الإغتصاب في لبنان: مادة واحدة لا تكفي

المشرّع اللبناني يساير المرأة ويغتصب حقها!

مصطفى رعد

نيوزويك الشرق الأوسط

بعد مرور عدّة أيام على قيام المشرّع في الأردن بإلغاء المادة 308 من قانون العقوبات والتي تُعفي المغتصب من العقوبة بحالة زواجه من الضحية، لحق المشرّع اللبناني بخطى نظيره الأردني وألغى المادة 522 من قانون العقوبات اللبناني التي كانت تعفي بدورها المغتصب من عقوبة السجن أو الملاحقة القانونية في حالة زواجه من الضحية.

مواقف متناقضة حفل بها الشارع اللبناني والمنظمات العاملة على قضايا النساء، فمنهم من اعتبر أن إلغاء المادة يشكل انتصاراً لحقوق النساء وينهي الحقبة المظلمة التي تحط من كرامات النساء الإنسانية، بينما اعتبر البعض الآخر أن إلغاء المادة هو انتصار منقوص.

الصحافية ديانا مقلد غردت عبر تويتر قائلة إن “المادة 522 لم تلغَ بالكامل طالما واصلت الطوائف التمسك بزمام قوانين الاحوال الشخصية ستبقى حياتنا رهينة. المسار طويل لكن لا بديل عن قوانين مدنية”،

كما أشار وليد المحب إلى أن “إلغاء المادة 522 إنجاز لكنه لا يزعج خاطر السلطة. عقبال منح المرأة حق تجنيس أبنائها”.

على الجهة المقابلة كان هناك تصريحات للمشرعين اللبنانيين الذين اعتبروا أن إقرار إلغاء المادة 522 هو انتصار لنساء لبنان، لكن يجب إلغاء كل القوانين التي تنتقص من كرامة المرأة اللبنانية.

فقد أشار النائب سامي الجميل في تغريدة عبر تويتر: “مبروك للمرأة اللبنانية الغاء المادة ٥٢٢ عقوبات. سأتقدم بإلغاء المادتين ٥٠٥ و٥١٨ لإلغاء التمييز المتبقي وتحقيق المساواة الكاملة”.

وقد رحب وزير الدولة لشؤون المرأة جان اوغاسبيان بالغاء المادة 522 إلا أنه أبدى تحفظه “على الإبقاء على المادتين 505 و518 فلا استثناءات للتفلت من جريمة الاغتصاب”.

من جهته، قال النائب ايلي كيروز عن كتلة “القوات اللبنانية” أن هذه المادة تسمح للمغتصب باغتصاب ضحيته أكثر من مرة تحت شعار “أنني تزوجتها”، لافتاً إلى ان تزويج الضحية هو تكريس لفعل الاعتداء وليس تعويضاً لها، مضيفاً أنه من حقنا بعد 70 عاماً إلغاء هذه المادة.

هذه المواقف من إلغاء المادة، كان لها وقع خاص ما بين المنظمات العاملة على قضايا حقوق النساء، بحيث أظهرت المنظمات مواقف مختلفة حول إلغاء المادة، على أن ذلك لا يُظهر خلافاً ما بين الجمعيات، لا بل اختلافاً في الرؤية والأولويات وتفسير الاجتهادات والخطابات.

“لا يمكننا أن نقول إنه انتصار نهائي لحقوق النساء في لبنان، لكن يمكننا القول إنه إحدى الإنجازات التي يجب علينا مراكمتها في معركة تحصيل حقوق النساء ورفع الوعي لدى المواطنين حول موضوع جريمة الاغتصاب”، تقول المحامية منار زعيتر الناشطة في قضايا النساء، في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط.

وتضيف زعيتر أن “معظم الجمعيات تناضل مؤخراً في رفع سن الزواج وإلغاء المادتين 503 و518 المتعلقتان بالتحرش الجنسي”.

تعتبر زعيتر أن لا وعي كافياً لدى الناس حول مفهوم المادة 522، بحيث يعتقدون أنها متعلقة فقط بموضوع إفلات المغتصب من عقوبته في حال تزوج من الضحية، إلا أنها متعلقة بجملة من الجرائم ذات الطابع الجنسي.

لبنانيات يطالبن بإلغاء المادة 522 التي لا تجرم المغتصب. الصورة من صفحة جمعية أبعاد.

تشير زعيتر إلى أن “التحرش الجنسي لا يزال حتى الآن غير معاقب عليه قانوناً، لا في قانون العقوبات اللبناني الذي يعود تاريخه إلى العام 1943، ولا حتى في قانون حماية النساء من العنف الأسري القانون رقم 293، أو قانون العمل اللبناني”.

قبل 6 أشهر، أنهت لجنة الإدارة والعدل في المجلس النيابي اللبناني دراسة مقترح إلغاء المادة 522 التي تعفي مرتكب الجرائم المنصوص عليها في المواد 503 إلى 521 في حال تزوّج من ضحيّته، وقد تم إقرارها اليوم في جلسة عامّة في مجلس النواب.

مخيبر: سنعمل على تجريم التحرش الجنسي

يعتبر النائب غسان مخيبر أن المجلس النيابي حقق انتصاراً يُسجل لنساء لبنان بعد إقرار إلغاء المادة 522، بحيث يشير إلى أنه “مطلبٌ قديم لحماية كل ضحايا الاغتصاب التي كانت تحط من كرامة النساء” وبالتالي لم يعد “مجرمو الاغتصاب قادرين على اللجوء إلى الزواج وذلك من أجل الإفلات من العقاب”.

متظاهرة لبنانية تطالب بتجريم المغتصب في إحدى المظاهرات من أمام قصر العدل في بيروت. الصورة من صفحة صورة وحكاية

يقول مخيبر في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط أن “القانون بصيغته الجديدة حصل على تغييرات في جوهره، وهي تغييرات تهدف إلى حماية النساء من الأحكام الجزائية، والتي كان يكتنفها بعض الغموض، وأصبح هناك تشددٌ أكبر في حماية النساء”.

ويضيف مخيبر أنه لن تتوقف الملاحقة القانونية بحق المغتصب إذا تزوج الضحية وبالتالي أصبحت الجرائم ذات الطابع الجنسي معاقب عليها قانوناً.

ماذا عن معاقبة المتحرش جنسياً؟

يشير مخيبر إلى أنه تقدم قبل 3 سنوات بمشروع قانون يهدف إلى إلغاء المواد 505 و518 والمتعلقة بتجريم فعل التحرش الجنسي، وقد تم عرضه على المجلس النيابي وكان هناك مناقشات إيجابية ضمن هذه الإطار، ولكنه لم يُقر نظراً لحاجته إلى مزيد من المناقشات بحسب ما رأى وزير الدولة لشؤون المرأة جان اوغاسبيان الذي طلب تعديل وتطوير القانون ليتناسب مع الواقع الذي يحمي المرأة فيه.

وفي الاطار نفسه، كانت لجنة الإدارة والعدل قد خلصت في جلستها الأخيرة في شهر شباط/فبراير الماضي إلى إلغاء المادة 522، ولكنها أبقت على مفاعليها في المادّة 505 المتعلّقة بمجامعة قاصر والمادّة 518 المتعلّقة بإغواء امرأة (راشدة أو قاصر) بوعد الزواج، الأمر الذي يجب أن نتوقف عنده لما يحمل من انعكاسات خطيرة على النساء والفتيات وعلى المنحى القانوني العام للدولة اللبنانيّة.

ماذا تعني المادتان 505 و518؟

تقول جمعية “كفى عنفاً واستغلالاً” في بيانها الذي أصدرته اليوم عقب الإعلان عن إلغاء المادة 522 إن الجمعية أعلمت النواب مراراً بالثغرة الخطيرة الموجودة في المادة 505 والمادة 518، وقد “طالبناهم بمعالجتها ليصير الإلغاء كاملًا ويرتقي ليصبح إنجازًا حقيقيًا لا مجرّد مساومة أخرى على حقوق النساء والفتيات.”

الحملة التي نفذتها جمعية كفى لرفع سن الزواج وعدم تزويج القاصرات.

ولتتوضح المسألة بشكل أكبر، تتناول المادة 505 مجامعة القاصر كجرم يعاقب عليه القانون، غير أنّ تعديل المادّة الذي توافق عليه أعضاء لجنة الإدارة والعدل، بحيث تمثّل بوضع مرتكب هذا الجرم أمام خيارين: إمّا السجن أو الزواج بالضحية في حال كانت تبلغ ما بين 15 و18 عاماً من العمر، مع إضافة وجوب تدخّل مندوبة اجتماعية في الحالات التي سيتمّ فيها الزواج للتأكّد من أن القاصر على ما يرام.

ولهذه الغاية، يطرح السؤال التالي: في حال كانت مجامعة القاصر تُعتبر جرماً في القانون، بأيّ منطق يُعطى المرتكب خيار الزواج من الضحيّة مقابل الإفلات من العقاب، وما المغزى من وجوب متابعة مندوبة اجتماعية للعلاقة الزوجيّة في حال افترضنا أنّهبعدم وقوع أي أذى على الضحية، بما أنّه عُقد “زواج صحيح” ما بين الطرفين؟ والأهمّ أن هذا التعديل يعود ويكرّس قوننة تزويج القاصرات والقبول به على أنه “حلّ” للاعتداءات الجنسية.

أمّا بالنسبة إلى المادّة 518، فهي تتناول فضّ البكارة من خلال الإغواء بوعد الزواج، وفي التعديل الذي أُقرّ أدخل المشرّعون مفعول المادّة 522 على هذه المادّة أيضاً وأبقوا على احتمال الزواج كإعفاء من العقاب ولا تحديد لسنّ الضحيّة.

لذلك تؤكد الجمعية أن لا مساومة على حقوق النساء والفتيات، وشددوا على رفض تكريس تزويج القاصرات مجدداً في قانون العقوبات اللبناني. وتعتبر الجمعية أن ما حصل اليوم هو خطوة ناقصة تعكس استمرار الاستخفاف بكرامة النساء وتكرّس القبول بتزويج الفتيات والزواج بالإكراه؛ لذا ينبغي الاستمرار في النضال من أجل إلغاء مفاعيل المادّة 522 بالكامل.

ما هي المادة 522 بنسختها القديمة؟

تشير المادة 522 في الباب السابع من قانون العقوبات اللبناني الصادر في العام 1943 بمرسوم اشتراعي رقم 340 والمعدلة وفقاً للقانون تاريخ 5/2/1948 ما حرفيته:

“إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المعتدى عليها أوقفت الملاحقة. وإذا كان صدر الحكم بالقضية علق تنفيذ العقاب الذي فرض عليه.

يعاد إلى الملاحقة أو تنفيذ العقوبة قبل انقضاء ثلاث سنوات على الجنحة وانقضاء خمس سنوات على الجناية إذا انتهى الزواج إما بطلاق المرأة دون سبب مشروع أو بالطلاق المحكوم به لمصلحة المعتدى عليها”.

مجلس القضاء الأعلى يطلب النظر في قضايا العنف الأسري

وفي خطوة متقدمة للقضاء اللبناني، كان مجلس القضاء الأعلى قد أعلن في بيان الشهر الماضي عن ضرورة النظر في القضايا الملحّة والتي لا تحتمل التأجيل مثل: النفقة، المشاهدة، حماية الأحداث، اثبات الحالة، منع السفر، العنف الأسري…)، وذلك “إنطلاقاً من دوره وواجبه في السهر على كرامة القضاء واستقلاله وحسن سير العمل فيه، وعطفاً على البيان الصادر عنه في تاريخ ١٩ يوليو من هذا العام الذي أعلن فيه اضطرار القضاء العدلي الى الإعتكاف عن العمل القضائي، باستثناء النظر في قضايا الموقوفين…. ما يحتّم الفصل فيها درءاً لضياع الحقوق”.

ولهذه الغاية، أقر مجلس الوزراء بالاجماع، يوم الخميس الماضي في 3 أغسطس، مشروع تعديل القانون 293 الخاص بحماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري، بعدما طرحه رئيس الجمهورية ميشال عون من خارج جدول الأعمال.

وكانت وزارة العدل ومنظمة كفى قد تقدمتا بمسودة لتعديل القانون، في 7 أبريل 2017، أهم ما جاء فيها اعتماد تعريف واضح لمفهوم العنف الأسري وجعل جريمة العنف الأسري التي تستحق المعالجة الخاصة وجميع النتائج المترتبة عليها جريمة قائمة بذاتها ويعاقب على نتائجها الضارة بأكبر قدر من الفعالية والمرونة والسرعة. وينتظر مشروع تعديل القانون 293 اقراره في مجلس النواب لـ “تحقيق الحماية الفعالة للنساء”، وفق كفى.

ما هي المواد المطلوب إلغائها من قانون العقوبات اللبناني؟

أشارت الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية على موقعها الإلكتروني إلى جملة من المواد القانونية التي يتوجب إلغائها من قانون العقوبات اللبنانية والتي تمس بكرامة المرأة وهي:

  • في الجنح المخلة بآداب العيلة

 

  • المادة 487:

معاقبة الزوجة الزانية بالحبس.

  • المادة 488:

معاقبة الزوج الزاني بالحبس إذا ارتكب الزنا في البيت الزوجي أو المتخذ له خليلة جهارا في أي مكان كان.

  • المادة 489:

عدم جواز ملاحقة فعل الزنا إلا بشكوى الزوج الذي يجب أن يتخذ صفة المدعي الشخصي.

في الجرائم المخلّة بالأخلاق والآداب العامة:

  • المادة 503:

معاقبة من أكره غير زوجه بالعنف والتهديد على الجماع بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات على الأقل.

  • المادة 504:

معاقبة من جامع شخصا غير زوجه لا يستطيع المقاومة بسبب نقص جسدي أو نفسي أو بسبب ما استعمل نحوه من ضروب الخداع بالأشغال الشاقة المؤقتة

  • المادة 505:

معاقبة من جامع قاصرا دون الخامسة عشرة من العمر بالأشغال الشاقة ولا تنقص العقوبة عن خمس سنوات إذا كان الولد لم يتم الثانية عشرة من العمر.

ومن جامع قاصرا أتم الخامسة عشرة من العمر ولم يتم الثامنة عشرة عوقب بالحبس من شهرين إلى سنتين.

  • المادة 506:

تشديد عقوبة مجامعة قاصر في حال ارتكاب الجريمة من قبل شخص يمارس عليه سلطة شرعية أو فعلية.

  • المادة 513:

معاقبة الموظف الذي راود عن نفسها زوجة سجين أو موقوف أو شخص خاضع لمراقبته أو سلطته.

الأردن قبل لبنان: إلغاء المادة 308 انتصار كامل للنساء

ملصق الحملة التي عمل ناشطون وحقوقيون أردنيون على تنفيذها لالغاء المادة 308 من قانون العقوبات الاردني.

ألغى البرلمان الأردني في بداية شهر آب الجاري المادة 308 من قانون العقوبات والتي كانت تتيح للمغتصب الافلات من العقوبة في حال تزوج من الضحية. وأشارت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية “بترا” إلى أن موافقة النواب على “إلغاء المادة 308 المثيرة للجدل والتي توقف تنفيذ العقوبة بحق الجاني في الجرائم الجنسية إذا ما تزوج من ضحيته”.

وجاء الغاء المادة بعد أن أقر المجلس مشروع القانون المعدل لقانون العقوبات لسنة 2017. وقال رئيس الوزراء هاني الملقي أن “الحكومة ملتزمة بموقفها بإلغاء المادة 308 لتعزيز حماية الاسرة الاردنية”.

وتابعت الوكالة أنه “بقرار شطب المادة 308 ينضم الاردن الى قائمة دول أجنبية وعدد قليل من الدول العربية التي ألغت من تشريعاتها نصوصا تعفي الجاني من العقاب في حال تزوج من المجني عليها”.

وكانت المادة 308 تعفي مرتكب جرائم الاغتصاب وهتك العرض والخطف من العقوبة في حال زواجه من الضحية، بشرط ان يستمر الزواج في حالات الاغتصاب 5 أعوام.

الهدف الأهم: تعديل قانون الأحوال الشخصية

ما يهم قوله بحسب المحامية زعيتر إن “قضايا النساء ليست مفصولة عن قضايا البلد الأجتماعية والاقتصادية والسياسية، والنقطة الأهم هو وجوب حدوث إصلاحات في قانون الأحوال الشخصية التي تتمسك الطوائف به والتي تشكل مرجعية أقوى من الدولة اللبنانية”.

وعلى ما يبدو أن المشرعين اللبنانيين لم يتخلوا عن منطق “العادات اللبنانية” البالية التي تتحكم بحياة النساء من خلال تفكير ذكوري رجعي بحيث قال النائب روبير غانم في تصريح صحافي إن أعضاء اللجنة أخذوا في الاعتبار “العادات اللبنانية”، بحيث أشار إلى أنه “لا يزال لدينا عشائر وقبائل وعادات تختلف تماماً عن الآخرين”، وذلك ليس إلا دليلاً دامغاً على الخلفية الذكورية التي يتعامل بها المشرّعون مع قضايا النساء.

برأي زعيتر، لم يعد مقبولاً التعاطي مع قضايا النساء بشكل مجزّأ، ويجب أن يتم تعديل قانون العقوبات الذي يعود تاريخ ولادته إلى العام 1943، على أن ذلك لن يكون كافياً في حال لم توحد الجمعيات والمنظمات العاملة على قضايا النساء خطابها وجهودها باتجاه تعديل قانون الأحوال الشخصية.

Facebook Comments

Post a comment