البنوك المستقبلية يمكن أن تتعلم من لعبة الليجو

بقلم بافل دراهوتسكي

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

غالباً ما يكون التحول الرقمي في القطاع المالي مرتبطاً بمنظومة التعاملات الرقمية (Blockchain)، ولا شك أن الإمكانات الهائلة التي تنطوي عليها هذه المنظومة ستصبح بالغة التأثير على المدى الطويل.
وبالمقابل، ستزخر التكنولوجيا خلال المستقبل المنظور بسلاسل من عناصر تكنولوجيا المعلومات المستندة إلى واجهة برمجة التطبيقات (API). من ناحية أخرى، تعتبر كلمة ’ليجو‘ (Lego) مشتقة من المصطلح الدانماركي ’لا جوت‘ (leg godt) والتي تعني ’اللعب بشكل جيد‘. ومن هنا، توجد بعض أوجه التشابه المثيرة للاهتمام بين لعبة ’الليجو‘ وموضوع نقاشنا المتمحور حول مستقبل المنظومة الرقمية المالية. وتشكل سمات معينة مثل التنميط والابتكار والطابع المميز والقاسم المشترك بين عملية بناء قطع ’الليجو‘ والقطاع الرقمي المالي على حد سواء.
ويبقى السؤال المطروح بالنسبة للمؤسسات المالية والبنوك: كيف يمكن لنا أن نصبح من اللاعبين المتمرسين في العالم الرقمي؟

تعليمات البناء
تشكل تعليمات البناء نقطة الانطلاق للعبة ’الليجو‘ ونماذج الأعمال على حد سواء، إلا أن المشكلة المتعلقة بتعليمات بناء الخدمات المالية تتمثل في موروثها القديم. فلطالما شكلت مفاهيم الاستقلالية والرقابة الهاجس الأساسي في القطاع المصرفي، لذلك فقد تم التركيز في المقام الأول على “سلسلة القيمة الكاملة التي تستحوذ على البنوك المتشابهة‘.”
وفي عصر التحول الرقمي، أدى هذا النقص في نماذج الأعمال المتاحة، إلى جانب ارتفاع تكاليف ملكية البنية التحتية ’المنغلقة‘ لتكنولوجيا المعلومات إلى ظهور أزمة في الهوية المؤسسية والأداء لدى مزودي الخدمات المصرفية التقليديين. وتقوم شركات تكنولوجيا الخدمات المالية FinTech – إلى جانب كبار اللاعبين في السوق ممن هم على مقربة أو بعد عن المنظومات المالية من أمثال شركات ’باي بال‘، و’آبل‘ و’أمازون‘ و’فيسبوك‘ – باغتنام نقاط الضعف في بنية النظام المالي لدخول السوق أو توسيع آفاق النظام المالي. وتتلقى هذه الجهات دعماً كبيراً من جانب الهيئات الرقابية المالية التي تتولى عمليات تعديل القواعد التنظيمية في الأسواق المالية لصالح شركات تكنولوجيا الخدمات المالية، وإرساء التراخيص الخاصة بتكنولوجيا الخدمات المالية، وتعزيز أنماط التوحيد القياسي من خلال إصدار قواعد تنظيمية جديدة (مثل تعليمات خدمات الدفع المنقحة PSD2) والسماح بنشوء نماذج أعمال جديدة (مثل شركات تجميع البيانات).

استراتيجية التحول الرقمي: الانفتاح
لا شك أنه من غير الملائم الافتراض بأن ’الانقراض الرقمي‘ سيطال المؤسسات المالية التقليدية نظراً لتقادم مخططاتها التنظيمية. وللاستفادة من إيجابيات التحول الرقمي، يتعين على المرء تكوين فهم معمق عن عوامل التغيير القائمة.
وعلاوة على القواسم المشتركة بين القطاعات المختلفة، فإن القوة التفاوضية المتغيرة للعملاء، وتنامي مستويات الشفافية في الأسواق الناتجة عن توحيد المعايير، والتحولات السلوكية نحو التعاون، والإبداع المشترك، وأنظمة القياس الجماعي تشكل بمجموعها العوامل الرئيسية لتحقيق النجاح. ولذلك يتعين على شركة الوساطة المالية أن تبذل ما بوسعها للوصول إلى درجة عالية من التخصص، والتأكد من وضوح خدماتها ورسوخها ضمن تعليمات البناء الخاصة بها، ومن ثم الانفتاح على العالم الخارجي بمساعدة التكنولوجيا وإمكانيات التواصل الخاصة بمنصتها. وبالنتيجة، يمكن الاستعانة بمصادر خارجية لتوفير عناصر سلسلة القيمة – التي لا تتيح قابليتها التبادلية أي قيمة مضافة – ودمجها في المنظومة، إذ يمكن تسهيل الحصول على هذه العناصر بشكل أكثر فاعلية من حيث التكلفة وبكفاءة أكبر من خلال الشركاء في القطاع ولا سيما شركات تكنولوجيا الخدمات المالية.

واجهة برمجة التطبيقات المصرفية المفتوحة
يتناول مفهوم “الخدمات المصرفية المفتوحة” استراتيجية التحول الخاصة بالبنوك. وتتمثل الفكرة الأساسية لذلك في أن البنك يتيح لعملائه واجهة برمجة التطبيقات بدلاً من عدد كبير من التطبيقات المزعجة، وبالتالي فإنه يتيح إمكانية إدارة مكونات النظام من قبل أطراف مختلفة متصلة به. وبعبارة أخرى، تتيح واجهة برمجة التطبيقات إمكانية الاتصال بالبنى التحتية الخاصة بتكنولوجيا المعلومات وخدمات الأعمال للأطراف الثالثة (مثل منصات ’ساكسو بنك‘ للتداول والاستثمار متعدد الأصول)، وبالتالي توفير إمكانية الوصول إلى مجموعة واسعة من الحلول المتكاملة وفائقة التطور. وتقدم واجهات برمجة التطبيقات المساعدة للبنوك في سعيها لدمج المنصات اللازمة، وتوفر مرونة كبيرة في تقديم المنتجات والخدمات المبتكرة وعالية الكفاءة من حيث التكلفة ضمن سلسلة القيمة الخاصة بتلك البنوك والبنى التحتية ’القديمة‘ لتكنولوجيا المعلومات. كما تساعد تلك الواجهات على الاستعانة بالمصادر الخارجية لتوفير حلول لمشكلة انخفاض القيمة مثل تقديم منتجات بديلة، وتنفيذ عمليات التوزيع واسعة النطاق، وزيادة المرونة في تقديم الخدمات، وتحسين تجربة العملاء، وإظهار المرونة السلوكية، وخفض مستويات المخاطر المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات. علاوة على ذلك كله، تتيح واجهات برمجة التطبيقات المصرفية إمكانية إجراء عملية التحول الرقمي على نحو مدروس (مثل عملية تركيب قطع الليجو)، فضلاً عن مواءمة الشركة مع الشركاء المتمرسين دون الحد من إمكانياتها على المدى القصير. وتمتاز الإمكانات التي تتيحها تلك الواجهات بطابع التنوع، بدءاً من التكامل الفريد للمنتجات (مثل بيانات الأبحاث)، ومروراً بحلول العلامة البيضاء مع إمكانية دمج المنصات (مثل التداول والاستثمار)، ووصولاً إلى الاستعانة بالمصادر الخارجية لتوفير الكثير من الخدمات المتعلقة بالبنى التحتية والمنتجات والخدمات، وبالتالي إنشاء نماذج أعمال جديدة (حيث تضطلع واجهات برمجة التطبيقات المصرفية –على سبيل المثال – بمسؤولية الربط والإشراف والإدارة لخدمات الطرف الثالث).
ضرورة إحداث تغيير في أسلوب تفكير أعضاء مجلس الإدارة والمناصب الإدارية العليا.
ويتطلب إنجاز التحول الرقمي أيضاً الشعور بالارتياب تجاه عمليات التطوير الاستراتيجي الكلاسيكية، إذ ينبغي للاستراتيجيات المتبعة أن تكون قابلة للتكيف. وينبغي لمزودي الخدمات المالية أن يكونوا قادرين على التخلي عن أفكارهم القديمة المتعلقة ’بهوية الخدمة‘ دون أن ينقادوا إلى مشاعرهم، إلى جانب إعادة تعيين أنفسهم بشكل مستمر ضمن المنظومة المالية مستعينين بمختلف الوسائل المتاحة – مثل مسابقات الابتكار – كوسيلة لتعزيز ”الثقافة الرقمية”.
وقد شهدت حالة “انعدام اليقين الإداري”‘ زيادة ملحوظة بالتزامن مع إجراء عملية التحول الرقمي، إذ يتعين على كبار الموظفين الإقرار بعدم معرفتهم حول كل ما يجهلونه دون خجل. كما ينبغي أن ينصب تركيز أعضاء مجلس الإدارة والمناصب الإدارية العليا في الشركات على السعي نحو تحقيق القيمة المستقبلية، والسماح بإعداد نماذج للاستجابات الاستراتيجية.

اللعب بشكل جيد مشروط بالانفتاح
يتم تحديد قيمة عروض الشركات من خلال موقعها في المنظومة المالية. وسيكون الترتيب المتأخر أو التهميش مصير الكثير من مزودي الخدمات المصرفية في حال لم تكن بناهم التحتية منفتحة، ولم يبذلوا جهوداً حثيثة لتحقيق التواصل التقني وتوفير عروض مرنة.
ويستند مفهوم “اللعب بشكل جيد” إلى مدى الابتكار الذي ينطوي عليه ارتباط “تدفق القيمة” مع العالم الخارجي، وبما يماثل لعبة ’الليجو‘ – اللعبة العالمية الأكثر نجاحاً – حيث ينبغي تركيب جميع القطع مع بعضها بشكل صحيح.

بافل دراهوتسكي، رئيس منطقة أوروبا الوسطى والشرقية لدى ساكسو بنك*