التحوّل الرقمي – القوة الدافعة للعجلة الاقتصادية

خاص – نيوزويك الشرق الأوسط

تشارلز يانغ

رئيس شركة هواوي في منطقة الشرق الأوسط

فيما تشهد مسيرة بناء الاقتصاد الرقمي المزيد من الحراك وتعطي آفاقاً جديدة لنمو الصناعات في مختلف القطاعات، تُواصل الدول المتطورة في مجال تقنية المعلومات والاتصالات ابتكار نماذج جديدة للأعمال بناء على آخر التطورات التقنية، لتحقق من خلالها مزيداً من أوجه التطور والازدهار لشعوبها. وبشكل عامّ، تُعد التنافسية في مجال تطبيق أحدث الابتكارات التقنية أحد المحاور الأساسية للمضي قدماً في خطوات المسار الصحيح لعملية النمو والتطور، وهذا الأمر ينطبق بشكل خاص على الدول المنتجة للبترول في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما في الوقت الراهن حيث تمر هذه البلدان بمنعطفات عملية التحول نحو الاقتصاد المُستدام المتنوع الموارد والمبني على المعرفة، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي لهذا العام أن معدل النمو الاقتصادي العالمي سيصل إلى 3.5%، بينما يقترب من 1.9% في الدول السبع المصدرة للبترول في المنطقة.

وفي هذا الإطار، تلوح في الأفق فرصٌ مجزية، لاسيما مع إبداء بعض الدول الاقتصادية الكبرى المزيد من الاهتمام باستثمارات البنى التحتية الداعمة لتقنية المعلومات والاتصالات لما تلعبه من دورٍ فاعلٍ في رفع مستوى نمو سائر الصناعات والقطاعات، وبالتالي زيادة إجمالي الناتج المحلي. وتُسجل الدول التي أحرزت خطوات متقدمة على صعيد بناء الاقتصادات الرقمية الأكثر تطوراً، النمو الأسرع في العالم بناء على الاستثمارات الضخمة التي ترصدها لدعم قطاع تقنية المعلومات والاتصالات.

ويرى خبراء الاقتصاد أن الدول التي ستنجح في زيادة استثماراتها في البنى التحتية لتقنية المعلومات والاتصالات بنسبة 10 في المئة ما بين العام 2017 وحتى العام 2025، ستتمكن من حصد مزايا مضاعفة لذلك، وأن كل زيادة بنسبة 1 دولار أمريكي في استثمارات البنى التحتية لتقنية المعلومات والاتصالات يقابلها زيادة في عائدات الاستثمار الحالية بنسبة 3 دولار من إجمالي الناتج المحلي. ومن المتوقع أن تزداد عائدات الاستثمارات في العام 2020 لتصل إلى 3.70 دولار مقابل كل دولار مُستَثمَر، لتقفز النسبة في العام 2025 إلى 5 دولار.

وتشير التوقعات على الصعيد العالمي إلى أن زيادة الاستثمارات السنويّة في البنى التحتية لتقنية المعلومات بنسبة 10 في المئة ستُسهم بحلول العام 2025 في زيادة إجمالي الناتج المحلي للاقتصاد العالمي بمقدار 17.6 تريليون دولار. وبمقارنة هذه الزيادة مع النتائج التي تم تحقيقها على أرض الواقع، نجد أنها تعادل إجمالي الناتج المحلي الذي حققه الاتّحاد الأوروبي في العام 2016، علماً بأننا لم نأخذ بعين الاعتبار الفوائد والمزايا التي تعود بها هذه الزيادة على مسيرة التنمية الاجتماعية.

مؤشر الاتصالات العالمي”  (GCI) منهواوي

تستند الأرقام آنفة الذكر إلى الدراسة الشاملة التي أجرتها “هواوي” على مدار السنوات الأربع الماضية بعنوان “مؤشر الاتصالات العالمي” GCI Global Connectivity Index، وهي دراسة موسعة تقوم بها الشركة للوقوف عند تجارب الدول في ما يختص ببناء البنية التحتية لقطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، اضافة إلى الأشواط التي تم قطعها على طريق التحول نحو الرقمية. وشملت خلال السنة الماضية 50 دولة في أنحاء العالم المختلفة، وتُشكّل مجملها 90 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي، فيما يصل تعدادها السكاني إلى 78 في المئة من التعداد السكاني العالمي. وتعتمد الدراسة على خمسة محاور أو مقاييس تُعتبر من أهم العوامل المؤثرة في مجال صناعة تقنية المعلومات والاتصالات، وتتمثل في شبكات الاتصالات ذات النطاق العريض، ومراكز البيانات، والخدمات السحابية، والبيانات الضخمة، و”إنترنت الأشياء”.

وكانت “هواوي” قد كشفت النقاب مؤخراً عن نتائج “مؤشر الاتصالات العالمي” للعام 2017 على هامش مشاركتها في “قمة سامينا لقادة قطاع الاتصالات”، مسلطة الضوء على نتائج الدول الشرق أوسطية المشمولة في المؤشر، الذي يظهر أن من أصل 50 دولة خاضعة للدراسة هناك 16 دولة من الدول “السبّاقة” في مجال التقنيات والتي يصل إجمالي الناتج المحلي فيها لكل فرد إلى 50,000 دولار، و21 دولة من الدول “الداعمة” للتقنيات والتي يصل إجمالي الناتج المحلي فيها لكل فرد إلى 15,000 دولار. أما الدول المتبقية ويبلغ عددها 13، فتعد من الدول “المبتدئة” في هذا المجال ويصل إجمالي الناتج المحلي فيها لكل فرد إلى 3,000 دولار.

وبتحليل هذه النتائج على أرض الواقع، نجد أن الدول “السبّاقة” تتألف في معظمها من الدول ذات الاقتصاديات المتطورة التي تسعى باستمرار إلى دعم البنية التحتية للاتصالات وتقنية المعلومات والتجربة الرقمية للمستخدم بالاعتماد على البيانات الضخمة وتقنية “إنترنت الأشياء” بهدف توفير مجتمعات أكثر ذكاءً وكفاءة. أما الدول “الداعمة” فتركز على زيادة الطلب على تقنية المعلومات والاتصالات بهدف تسهيل عملية الرقمنة والتنمية الاقتصادية. وتعمل الدول “المبتدئة” على توفير الركائز الأساسية للبنى التحتية الداعمة لتقنية المعلومات والاتصالات، وتسعى إلى تزويد المزيد من حلول وخدمات تقنية المعلومات والاتصالات بهدف منح الأفراد إمكانية الوصول إلى العالم الرقمي.

مكانة دول مجلس التعاون الخليجي  

بالحديث عن الاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط، نجد أن هناك ثلاث دول من هذه المنطقة تقع ضمن مجموعة الدول “الداعمة” للتقنيات على “مؤشر الاتصالات العالمي” للعام 2017. وتسعى هذه الدول الثلاث إلى دعم البنى التحتية لتقنية المعلومات والاتصالات ورفد عملية التحول نحو الرقمنة بكافّة المستلزمات التقنية المبتكرة. وتأتي دولة الإمارات العربية المتّحدة في المرتبة 18 عالمياً، بينما تحل قطر في المرتبة 22، تليها المملكة العربية السعودية في المرتبة 29.

وتدرك جميع هذه الدول أنها تحتاج في بداية مسيرة التحوّل الرقمي للحفاظ على مستوى عالٍ من التنافسية من خلال منح الأولوية الكبرى إلى تنمية البنى التحتية لقطاع تقنية المعلومات والاتصالات والتركيز على شبكات الاتصالات ذات النطاق العريض والحوسبة السحابية بهدف تحقيق التنمية المستدامة.

ولاشك أن البنى التحتية لتقنية المعلومات والاتصالات تساهم بالنسبة الأعلى من إجمالي الناتج المحلي في الدول “الداعمة” للتقنيات. وقد سجلت دول مجلس التعاون الخليجي تطوراً متسارعاً وديناميكياً على مر السنوات الماضية. كما ارتفع إجمالي عدد النقاط التي سجلتها الإمارات العربية المتحدة وقطر والسعودية في “مؤشر الاتصالات العالمي” خلال السنة الماضية نتيجة لطرح العديد من المبادرات الوطنية في مجال تقنية المعلومات والاتصالات.

وأفادت الدراسة أن على دول مجلس التعاون الخليجي بصفتها من الدول “الداعمة” للتقنيات تخصيص مزيد من الاستثمارات في الأوجه الصحيحة والأكثر أولوية لتعزيز البنى التحتية الخاصة بشبكات الاتصالات ذات النطاق العريض. كما يجب على واضعي السياسات في هذه الدول التعامل بعناية مع المزايا التي يمكن الحصول عليها جراء الاعتماد على التقنيات الحديثة كنظام الحوسبة السحابية. فمن خلال التقنيات السحابية ستحظى هذه الدول بفرصة توفير إمكانيات البيانات الضخمة و”إنترنت الأشياء” والمنافع والمزايا الناجمة عنهما لقطاع الأعمال والأفراد على حد سواء. كما ستتيح المزايا الإيجابية المضاعفة للتقنيات السحابية الفرصة أمام الشركات والمجتمعات بأسرها للمضي قدماً في مسيرة الابتكار والتحوّل إلى الاقتصاد القائم على المعرفة.

ستتمكن الإمارات العربية المتّحدة وقطر والسعودية الواقعة ضمن تصنيف متقدم  للدول “الداعمة” للتقنيات على المؤشر، من المضي قُدماً ومنافسة الدول “السبّاقة” في معدلات الاعتماد على التقنيات السحابية عندما تصل نسبة الاشتراكات في شبكات الاتصالات الثابتة ذات النطاق العريض إلى 35 في المئة، ويتم نشر شبكة الجيل الرابع بنسبة 70 في المئة.

ونؤكد هنا على أن التقنيات السحابية تُشكّل ركيزة أساسية لبلوغ التحوّل الرقمي. وعلى الرغم من أن الخدمات السحابية تتطلب مستويات أقل من الاستثمارات، إلا أنها توفر مزايا أكثر تنوعاً وأماناً ويمكن الوصول إليها من دون الحاجة إلى تأسيس مركز بيانات محلي، إذ يمكن الاستفادة من البرمجيات والخدمات على أساس الدفع بحسب الاستخدام. ولاشك أن توظيف الخدمات السحابية سيمنح الدول “الداعمة” للتقنيات مثل دول مجلس التعاون الخليجي فرصة إجراء التحوّل في اقتصادها من خلال منحها وسائل الابتكار وتطوير نماذج جديدة للعمل وطرح منتجات وخدمات ذات مستويات راقية في الأسواق العالمية.

الخطوات المقبلة

ربما يتسائل البعض ما هي أدوات التخطيط المطلوبة للمضي قدماً في مسيرة التحوّل الرقمي؟ يجب على صانعي السياسات أولاً وقبل كل شيء تركيز نطاق اهتمامهم على سياسات تقنية المعلومات والاتصالات بوصفها جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية التنمية الاقتصادية في البلاد بهدف دعم وتحفيز مسيرة التحوّل الرقمي.

ويمكننا أن نشرح ذلك بأن شبكات الاتصالات ذات النطاق العريض لا تُستخدم فقط بهدف تسريع الوصول إلى شبكة الإنترنت، بل يتمثل دورها الرئيسي في تمكين الخدمات السحابية والبرمجيات التي تتطلب النظام السحابي، لاسيما البيانات الضخمة وتقنية “إنترنت الأشياء”. ويمكن تحقيق هذا من خلال إبرام علاقات شراكة مع القطاعين العامّ والخاصّ بهدف وضع الخطط طويلة الأجل وكذلك الجمع بين مبادرات تقنية المعلومات والاتصالات والأعمال المدنية الجديدة مثل نشر شبكات الاتصالات ذات النطاق العريض عبر شبكات تزويد الكهرباء.

وترى الشركات بأنه يجب على واضعي السياسات تصميم سياسات تناسب القطاع وتساعد على دعم مسيرة التحوّل الرقمي. فقد نجحت الدول التي طورت البنى التحتية لتقنية المعلومات والاتصالات من التحوّل من شركات مُصنعة ذات قيمة منخفضة إلى شركات مزودة لخدمات المعلومات بقيمة أعلى.

ومن وجهة نظر الأفراد في المجتمع، ينبغي على صانعي السياسات التعاون مع الهيئات التعليمية والوزارات ودوائر العمل ومزودي التقنيات بما يضمن تعليم مهارات وإمكانيات الخدمات الرقمية ونشرها والاستفادة منها على أفضل وجه في دول العالم المختلفة. ويتضمن ذلك محو الأمية الرقمية في المدارس والجامعات وإطلاق المبادرات الداعمة لمهارات القوى العاملة، وتشجيع المواهب المحلية، وتوفير فرص العمل المناسبة.

وحالما تتمكن الدول من إيجاد التوازن بين دعم القطاعات المختلفة والشركات والأفراد نحو مسيرة التحوّل الرقمي بالاعتماد على تقنية المعلومات والاتصالات، ستتمكن حينها من توفير القوى الفعلية المحركة لتنمية إجمالي ناتجها المحلي بواسطة الاقتصاد الرقمي.