البينغ بونغ وأزمة الخليج

ليلى حاطوم

في لعبة البينغ بونغ، أو كرة الطاولة/ تنس الطاولة، يقف لاعب (في الفردي) أو لاعبين إثنين (في الزوجي) من الفريقين كلٌ على جهة من الطاولة مقابِلة للخصم، ويتبادلان تِباعاً رمي كرةٍ صغيرةٍ بيضاء نحو الجزء المخصص لخصمهم، تفصل بينهما شبكةٌ رفيعةٌ تُمسِكُ بالطابة بين الفينة والأخرى ليخسر طرفٌ ما نقطته الثمينة.

منذ يومين، زار وزير خارجية أميركا، ريكس تيلرسون الدوحة، ووقع مع المسؤولين فيها مذكرة تفاهمٍ حول دعم محاربة الإرهاب ووقف تمويله، وأثنى على الموقف القطري لناحية الأزمة الخليجية. ومن ثم حمل وجهة النظر القطرية وسافر ليلتقي بوزراء خارجية الرباعية وممثليهم ليخرج بعدها وهو، بحسب أحد المراسلين، لم يكن مرتاحاً وفضّل عدم الرد على سؤاله، وليسافر بعدها إلى الدوحة، لربما حاملاً معه الرد من السعودية والإمارات والبحرين ومصر.

وقبله، قام مشكوراً أمير دولة الكويت، الشيخ صباح الصباح، بكل ما يملكه من خبرة عقود من التعاطي في الشأنين الإقليمي والدولي، في محاولة تمرير مساعيه الحميدة علّ وعسى هذا التجافي الخليجي أن يزول.

أمير الكويت، الشيخ صباح الصباح كان قد التقى بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في جدة ومن ثم نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، قبل ان يعرج على قطر لنقل الرسائل التي حملها في سعيه لتخفيف التوتر في الخليج.

وما بين الصباح وتيلرسون كان هناك رئيس فرنسا الشاب إيمانويل ماكرون ووزير خارجية بريطانيا بعمره الوسطي ”ما بين-بين“ ممن عرضوا مساعيهم الحميدة، ولغاية الآن لا جدوى.

الكل لديه مساعٍ حميدة والكل مهتم بـ ”إستقرار“ المنطقة الخليجية على حد قول تيلرسون نفسه في شهر يونيو، لكن هل الجميع جدّي في حل أساس هذه الأزمة.

تيلرسون ليس الكرة، ولا الشيخ صباح أو جونسون أو ماكرون هم كرات تتقاذفها دول المنطقة، لكن بالتأكيد أنّ من يريد حلّ الأزمة عليه البحث في جذورها، ومن كان سبب المشاكل فعليه أن يمد يده بالحل المناسب لأنه، وعلى قول نزار قبّاني، الشاعر السوري الأشهر، ”من أشعل النيران يطفيها.“

فإذا كان تمويل الإرهاب ودعمه هو الأساس، دعونا لا ننسى أن ثلاثة أرباع الحروب الطائفية والإرهاب في المنطقة ومشاكلها أتت بعد إجتياح العراق وسقوطه، وبعدما حشد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الإبن، ورئيس وزراء بريطانيا طوني بلير العالم لأجل هذه الحرب التي بُنيت على كذبة أسلحة الدمار الشامل والتي تدخل في مصاف الحروب الإستباقية وهذا النوع من الحروب مُحرّم دولياً (طبعاً لا أحد يقيم وزناً للقانون الدولي عند تجييش الشعوب وتصنيفهم في محاور شر وخير وتخوين من لا ينضم لواحد منها).

حرب العراق  هلّل لها من هلّل وحذّر منها من حذّر.

ولعلّ أهم تحذير أتى من نائب رئيس دولة الإمارات ورئيس وزرائها وحاكم إمارة دبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم.

لو كان صدّام حسين إستمع لنصيحة الشيخ محمد بن راشد وعمل بها “لكان جنّب المنطقة بأسرها هذه الفوضى والتراجيديا والتقهقر.”

فهو كان قد قال في تصريح خاص لمجلة نيوزويك الشرق الأوسط في أكتوبر ٢٠١٥ إنّه تنسم خطراً مُحيقاً في حال سقوط العراق. وهو كان قد حاول تحذير ونصح الرئيس العراقي الأسبق صدّام حسين شخصياً عام ٢٠٠٣ أنه في حالة حدوث حربٍ على العراق فإن المنطقة بكاملها ستغرق في الدماء.

”قبيل إجتياح العراق (٢٠٠٣)، نحن في الإمارات رأينا المنطقة تقف على حافة الكارثة،“ والتي لاحقاً أدّت كما قال لـ ”بداية التراجع العربي،“ بحسب الشيخ محمد.

ولو كان صدام سمع لنصيحة الشيخ محمد بن راشد ”لكان جنّب المنطقة بأسرها هذه الفوضى والتراجيديا والتقهقر الذي أتى“ بعد الحرب.

فمع سقوط العراق وانحلال الجيش العراقي، بدأ التراجع في المنطقة العربية مما سمح ”للأفكار المتطرفة والسياسات الخاطئة والمجموعات الطائفية والميليشيات المسلّحة“ بالصعود والسماح بتأسيس درب نحو الفوضى والإرهاب، على حد قول الشيخ محمد، الذي يشغل أيضاً منصب وزير الدفاع في دولته، وله باعٌ في المجال العسكري، فهو أحد الأشخاص الذين شهدوا فترة إحتلال بريطانيا للمنطقة وانسحابها.

حسناً، اليوم أميركا وبريطانيا مهتمتان باستقرار دول الخليج والمنطقة الخليجية. على الأقل هذا ما يقوله مسؤولوها علناً.

لكنّ هذه الأزمة لن تجد طريقها للحل ما دام طرفا النزاع الحالي مُصِرّان على مواقفهما.

فلا قطر تريد الخضوع لإرادة وشروط دول الرباعية الـ١٣، ولا دول الرباعية تريد التنازل أو الدخول في حوارٍ مع قطر قبل قيام هذه الأخيرة بتحقيق المطالب التي وضعتها هذه الدول ومن ضمنها وقف دعم وتمويل الإرهاب وإغلاق قناة الجزيرة أو لجمها بعيداً عمّا يقولون إنه بثٌ للفتن وإثارة الشقاق في المنطقة; هذا بالإضافة لطلبهم من الدوحة بطرد فلول الإخوان المسلمين ممن يتخذون من قطر مقراً لهم أمثال الشيخ يوسف القرضاوي، وهو أحد أعمدة هذه المنظمة المحظورة خليجياً والموضوعة على لائحة الإرهاب في الخليج منذ مطلع العام الماضي.

نعم يا سادة، الكرة ستذهب وتجيء طالما الإصرار مستمر، ولن يوقفها شيء إلا تنازل طرفٍ للآخر أو تدخل حَكَمٍ لوقف هذه المبارزة الأعنف في تاريخ الخليج منذ أكثر من ٢٠ عاماً.

فهل ستنجح الولايات المتحدة أو بريطانيا في لعب دور ذاك الحكم؟ أم ستكون هناك طابات أخرى بيضاء (لون السلام) على الطريق؟

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال القمة الخليجية-الأميركية في شهر مايو 2017. -رويترز