الإحــــتــــلال الـــدائـــم

بعد مرور 50 عاماً على احتلال إسرائيل للضفة الغربية وبسط سيطرتها عليها، يبدو أن الفلسطينيين قد خسروا أخيراً رهانهم على تحقيق استقلالهم الذي ناضلوا عقوداً من أجله.

بقلم غريغ كارلستروم
تصوير هايدي ليفين، رويترز

نيوزويك

كان يوماً من آخر أيام شهر رمضان،

قبل بضع أيام من عيد الفطر، والمكان يستعد للأعياد والتجمعات العائلية. غير أن الأمر لم يكن كذلك في غزة، فلم يكن بوسع رَبَّات البيوت هناك شراء شيء غير حفنةٍ من الخضراوات وقطعٍ صغيرة من اللحم.

يقول أحد البائعين: “لا يستطيع أحد استخدام ثلاجته”؛ فالتيار الكهربائي مقطوع أغلب اليوم، مما يُفسِد الطعام بسرعة.
هكذا بدأ صيف شديد الصعوبة، حيث بلغت درجات الحرارة فيه 90 درجةً نهاراً، مما دفع مكاتب السياسيين والأساتذة واحدًا تلو الآخر إلى الاعتذار لزوَّارهم، نظرًا لازدياد حدة موجة الحر، فيما كانت مكيفات الهواء لديهم عديمة النفع.
لقد اعتاد أهل غزة -البالغ عددهم حوالي مليونَي نسمة-على المعاناة، بعد ثلاث حروب وحصار عسكريٍّ دام عقداً من الزمن.
ولم تكن أزمة التيار الكهربائي هذا الصيف بالنسبة لهم سوى الأزمة الأحدث في قائمة طويلة من الأزمات التي تعانيها غزة في كل شيء، بدءًا من مياه الشرب ومرورًا بأزمة الغاز المستخدم في الطهي ووصولاً إلى الإسمنت والسيارات.
ولكن الاختلاف الوحيد هذه المرة كمن في أن السبب وراء هذه المشكلة، هم فلسطينيون آخرون!
كانت إسرائيل حتى وقت قريب تُزوِّد قطاع غزة بحوالي نصف القدر من الطاقة الكهربائية والتي كانت تدفع ثمنها السلطة الفلسطينية -وهي الهيئة الحاكمة للضفة الغربية والمُعترَف بها دوليّاً.
ولكن الرئيس الفلسطيني محمود عباس قرَّر في نيسان/أبريل خفض هذه المدفوعات بقيمة 40%.
وفي 11 حزيران/يونيو، وبناءً على طلب من السلطة الفلسطينية، وافق مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي على خفض إمدادات الكهرباء. فيما مضى، كان سكان غزة يحصلون على أربع ساعات فقط من التيار الكهربائي، تليها فترة انقطاع للتيار لمدة 12 ساعةً.
أما الآن، فإنهم لا يحصلون سوى على حوالي ساعتين ونصف الساعة من الكهرباء.
ولقد كان هذا التخفيض جزءًا من الجهود المبذولة لكسب وُدِّ دونالد ترمب؛ إذ كان عباس مُتحمِّساً لإقامة علاقة جيدة مع الرئيس الأمريكي الجديد، الذي أعلن رغبته في إبرام “الاتفاق النهائي” بين إسرائيل والفلسطينيين.
وقد كلَّف ترمب جيسون غرينبلات -محامي الشركات ذو الخبرة الطويلة- وصهره جاريد كوشنر بإحياء عملية السلام بين الطرفين. ويأمل عباس في أن تُعزِّز العقوبات التي فرضها على غزة -التي تحكمها حركة حماس الإسلامية المسلحة- موقفه.
يقول صلاح بردويل، عضو المكتب السياسي للمنظمة: “يعتقد عباس أن هذه هي الفرصة الأخيرة لحلِّ النزاع بين الدولتين؛ لذا يتعجَّل في أن يُظهِر لترمب معاداته للإرهاب”.
من المؤسف أن جهود ترمب سَرعان ما اصطدمت بالواقع المتمثب بحكومة متشددة ومتطرفة في القدس، وقيادة فلسطينية مُنقسِمة على نفسها، ولا تحظى بشعبية كبيرة.
جاء هذا بعد زيارة كوشنر السريعة إلى المنطقة في منتصف شهر يونيو/حزيران.
فقد أعلنت إسرائيل قبل زيارته بأيام -وبعد وصوله أيضاً- خططها لبناء 7,000 منزل جديد في القدس الشرقية المحتلة.
ووضعت أيضاً أساسات مستوطنة جديدة في الضفة الغربية، وهي المستوطنة الأولى منذ أكثر من عقدين.
وذكرت وسائل الإعلام العربية أن محادثات كوشنر مع عباس كانت “صعبةً”، وأن ترمب قد يتخلى عن جهوده لحَلِّ النزاع؛ فالتقدم الذي يحرزه ضعيف، ولا يتوقع نجاح مساعيه إلا القليل من المراقبين.
وبحلول منتصف الصيف، أعلن الفلسطينيون شعورهم بالإحباط لما يرونه من تأييد كبار مساعدي ترمب لإسرائيل، ولكن عباس لم يتخلَّ عن قرار خفض الكهرباء، ولا وقف شحنات الدواء إلى غزة؛ بل إنه خفَّض رواتب عشرات الآلاف من موظفي الخدمة المدنية هناك.
لذا، لم يكن الأمر خدعة جغرافية سياسية فحسب، بل كان أيضاً جزءاً من صراع فلسطيني داخلي طويل الأمد بين فتح وحماس؛ وهو صراع يشغل الآن الفلسطينيين أكثر من معركتهم مع إسرائيل.
يقول سمير العجلة، أحد سكان غزة: “لم أفكر يوماً أن تكون حياتي صعبةً بسبب فلسطيني آخر!”

ماذا بقي؟
فلسطينية تنظر لحطام منزلها الذي تهدم في صورة أرشيفية تعود لأيام عدوان العام 2014.

تكسير العظام وتلاشي الأحلام
ظلَّ الفلسطينيون الذين يرزحون تحت وطأة الاحتلال، أو الذين هاجروا في بقاع الأرض، الطرف الأضعف في الصراع مع إسرائيل؛ ولكنهم استطاعوا تكوين حركات مقاومة في المنفى في بيروت وعَمَّان وتونس بعد حرب الأيام الستة (نكسة 67). وكانت حركات المقاومة هذه حملات مسلحة أحدثت الكثير من الفوضى في أنحاء العالم العربي، بل امتدت إلى أوروبا.
بلغت هذه الحملات ذروتها في أواخر الثمانينات مع بداية الانتفاضة الأولى، وهي حركة احتجاجات جماهيرية داخلية.
وواجهت إسرائيل الانتفاضة بقوة ووحشية، فقتلت وجرحت آلاف المتظاهرين، وهو ما وصفه وزير الدفاع الإسرائيلي -آنذاك- إسحاق رابين لاحقاً بسياسة “تكسير العظام”.
وأدى ذلك إلى موجة من الانتقادات الحادَّة في الخارج، ساعدت على دفع العمليات الدبلوماسية التي بلغت ذروتها في منتصف التسعينات، بالتوصل إلى اتفاقية أوسلو التي منحت الفلسطينيين قدراً من الحكم الذاتي.
نصَّت اتفاقية أوسلو على سريانها لمدة خمس سنوات كخطوة مرحليَّة نحو التوصل إلى اتفاق سلام نهائي، ولكن هذا التفاؤل سَرعان ما بدَّدته الانتفاضة الثانية، وهي حملة مُروِّعة من التفجيرات الانتحارية أسكتت معسكر السلام في إسرائيل.
ومن هنا، تشعبت الاستراتيجية الفلسطينية؛ حيث خاضت حماس ثلاث حروب، ونفَّذ الفلسطينيون الشباب مئات الهجمات الاستشهادية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وإسرائيل.
وشنَّت السلطة الفلسطينية في هذه الأثناء معركة دبلوماسيةً ضد إسرائيل، وانضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية، وحصلت على اهتمام من الأمم المتحدة وعدد من الدول الأوروبية؛ ولكن هذه التحركات والجهود الحثيثة لم تُجبِر إسرائيل على تقديم أي تنازلات.
قتل الفلسطينيون طوال العقد الماضي حوالي 200 إسرائيلي، أَيْ أقلَّ من نصف عدد ضحايا سنة 2002، أي في ذروة الانتفاضة الثانية.
أما مُشرِّعو القانون، فيتعاملون على أساس أن العنف أمر لا يمكن تجنُّبه.
ورغم ذلك، استمرت تجمعات مؤيدي السلام في تل أبيب حتى في أثناء حرب غزة الماضية.
لكن أكبر تجمع لهم لم يجذب أكثر من 5,000 متظاهر، بينما شارك ما يَقرُب من نصف مليون إسرائيلي في احتجاجات ضد غلاء المعيشة في 2011.
أما الجهود الدبلوماسية التي بذلها عباس، فلم تحرز تقدماً كبيراً؛ فالانضمام إلى الاتفاقية الدولية لمكافحة استخدام المنشطات في الرياضة لم يمثل ضغطاً حقيقيّاً على إسرائيل.
وبدلاً من مواجهة إسرائيل، أمضى الفلسطينيون السنوات العشر الماضية في القتال فيما بينهم. وانشغلت حركة حماس ومنافستها العلمانية فتح بإدارة ما تحكمانه من أراضٍ إدارةً أمنيةً حيث تضيّقان الخناق وتسجنان الصحفيين والنشطاء، وحتى المواطنين العاديين الذين يكتبون منشورات تنتقدهما على الفيس بوك (معظم الفلسطينيين الذين أجرينا معهم حوارات طلبوا عدم الكشف عن هويتهم خوفاً من حكوماتهم).

مجموعة جنود إسرائيليين يعتقلون رجلاً فلسطينياً خلال اشتباكات في الضفة الغربية. ويقول مسؤولون إسرائيليون أنه باستطاعتهم إدارة العنف الذي يطرأ دورياً على الرغم من ازدياد وتيرة الهجمات.

ورغم مرور عقد على انتهاء تفويضهما للحكم، يرفض الطرفان إجراء انتخابات حتى انتهى الوضع الفلسطيني إلى وجود دولتين متداعيتين تسيطر عليهما إسرائيل المزدهرة!
وعلى الرغم من أن هوية إسرائيل كدولة يهودية ديموقراطية لا تزال في خطر، إلا أن ذلك لا يمنع حقيقة أن السلطة الفلسطينية قد هُزِمت إلى حَدٍّ كبير.
يقول مخيمر أبو سعدة، المحلل السياسي في غزة: “من الصعب كفلسطيني أن أقول ذلك، ولكننا لم نحقق أيّاً من أهدافنا الوطنية. لقد فشلت قيادتنا في تحقيق أي شيء!”

رهن الانتفاضة المقبلة
بدأ آلاف السجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية في إبريل/نيسان إضراباً عن الطعام، وهو أكبر مظاهرة جماهيرية منذ سنوات.
نظَّم هذا الإضراب مروان البرغوثي -وهو زعيم بارز في حركة فتح- للمطالبة بأوضاع أفضل: زيارات عائلية إضافية، وإمكانية استخدام الهواتف العمومية.
وأكدت إسرائيل أنها لن تسعى إلى التفاوض.
حتى إن مصلحة السجون الإسرائيلية وضعت بعض البسكويت والشوكولاتة كمكيدة في زنزانة البرغوثي، ثم صوَّرته وهو يأكل في الحمام.
ولكن الفيديو لم يؤثر في شعبية البرغوثي؛ فقد شكَّك فيه الفلسطينيون، وقال بعضهم إنه مزيف، بينما رآه البعض الآخر خدعةً قذرةً.
تواصلت الاحتجاجات حتى أعرب مسؤولون إسرائيليون عن قلقهم من أن التقارير عن السجناء المرضى أو المُتوفَّيْنَ قد تُشعِل شرارة الاضطرابات في الأراضي المحتلة.
وقد حدَّد الفلسطينيون وقتاً لذروة الإضراب في شهر رمضان -حيث تزيد حِدَّة التوترات- تزامنًا مع الذكرى الخمسين للاحتلال.
ونتيجة لهذا، أعلن المُعتقَلون بعد مفاوضات مُطوَّلة اتفاقاً في السابع والعشرين من مايو/أيار، توقَّفوا بموجبه عن إضرابهم بعد تأمين زيارة عائلية شهرية ثانية.
واحتفلت عائلات السجناء في شوارع رام الله، ونال البرغوثي الثناء الكثير لدفاعه عن “كرامة” زملائه السجناء.
يقول أحد الصحفيين الفلسطينيين ساخراً: “قد تظن أننا حرَّرنا القدس!”
حتى هذا الانتصار كان هزيمةً للسلطة الفلسطينية
فقد كان من حق السجناء حتى صيف 2016 زيارتين عائليتين.
ولم تكن إسرائيل هي مَن قلل عدد الزيارات، بل إنه الصليب الأحمر الذي يُنظِّم رحلات الزيارة؛ لأنه أراد خفض تكاليف حافلات الزيارة.
ومما يزيد هزيمة السلطة الفلسطينية أن المال الذي سيُدفَع مقابل الزيارات الإضافية ستُسدِّده السلطة الفلسطينية نفسها، وهي التي تكافح لسَدِّ عجز في ميزانيتها السنوية بقيمة 800 مليون دولار.
لذا، غضب عباس من هذا الإضراب بشدة؛ خشية أن يُضعِف جهود تملُّقه لترمب.
وقام الرئيس الأمريكي في زيارته الأخيرة للمنطقة بإلغاء زيارته لكنيسة المهد في بيت لحم بشكل غير متوقع؛ خشية الاصطدام بحشدٍ من أمهات السجناء المُعتصِمات في مكان قريب، مما اضطرَّ الرئيس الفلسطيني إلى دفع المال!
تولى عباس – 82 عاماً- منصبه في العام 2005، لفترة رسمية تدوم أربعة أعوام، ولكنه ما زال في السلطة، ولا ينوي الاستقالة.
يتَّسِم عباس بوزنه الزائد، وهو مدخن شره خضع لجراحتين في القلب، وبالرغم من ذلك لم يخطط للشخص الذي سيخلفه، ولا يملك خيارات جيدة.
أما نائبه محمد علول، فهو شخص غير معروف جيداً، وإنما هو مُوَالٍ لحركة فتح، وتم اختياره لولائه.
وهناك منافس آخر هو جبريل رجوب، رئيس البوليس السري السابق.
إن رجوب محبوب لدى جنرالات إسرائيل -لأنه اعتقل الإسلاميين- أكثر من الناخبين الفلسطينيين.
أما البرغوثي المرشح الأكثر شعبيةً، فيقضي خمسة أحكام بالسجن مدى الحياة؛ لتنظيمه هجمات في أثناء الانتفاضة الثانية.
وغالباً ما يطرد عباس أو ينفي كل مَن ينتقده؛ لذا لا يُبدِي منافسوه الكثير من المعارضة.
يقول رجوب: “نحن نحتاج إلى أبو مازن”.
وأبو مازن هو الرجل الثالث في حركة فتح.
يقول رجوب: “أبو مازن هو الوحيد الذي يستطيع أن يُوقِّع -وسيُوقِّع- اتفاق السلام؛ فهو مهم للجميع، مهم لإسرائيل، ومهم للولايات المتحدة، وهو ما يزال يعمل بجد”.
لكن ثلثي الذين انتخبوا عباس يرغبون في أن يقدم استقالته، وتدعم أغلبية ضئيلة حلَّ السلطة الوطنية الفلسطينية؛ لأنهم يرونها مجرد مقاول من الباطن للاحتلال الإسرائيلي.
أجرى الفلسطينيون في 13 أيار/مايو انتخابات محلية، كانت من أكثر الانتخابات التي تم الترويج لها في الضفة الغربية.
وكانت تلك أول انتخابات لهم منذ خمس سنوات، وكان المسؤولون يأملون أن تُشعِل الانتخابات الحماس في نفوس الفلسطينيين؛ لكنهم لم يُبدُوا اهتماماً بها!
خاضت فتح الانتخابات دون منافس تقريباً؛ لأن حماس والفصائل الأخرى قرَّرت مقاطعة الانتخابات.
وبالرغم من ذلك، فشلت الجماعة العلمانية في الحصول على الأغلبية في المدن الكبرى مثل الخليل؛ حيث حصل فيها مرشحو فتح على سبعة مقاعد فقط من أصل 15 مقعداً!

والد فتى فلسطيني طعن ثلاثة مستوطنين إسرائيليين في مستوطنة حلاميس، يحمل صورة ابنه.

وكان معدل المشاركة في الانتخابات ضئيلاً؛ إذ بلغ 53%، مقارنةً بأكثر من 70% في الاقتراعات منذ عقد مضى.
يقول أبو سعدة: “لم يَعُدِ الفلسطينيون مهتمين بالسياسة. ولماذا قد يهتمُّون؟!”
وتساور الفلسطينيون مخاوف متزايدة وشكوك حول مصداقية حكومتهم؛ إذ يشعر أكثر من ثلاثة أرباع الفلسطينيين أن حكومتهم فاسدة.
فإذا سألتهم عن أكبر مشاكل حياتهم، فستدور غالبية الإجابات حول الفقر، والبطالة، والفساد، والانشقاق السياسي بين فتح وحماس. ووفقاً للمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية -أكبر مُنظِّم للاستفتاءات في الأراضي الفلسطينية- يرى 27% من الفلسطينيين أن الاحتلال هو شغله الشاغل. ويبلغ معدل البطالة الرسمي في الضفة الغربية 16%، وتعيش حوالي أسرة واحدة من كل خمس أسر تحت خط الفقر (يُعتقَد أن الأرقام الفعلية أكبر من ذلك). وبالرغم من تلك المعاناة الاقتصادية، تمتلئ شوارع رام الله بلوحات إعلانية عن شقق قيمتها مليون شيكل؛ فقد تحمَّلت الطبقة المتوسطة قليلة العدد عبء الدَّيْن الاستهلاكي الذي ارتفع من 1.3 مليار دولار في العام 2012 إلى 2.2 مليار دولار بعد ثلاث سنوات فقط، مما أدى ذلك إلى جعل الفلسطينيين أكثر تردُّداً في تحمُّل المخاطر. يقول الرئيس التنفيذي لأحد بنوك رام الله: “لن تشارك في الانتفاضة عندما يتحتَّم عليك دفع الرهن العقاريِّ!”
ثلاث دول وشعبان
قد يبدو معبر إيريز المُوصِّل إلى غزة للوهلة الأولى كمحطة في مطار جوي؛ فهو مبنى مرتفع له نوافذ لامعة، وعشرات المَمَرَّات للتعامل مع المسافرين. دائماً هناك مَمَرٌّ واحدٌ أو اثنان فقط مفتوحان، يجلس في أحدهما حُرَّاس الحدود الطائشون وهم يُقلِّبون صفحات إحدى روايات الجيب. ويأخذك مَمَرُّ الركاب الضيق المكتظُّ إلى حاجز تفتيش “بوتمكين”، التابع للسلطة الفلسطينية على الجانب الآخر (لم تسيطر السلطة الفلسطينية على غزة فعليّاً منذ عقد من الزمن). ثم على بُعْد نصف ميل من الطريق المُحفَّر، تصل إلى نقطة الحدود الحقيقية؛ حيث تفتش شرطة حماس حقائبك؛ بحثاً عن الخمور المُهرَّبة.
استولت الجماعة الإسلامية على غزة عام 2007، بعد فترة طويلة من الصراعات الداخلية، بعد فوزها في الانتخابات التشريعية في عام 2006. وخاضت 3 حروب ضد إسرائيل، كان آخرها في صيف 2014، والتي استمرَّت 51 يوماً، وهذه الفترة أطول بكثير مما قد يتوقَّعه أحد. لكن الحرب كانت مُدمِّرةً للفلسطينيين؛ فقد قتلت القنابل الإسرائيلية أكثر من 2,200، وشرَّدت 100,000، ودمَّرت البنية التحتية للقطاع.
ولكن حماس واصلت إطلاق صواريخها حتى آخر لحظة قبل إعلان وقف إطلاق النار في 26 آب/أغسطس؛ لأنها ترى أنها انتصرت؛ لأنها نجت من الحرب، لا لأنها حققت أهدافها الاستراتيجية. وتحدَّثت الجماعة بالطريقة نفسها عن الوضع في غزة؛ إذ أدى الحصار الإسرائيلي والحصار الذي فرضته مصر منذ 10 سنوات إلى توقف الحياة في القطاع، حتى إن معظم سكان القطاع من الشباب لم يغادروا أرضه، التي تبلغ مساحتها 140 ميلاً مربعاً. وبالرغم من ذلك، تراهم يمارسون حياتهم بطريقة طبيعية لا يسمح بها الاحتلال الواضح في الضفة الغربية؛ فليس في غزة دوريات عسكرية إسرائيلية، ولا إسرائيليون. كل ما يمكنك أن تراه أطلال البيوت الزجاجية من المستوطنات التي بُنِيت في المنطقة. يقول محمود زهَّار، أحد مؤسسي حركة حماس: “إن توسيع المستوطنات في الضفة الغربية يعُود إلى التعاون الأمني المُقدَّس مع إسرائيل، لكن منذ وصول حماس إلى السلطة في غزة، لم تُدمِّر إسرائيل بيتاً واحداً هنا”.
وهذه بالطبع كذبة سخيفة؛ فالمدفعية الإسرائيلية دمَّرت غزة، ثم علقت صورةً على حائط صالون الزهَّار، على مسافة قريبة من كرسيِّه. كانت الصورة لابنه الذي قُتِل في غارة جوية إسرائيلية على منزل الأسرة، الذي اضطر الزهَّار لإعادة بنائه 3 مرات. وبالرغم من هذه الصعوبات، تدَّعِي حماس أنها حرَّرت قطاع غزة من إهانات الاحتلال اليومية، وترفض الجماعة التخلي عن القيادة.
والآن يزداد عدد الساخطين على القيود الأمنية في غزة، من الذين لا يشعرون بالحرية، فنجد في المحادثات الخاصة أن غضب سكان غزة الذي كان مُوجَّهاً إلى إسرائيل ومصر بات مُوجَّهاً إلى قاداتهم. وغالباً ما تكون هذه المحادثات في الظلام؛ بسبب انقطاع الكهرباء. أما المياه، فهي -إن توفرت- غير صالحة للشرب؛ لأنها مالحة ومُلوَّثة. ويعاني نصف السكان وأكثر من 60% من الشباب من البطالة، وهي نسبة أعلى من أي مكان وفقاً للبنك الدولي. ويعتمد أكثر من 70% من سكان غزة على المساعدات الدولية للبقاء على قيد الحياة. وتجد الخريجين الجدد في ساحةٍ خارج جامعة الأزهر يتجوَّلون لبيع الوجبات الخفيفة والسجائر لطلبة الجامعة الحاليين، وينظرون بتشاؤم شديد لمستقبلهم. يقول أحدهم، وهو طالب في كلية علوم الكمبيوتر: “سأكون هنا مع عربة تسوُّقي العام  المقبل”.
كانت حماس مُقسَّمة دائماً بين جناحها العسكري المُتشدِّد وفرعها السياسي المعتدل نسبيّاً، وازداد هذا الانقسام في غضون ثلاث سنوات منذ الحرب الأخيرة. وكتب غازي حمد -وهو عضو ناشط في حركة حماس- في أوائل العام 2015 مقالاً في الصفحات الأولى بعنوان: “كيف ولماذا فقد العرب فلسطين؟”. كان هذا نوعاً نادراً من النقد الذاتي؛ إذ ناقش كيف استهلك بحث حركتي فتح وحماس عن مصالحهما الشخصية الضيقة قوتهما، فهما تركزان في الحفاظ على إقطاعاتهما بدلاً من تحرير الفلسطينيين. وكتب حمد أيضاً: “إننا نختلف حول كل شيء، من التحرير أو مشروع الدولة إلى أكثر الأمور تفاهةً. وجرَّنا هذا إلى الغرق في التفاصيل الصغيرة”.
يبدو أن الفوز في بعض النواحي من نصيب العسكريين؛ فقد قضت حماس الجزء الأول من عام 2017 في تغيير قادتها للمرة الأولى منذ أكثر من عقد من الزمان. أما الزعيم الجديد في غزة -وهو في الواقع الرجل الثاني في الجماعة- يحيى سنوار، وهو مُتشدِّد قضى عقداً من الزمن في السجون الإسرائيلية، وساعد في إنشاء وحدة لتعقب والقبض على “المتعاونين” المشتبه في تعاونهم مع إسرائيل، وزعم أنه قتل بعضهم بيديه. يقول أحد زملائه: “إنه رجل صعب المِراس”.

شرطي الحائط: فلسطينية تمر بجانب جدار العزل الفاصل الذي أقامته إسرائيل وعليه رسم للرئيس الأميركي دونالد ترمب بالقبعة الدينية اليهودية أو الياموكا.

يحكم سنوار ورئيسه إسماعيل هنيَّة حركةً تُظهِر مؤخراً ما قد يُسمِّيه بعض المحللين درجةً غير عادية من الرغبة في تسوية النزاع مع إسرائيل؛ فقد كشفت حماس في أيار/مايو عن وثيقة سياسية جديدة تهدف إلى تعديل ميثاق تأسيس الحركة عام 1988. وأسقطت هذه الوثيقة أسوأ لغة مُعادِية للسامية من الأصل الذي تحدَّث عن الحرب ضد اليهود، وقطعت الوثيقة أيضاً العلاقات مع جماعة الإخوان المسلمين. والأكثر أهميةً من ذلك أنها قبلت فكرة قيام الدولة الفلسطينية على طول حدود ما قبل عام 1967، ووصفتها بأنها صيغة مقبولة بإجماع شعبيٍّ.
لكن اتجاه الحركة لم يتغير بشكل كامل؛ فما تزال لا تعترف بإسرائيل.
حتى إن بعض قادة حماس الذين يدعون إلى الحرب يُدرِكون أن الحرب الرابعة مع إسرائيل قد تنتهي بكارثة.
يقول أموس جلعاد، المسؤول في وزارة الدفاع الإسرائيلية: “إنهم يدركون أن الهجوم التالي على غزة قد يعني نهاية حكومة حماس في غزة. هذا ممكن جدّاً”.
لذا، يرغب قادة حماس في تجنب هذا الهجوم التالي، وهناك محادثات جادَّة حول التوقيع على وقف مُطوَّل لإطلاق النار مع إسرائيل مقابل ميناء بحري، وهي خطوة قد تُنهِي الحصار فعليّاً. وقد كانت السنوات القليلة الماضية مريحةً لحركة حماس حتى ظهور محمد دحلان -وهو زعيم سابق في حركة فتح- الذي ارتكب أعظم انتقام قد يتخيله أحد.
فقد اشتُهِر رجاله بإلقاء الإسلاميين من فوق أسطح المنازل.
ومنذ ذلك الحين، بعد خلافه مع عباس، ذهب دحلان إلى المنفى في الإمارات العربية المتحدة، ويعمل الآن مصلحاً دبلوماسيّاً لدى الأسرة الحاكمة في الإمارات.
تعتقد حماس أن بإمكان دحلان تحقيق الاستثمار الاقتصادي والشرعية السياسية، إلا أن انتهاكاته السابقة لم تُنسَ.
يقول أحمد يوسف، وهو عضو في حماس منذ فترة طويلة: “إنه يُعِيد كتابة تاريخه، وحماس تغيَّرت أيضاً”.
وقد يُعزِّز هذا الاتفاق مقابل الميناء البحري -أو أي خطوات أخرى جادَّة- لربط غزة بالعالم الخارجيِّ حلّاً واقعيّاً للدول الثلاث.
قد يبدو هذا خلاف المنظور الذي أمضت الجماعات الإسلامية مثل حماس عقوداً من القتال من أجل تحقيقه، ولكنها مُتحمِّسة جدّاً لهذا الاتفاق.
سألت يوسف عما إن كانت حركته قد صارت مشابهة لحركة فتح، فابتسم وقال: “يمكنك قول ذلك”.
سوء إدارة الصراع
في ديسمبر/كانون أول الماضي، احتفل الفلسطينيون لوقتٍ قصيرٍ بقرار مجلس الأمن الدوليِّ، الذي قال فيه إن المستوطنات الإسرائيلية “ليست قانونية”.
وكانت هذه ضربة مُوجِعة من الرئيس الأمريكي -آنذاك- باراك أوباما، الذي قرَّر بعد 8 سنوات من الفشل مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أن يمتنع عن التصويت بدلاً من استخدام حق النقض “الفيتو” على هذا القرار.
يقول نبيل شعث مبتهجاً، وهو دبلوماسي فلسطيني منذ فترة طويلة: “هذه خطوة لم تجرؤ عليها إدارة الولايات المتحدة منذ عقود”.
قد يكون هذا صحيحاً، لكن بعد ستة أشهر من هذا القرار لم تظهر قوات حفظ سلام تلبس خوذات زرقاء على التلال في أنحاء نابلس.
وها هي إسرائيل تُعلِن بناء 5,000 منزل جديد للمستوطنين في الأسابيع القليلة الأولى من تنصيب ترمب، ثم أعلنت بناء عدد كبير من المنازل في حزيران/يونيو، أَيْ بعد أسابيع من زيارة الرئيس الأمريكي للمنطقة.
واعترف كبير مبعوثي الأمم المتحدة نيكولاي ملادينوف في حزيران/يونيو أن إسرائيل تجاهلت القرار، وقال: “في الواقع، هناك زيادة حقيقية في التصريحات حول الاستيطان”.
ولأن هذا القرار لم يكن ذا معنى، ربما يُكرِّر البيت الأبيض هذه المبادرة على مدى السنوات القليلة المقبلة.
لقد قادت الولايات المتحدة “عملية السلام” لأكثر من عقدين، منذ تلك اللحظة الخادعة عندما تصافح أربعة قادة إسرائيليين وفلسطينيين بالأيدي، ووقَّعوا اتفاقية أوسلو في حديقة البيت الأبيض (توفي ثلاثة منهم الآن، ولا يزال عباس فقط على قيد الحياة).
ثم عقد جورج دبليو بوش مؤتمر أنابولس، الذي قدَّم فيه “خارطة طريق عملية السلام” الخاصة به.
أما أوباما، فكان له العديد من المبادرات التي لم يسمع بها أحد، والتي باءت أيضاً بالفشل!
ولا ندري ماذا سيفعل ترمب: هل سيعقد قمة مار-لاغو للسلام، أم سيتخلى عن عملية السلام كلها؟
وجدير بالذكر أن ترمب لم ينطق بعبارة “حل الدولتين” في زيارته لإسرائيل والضفة الغربية، التي استمرت 25 ساعةً في الربيع الماضي. لذا، اعتقد أكثر الفلسطينيين أن هذا الأمر اعتراف ضمني بفشل عملية السلام.
يقول خليل الشقاقي، أكبر منظمي الاستفتاءات في فلسطين: “لعقود من الزمن، كنت ترى أن هناك عالماً عربيّاً، بقيادة أمريكية، مهتمّاً بالحفاظ على الاستقرار في المنطقة.
ولكن الدور الأمريكي بلغ ذروته في مطلع التسعينات، ثم تضاءل منذ ذلك الحين”.
ما زال هدف الفلسطينيين كبار السِّنِّ هو إقامة دولة فلسطينية على طول حدود ما قبل 1967.
أما الأجيال الأصغر سنًا، فترى أن هذه الفكرة قد عفا عليها الزمن بعدما فشلت عقود طويلة من النضال على أرض المعركة وحول طاولة المفاوضات في تحقيق الدولة.
ووجد الشقاقي في العام الماضي، ولأول مرة، أن دعم حلِّ الدولتين قد انخفض إلى أقل من 50%.
يقول أحد الشباب من حي الشجاعية في شرق غزة، والذي أُصِيب إصابةً شديدة في حرب 2014:
“لقد حاولت فتح التوصُّل إلى حَلٍّ دبلوماسي طوال 35 عاماً، ولدينا هنا ما يُسمَّى بحركة المقاومة؛ ولكن ماذا نملك؟ لا شيء!”
والآن، يرى أكثر الفلسطينيين أن نضالهم مجرد حِراك للحصول على الحقوق المدنية.
ونجدهم يطالبون قائلين: “امنحونا جوازات سفر إسرائيلية، ودعونا نعمل في تل أبيب ونسافر من مطار بن جوريون”.
حتى الفلسطينيون الذين يعترفون بالدولتين يرون أن لهذه الفكرة تاريخ صلاحية سينتهي.
يقول حسام زملوت -السفير الفلسطيني في واشنطن- إن حَلَّ الدولتين ليس طلباً فلسطينيّاً، بل هو “عرض فلسطيني”.
ولا شكَّ أن الفلسطينيين هم الأغلبية بين النهر والبحر، وأن هذا النضال قد أحدث صدى جليّاً في محاربة التمييز العنصري، وأن الدولة الواحدة لن تكون غالبيتها من اليهود.
وهذه هي حُجَّة يسار الوسط الإسرائيلي في المطالبة بحَلِّ الدولتين.
ولكن تحذيراتهم لم تُحرِّك الرأي العام كثيراً.
من ناحية أخرى، تظهر بالفعل علامات لهذا التغيير في الولايات المتحدة.
ففي استفتاء أجرته مؤسسة بروكينغز في العام 2014، أيَّد 38% من الأمريكيين معاقبة إسرائيل على مستوطناتها غير القانونية. وارتفعت هذه النسبة بعد عامين إلى 46%.
ولكن بين هذين الرقمين نجد فجوةً حزبيةً ظاهرةً؛ إذ ازداد الدعم الديمقراطي للعقوبات بلا هوادة من 48% إلى 60%، بينما ظلَّ الدعم الجمهوري ثابتاً ولم يتغير.
ويعتقد غالبية الديمقراطيين الآن أن لإسرائيل تأثير كبير جدّاً في السياسة الأمريكية.
ويوافق أقل من 25% من الجمهوريين على هذا الرأي؛ ولكن هذه النسبة انخفضت في السنوات القليلة الماضية.
ويشعر الحاخامات الأمريكيون الليبراليون الذين يزورون القدس بالضيق الشديد لأن الأجيال الجديدة من الحاخامات لم تَعُدْ ترتبط بإسرائيل مثل آبائهم.
وتُعمِّق الاتجاهات السياسية والاجتماعية المختلفة في إسرائيل هذا الصَّدْع، حيث إن السكان اليهود الآن أكثر تدُّيناً وقوميةً.
ولا شكَّ أن هذا التغيير يُنفِّر اليهود من أمريكا. وهذه المجموعة هي ليست مجرد مجموعة ليبرالية موثوق فيها فحسب، بل هي أيضاً أفضل مُؤيِّد لإسرائيل في واشنطن.
لا تملك إسرائيل بديلاً مناسباً لـ “تحالفها القوي الذي لا ينكسر” مع الولايات المتحدة.
حتى حلفاؤها الجدد في أفريقيا وآسيا، وهم شركاء في التجارة المزدهرة، لا يستطيعون تقديم حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن، ولا تقديم مليارات المساعدات العسكرية السنوية التي حافظت على التفوُّق العسكري لإسرائيل على جيرانها.
أما عن تفوُّقها التكتيكي، فإن إسرائيل اعتنت جيداً بالتخطيط الاستراتيجي.
فعلى سبيل المثال، ساعدت إسرائيل على تقوية حركة حماس في أواخر الثمانينات لأنها أرادت للجماعات الإسلامية أن تكون جبهة قوية مقابل جبهة أعدائها العلمانيين.
ولكنها صنعت بذلك عدوّاً صعب المِراس.
وبالرغم من ذلك، يحاول نتنياهو أن يفخر بأن إدارته هي مَن “تُدِير الصراع”.
وبينما قد تنتهي فترة حكمه الطويلة – نتيجة لاستمرار تحقيقات الكسب غير المشروع- ربما يتَّخِذ خلفاؤه المحتملون نهجاً مماثلاً. وهو نهج قصير النظر أيضاً، ويُمثِّل على المدى الطويل خطراً كبيراً على إسرائيل.

حزن في القدس: أب يبكي مع أطفاله زوجته التي قتلها فلسطيني في القدس. لا الديبلوماسية ولا العنف ساهما في إجبار إسرائيل على تقديم تنازلات.

مَن يخاف المقاطعة الزائفة؟
في صباح يوم مُمطِر عام 2016، كان مئات الإسرائيليون يُكدَّسون في قاعة مؤتمرات في القدس لحضور قمة كبرى حول حركة المقاطعة والحرمان والعقوبات، وهي حملة عالمية لمعاقبة إسرائيل على الاحتلال الذي استمرَّ نصف قرن، وتراها حكومة نتنياهو تهديداً لوجود إسرائيل.
وفي العام 2015، عندما قَبِل جلعاد إردان وظيفته كوزير مُكلَّف بمحاربة المقاطعة، قال للصحفيين إنه فعل ذلك ولديه “شعور الرهبة المقدسة”.
اتخذ القادة الإسرائيليون القدس مسرحاً لهم للتحذير من التهديد المخيف الذي تُشكِّله المقاطعة.
وتكلم الرئيس الإسرائيلي في ذلك أيضاً، وكذلك زعيم المعارضة، وأربعة أعضاء من مجلس الوزراء على الأقل (كانت المُتحدِّثة الرئيسية روزان بار).
أما موشيه كاهلون، وزير الاقتصاد اليمينيُّ الوسطيُّ، فقدَّم مذكرةً متضاربةً وغير واضحة. وأوضح أن وزارته خصَّصت خطّاً ساخناً لمساعدة الشركات الإسرائيلية المتضررة من المقاطعة. ولكن الخط لم يتلقَّ إلا مكالمات قليلة.
يقول كاهلون: “لا أعتقد أن هناك ما يمكن أن نُسمِّيه على وجه التحديد أثراً ضارّاً، أو نوعاً من الضرر للاقتصاد”.
ربما أسفرت استراتيجية إسرائيل في نهاية المطاف عن نتائج عكسية، أَيْ أن يوم تصفية الحساب يبدو بعيداً.
إلا أن المقاطعة، وفق تقديرات العام 2014، خفَّضت 30 مليون دولار فقط من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لإسرائيل، أَيْ أقل من جزء من المائة في المائة -ما يساوي 52 محضر جلسة للنشاط الاقتصادي.
وتضاعفت الاستثمارات الأجنبية مع إسرائيل أكثر من ثلاثة أضعاف في العقد الذي بدأت فيه حركة المقاطع.
كما وازدادت الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي -أكبر شريك تجاري لها- بنسبة أكثر من 30%.
ويمكن لإسرائيل تقديم تكنولوجيا زراعية متطورة للدول الأفريقية، وفرص تكنولوجيا متقدمة لآسيا.
ولا تهتم تلك الدول كثيراً بالاحتلال أو حركة المقاطعة؛ لأنها ترى المقاطعة فضولاً أو بدعةً ظهرت في حرم الجامعات الغربية.

كباش الأيدي:
كان باراك أوباما محبطاً بسبب تصرفات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو لدرجة أنه لم يستعمل الفيتو ضد قرار أممي يعتبر المستوطنات الإسرائيلية غير شرعية.

لا يملك الفلسطينيون الكثير ليقدموه لحلفائهم
فبعد 50 عاماً من الاحتلال، لا ينتج اقتصادهم المُعتمِد على المساعدات شيئاً ذا قيمة.
ولن يمكنهم بذل الكثير لمواجهة الجماعة الإسلامية المسلحة، أو لمواجهة الحرب الباردة الإقليمية مع إيران.
ومما يزيد الأمر سوءاً أن صُنَّاع القرار الغربيون قد عزَّزوا ذات مرة نظرية “الربط”، وهي فكرة تدور حول أن حَلَّ النزاع العربي الإسرائيلي سيحقق السلام في الشرق الأوسط.
لا يعتقد أحد ذلك الآن، ليس في منطقة تشتعل كل أراضيها، حتى إن الدول العربية من مصر إلى الخليج مُتحمِّسة لإقامة علاقات أقوى مع إسرائيل؛ إذ يرونها شريكةً مفيدةً في مكافحة الإرهاب وإيران.
ويحب السياسيون الإسرائيليون انتقاد قطر، تلك الإمارة الخليجية الصغيرة التي تستضيف قادة حماس.
لكن ملايين الدولارات التي تقدمها قطر كمساعدات لغزة ساعدت في تجنُّب حرب أخرى والحفاظ على الوضع الراهن.
أما الفلسطينيون، فهم صامدون وحدهم إلى درجة لم يسبق لها مثيل.
يقول أبو سعدة: “لم نَعُدِ القضية الرئيسية. ولسنا في وضع جيد، وليس لدينا بطاقات لعب جيدة للعب مع إسرائيل. فقط نأمل أن يجلب الجيل القادم بعض الأفكار الجديدة”.

Facebook Comments

Post a comment