحرير أنفسنا”.

ولأن القرويين يقدمون دعماً ضمنيّاً للصيادين، كثَّف المرتزقة حملتهم الوحشية لطردهم بقوة السلاح.

وفي مقابلةٍ أجريتها العام الماضي، وصف رجل يبلغ من العمر 23 عاماً، ويُدعَى سبونيسو مهلونغو، عمليات الاحتجاز الليلية الجماعية للذكور ذوي البشرة السمراء حول منتزه كروغر، قائلاً: “كنت نائماً وكان الجوُّ ممطراً. كانت الساعة الواحدة، وصُدِمت عندما وصل هؤلاء الأشخاص، وخبطوا الباب وكسروا النوافذ. دخل هؤلاء الأشخاص مع رجل أبيض، وسألوني عمَّا إذا كان معي بندقية أم لا. ثم كبَّلوني، ولم أحصل على أي إجابات. وتم جَرِّي إلى الخارج والإلقاء بي في شاحنة”.

وجمعت الشاحنة عدداً أكبر من الرجال من القرى المجاورة. وفي نهاية المطاف، أُخِذ ذَوُو البشرة السوداء من الشاحنة واحداً تلو الآخر، واستُجوِبوا ثم تعرَّضوا للضرب حتى صاروا غير قادرين على التنفس.

يقول مهلونغو: “لقد ضربونا ضرباً مُبرِّحاً، ثم أوصلونا إلى منازلنا بعد ذلك”.

ويقول مهلونغو أيضاً: “جاء هؤلاء الأشخاص إلى منزلي ثلاث مرات، ودائماً ما يأتون ليلاً. وفي المرتين التاليتين، اختبأت وتركتهم ينهبون منزلي”.

إن الصيادين يهاجمون البشر أيضاً، ويُعتقَد أن إحدى العصابات قتلت طبيباً بيطريّاً للحيوانات البرية أمام زوجته وطفله في عملية اختطاف بالقرب من متنزه كروغر في عام 2009.

ومؤخراً هاجمت مجموعة أخرى من الصيادين أحد مراكز الحيوانات اللاجئة، وقتلوا وحيد القرن، واغتصبوا مُتطوِّعة.

لكن أسلوب التعامل الحالي الخاصُّ في طريقته العسكرية في حرب وحيد القرن يُنذِران “بتفجر الوضع”، كما يقول بورنمان، وسيتجاوز الأمر الحيوانات البرية بالطبع.

نقل حيوان كركدن من مكانه حفاظا على حياته من الصيادين غير الشرعيين

دفن الصياد

تُصِرُّ جماعات الضغط المؤيدة للصيد غير المشروع على أنهم أنصار حقيقيون لحماية البيئة؛ لأن أموالهم تدعم أراضي المَوئِل -الخاصة وغير الزراعية- التي يمكن أن تتجوَّل فيها هذه المخلوقات التي يرغبون في اصطيادها.

وساعدت رسوم الصيد على تمويل الجهود المبذولة لإحضار قُطعان وحيد القرن الأبيض، بعد أن كان الحيوان يتعرَّض للصيد والمطاردة، ومُهَدَّداً بالانقراض تقريباً في الستينات والسبعينات.

ولكن أنصار الحفاظ على البيئة مع المنظمات غير الحكومية، المعنية بحماية الحياة البرية على مستوى عالمي، يعترفون بأن السماح للأغنياء وذوي البشرة البيضاء بقتل الحيوانات الشهيرة الممنوع صيدها، في الوقت الذي يُعتقَل فيه ذَوُو البشرة السوداء الفقراء الذين يفعلون الشيء نفسه ويُقتَلون أحياناً، يَصُبُّ البنزين على النيران السياسية في جنوب أفريقيا.

ويضغط بعض العاملين في مجال الحفاظ على البيئة لإجراء برامج نقل مواقع واسعة النطاق.

فمنذ أن أباد الصيادون وحيد القرن في بوتسوانا، قامت مجموعات مثل الصندوق العالمي للحياة البرية وغيره من العاملين في مجال الحفاظ على البيئة بنقل وحيد القرن من جنوب أفريقيا إلى مناطق ذات كثافة سكانية منخفضة في بوتسوانا؛ حيث يسُود اعتقاد بأن وحيد القرن سيكون أكثر أماناً هناك.

ولكن الثمن باهظ، فهو يبلغ عشرات الآلاف من الدولارات لتهريب كل حيوان، مع إعطائه المُهَدِّئات ونقله بالمروحية عبر الحدود.

وفي حين أن هذا أمر جيد لوحيد القرن، فإنه أمر قاتل لاقتصاد السياحة في جنوب أفريقيا.

وقد أجرى أنصار الحفاظ على البيئة تجارب بعَقْد شراكات بين القطاعين العامِّ والخاصِّ لإشراك مجتمعات ذوي البشرة السوداء في السياحة البرية، بيد أن التمييز العنصري ترك إرثاً كبيراً من عدم الثقة العِرْقية العميقة لدرجة أن الجهود التعاونية التي نجحت في بلدان مثل كينيا وتنزانيا لم تنجح في جنوب أفريقيا؛ وذلك وفقاً لممثل واحد من أكبر كيانات الحفاظ على البيئة العالمية (الذي طلب عدم الكشف عن اسمه).

أما أبناء جنوب أفريقيا من ذَوِي البشرة البيضاء، فيَرَوْنَ حيوانات وحيد القرن والحيوانات الشهيرة الأخرى “حيوانات عاطفية بشكل لا يُصَدَّق”، كما يقول بورنمان.

فهذه الحيوانات هي التي تجعل أفريقيا قارةً مميزةً؛ على عكس الأمر في مجتمعات ذوي البشرة السوداء. يقول بورنمان: “هنا، ترى بذور العنصرية مُنفصِلة. وإذا ذهبت إلى جنازة صيَّاد، فسترى مقدار تكريم هذا الشخص، وكيف أنه ليس أمراً مُخزِياً”.

سجَّل الصحفي الجنوب أفريقي الراحل، غودنوز نار، العام الماضي جنازة أحد الصيادين.

وألقى شقيق المُتَوَفَّى، جان مابوس، خطاباً على المُشيِّعين، واشتكى من أن العائلة لم تحصل على أي معلومات عن كيفية مقتله وسبب إطلاق الرصاص عليه، وتمَّ منعهم من أداء طقوس الموت التقليدية بالقرب من مكان قتله.

وقال مابوس: “لقد طُرِد أجدادنا، والآن لا يمكننا أن ندخل هذه المناطق؛ لأنها محميَّة صيد. يجب على حكومتنا والدول الأجنبية أن تتوسَّل إلينا لكي نَسمَح لهم بالدخول إلى هذه المناطق؛ لأن هذه الحيوانات، قبل كل شيء، ليست مِلكاً لهم، بل هي خَلْق الله. اليوم، نُقتَل مثل الحيوانات، وهذا ما يجعلني أتساءل: ما الحياة الأكثر أهميةً: حياتنا أم حياة الحيوانات؟ يبدو أن حياة الحيوانات الآن أكثر قيمةً من حياة الإنسان؛ لأننا فقراء، وليس لنا عمل. وعندما نذهب إلى هناك لمحاولة كسب ما يمكننا به شراء الطعام، نُقتَل …. لقد قُتِل الآلاف منَّا في تلك الحديقة، ولم يُقتَل إلا مئات الحيوانات”.

يُدِير بريان جونز واحداً من أكبر مراكز إعادة تأهيل الحيوانات بالقرب من الطرف الشمالي لحديقة كروغر، ويُداوِي الحيوانات الجريحة لتعُود إلى حالتها الصحية الجيدة، قبل أن يحاول إعادتها إلى الحياة البرية.

إنه شخص مسيحي إنجيلي يعتقد أن الإنسانية في أيامها الأخيرة، كما يقول الكتاب المقدس، ويستنكر الصيد غير المشروع لوحيد القرن، وتسميم النسور لإخفاء عمل الصيادين.

ولكنه يعترف أيضاً بدور التمييز العنصري في كل ذلك. وهو يقول إن الحُرَّاس ذوي البشرة السوداء ينعتون الحُرَّاس ذوي البشرة البيضاء “بالكلاب البيضاء”.

في المقابل، ينعت ذَوُو البشرة البيضاء الحُرَّاس ذوي البشرة السوداء بكلمة “كافير – kaffir”.

وهذه الكلمة محظورة وتُقارَن في مدى إساءتها بكلمة “زنجي” في الولايات المتحدة.

يقول جونز: “الحيوانات الخمسة الكبرى غير موجودة في أي مكان آخر، وقد قتلنا معظمها. الآن، لا توجد أي حيوانات متبقية. لقد طردنا ذوي البشرة السوداء، ولا يشارك الموظفون الأفريقيون لديَّ في الحياة البرية على الإطلاق؛ لأنهم يتعرَّضون للقتل -على يد المرتزقة والحيوانات البرية في الأدغال- ولا يحصلون على أي تعويض، وأطفالهم لا يعرفون الحيوانات”.

وإليك كيف ينظرون إلى هذا الأمر:

“هل تقول إنك تُفضِّل وحيد القرن على الرجل الأسود؟”

لدى كثير من الصيادين ذوي البشرة البيضاء وسُيَّاح السفاري وأنصار الحفاظ على البيئة، الجواب “نعم”.

Facebook Comments

Post a comment