التغير المناخي والاستقرار الاقتصادي

');

بقلم جورج برباري

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

يسعى الرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون إلى إقناع نظيره الأمريكي دونالد ترمب بالعدول عن قراره بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقية باريس للمناخ، والتي وقعتها 195 دولة في ديسمبر 2015 لبذل جهود جماعية بهدف مكافحة الاحتباس الحراري على مستوى العالم.

كما دعا ماكرون منذ استلامه منصبه المهتمين بالحفاظ على البيئة في الولايات المتحدة من قادة وعلماء وأكاديميين إلى مواصلة أعمالهم في فرنسا، لكن ما زال الوقت مبكراً للحكم على مدى نجاحه في تحقيق هذا المسعى.

وعلى أي حال لا يمكن للمستقبل أن يغيّر الماضي للأسف، فقد اتخذ الرئيس ترمب قراره بانسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس، مع تأكيد عزمه على إنعاش قطاعي الفحم والوقود الأحفوري الأمريكيين. وفي ظل هذا القرار الجدلي الذي يناقض تماماً ما بذله الرئيس أوباما من جهود في إنجاح اتفاقية باريس، فقد عمد قادة كبرى الاقتصادات العالمية إلى تأكيد التزامهم مجدداً بتنمية مجالات الطاقة النظيفة ومكافحة التغيّر المناخي عقب قمة الـ20 المنعقدة مؤخراً في 7 يوليو.

ورغم أن العشرات من أعضاء الكونغرس الأمريكي وقادة القطاع الخاص والمدافعين عن القضايا البيئية من المشاهير والنشطاء البيئيين قد أعربوا عن معارضتهم لقرار الرئيس ترمب ليؤكّدوا عزمهم على الاستثمار في سياسات وتقنيات من شأنها مكافحة الاحتباس الحرارى، غير أنني أرى بأن مواضيع البيئة والطاقة يجب أن تبقى مفصولة عن السياسة.

فكما هو واضح من استجابة القطاعين العام والخاص لقرار ترمب، فإن هذه الشؤون الهامة والحسّاسة لا يمكن تركها بين يدي شخص واحد، ولاسيما إن كانت آثار القرارات قصيرة الأمد لهذا الشخص تقوم على مراكمة الرصيد السياسي الفوري بدلاً من التركيز على السياسات التقدمية بعيدة الأمد.

وقد دافع ترمب عن قراره هذا متذرعاً بخطته الهادفة إلى تعزيز الاقتصاد الأمريكي وتوفير مزيد من فرص العمل، ولكن تجدر الإشارة هنا إلى أن الدولة الأكثر إصداراً للانبعاثات الكربونية في العالم هي الصين وليست الولايات المتحدة.

إن سياسة ترمب تُجاه المناخ تجري بعكس اتجاه سفن العالم كله.

واللافت أن الصين قد انتزعت من الولايات المتحدة الأمريكية لقب المستثمر العالمي الأكبر في حلول التكنولوجيا الخضراء (وهو ما يعزى بالدرجة الأولى إلى انعدام أي خيار آخر)، غير أن اتفاقية باريس تسمح للصين بأن تفعل ما تريد حتى 2030، أي أن العملاق الصيني بإمكانه الوصول إلى ذروة انبعاثاته الكربونية على مدى السنوات الـ13 القادمة.

وفي الوقت الراهن تشهد الولايات المتحدة والصين وغيرها من بقاع العالم نمواً في قطاع الطاقة المتجددة، وهو أمرٌ يتعدى كونه مجرد توجهاً مؤقتاً، حيث سيكتسب مزيداً من الأهمية مع مرور الوقت، لنشهد عاماً بعد عام زيادةً في عدد العاملين ضمن قطاع الطاقة المتجددة والاستدامة الأمريكي بالرغم من الأعداد الهائلة للموظفين في قطاع الوقود الأحفوري التقليدي، وذلك مع انعدام أي بوادر تشير إلى انعكاس هذا التوجّه.

ولهذا فقرار ترمب بالانسحاب من اتفاقية باريس (وهو قرار سلبي من الناحية الشكلية) لن يكون له تأثير هام على التغيّر المناخي العالمي، إذ يحرص الكثير من المواطنين وحكام الولايات ومحافظي المدن والمسؤولين التنفيذيين الأمريكيين على الانخراط في كافة الجهود الهادفة لتوسيع نطاق انتشار الحلول والممارسات الخضراء في الحياة اليومية والعمليات المؤسسية. وبعبارة أخرى، سيكون لهذه التغيرات أثر إيجابي ملموس على البيئة، وما زالت الولايات المتحدة تسير في الوجهة الصحيحة على المدى الطويل، ولن ينجح قرار سياسي ناجم عن رؤية ترمب المحدودة في الحد من هذا الزخم حتى لو بدا الأمر معاكساً لذلك.

وبما أن أسعار الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أصبحت تعادل أسعار طاقة الوقود الأحفوري أو تقلّ عنها في دول مختلفة من العالم، فإنّ مسؤولية أخذ الاستدامة التي تتيحها طاقة الرياح في عين الاعتبار تقع على عاتق أصحاب القرار الأمريكيين، نظراً لما تتيحه من منافع اقتصادية على المدى الطويل.

وإذا ما نظرنا إلى خارطة انبعاثات الغازات الدفيئة خلال فترات تولي الرؤساء الثلاثة السابقين للولايات المتحدة، نرى بأنه تم تسجيل زيادة بنسبة 13.1%  لتلك الانبعاثات خلال عهد الرئيس السابق كلينتون ونائبه آل جور، ومن ثم انخفضت بشكل طفيف في عهد بوش الإبن بنحو 0.3%، ولتسجل بعد ذلك انخفاضاً ملموساً بمقدار 7.2% خلال الولاية الأولى لأوباما في 2013.

أمّا التحديث الأخير من عهد أوباما فقد أشار إلى انخفاض هذه الانبعاثات بمقدار 5.5% في العام 2014 بالمقارنة مع أرقام العام 2008 (الولاية الأولى).

ويتمثل العائق الأكبر لبلوغ عالمٍ أكثر التزاماً بالمعايير البيئية في تخفيض أسعار الطاقة، وذلك لأننا ما زلنا نعتمد إلى حد كبير على الوقود الأحفوري المتوفر بكثرة، وبالتالي فإن إتاحته بأسعار منخفضة تعني مواصلة حرقه بالأساليب التقليدية، ما يؤثر سلباً على كوكبنا بكل تأكيد.

بالتالي فإن اتخاذ القرارات المتعلّقة بشؤون الطاقة يجب أن يبقى حكراً على الخبراء والمحنّكين في هذا المجال، وذلك نظراً للتعقيدات المرتبطة بعمليات إنتاج واستخدام الطاقة.

يجب أن تكون هناك خطة رسمية لتحديد معايير ميزانيات الطاقة الخاصة التي ينبغي أن يلتزم بها كل بلد ومدينة وبلدة ومصنع، وهي ميزانيات لا تقوم على قرارات السياسيين، وإنما على قرارات “حكّام الطاقة” الذين يتم انتخابهم بشكلٍ مستقل، ويزاولون أدوارهم على نحو شبيه بـحكّام البنوك المركزية، حيث تتبع لهم منظومة كاملة لشؤون الطاقة تشمل كل منزل ومبنى تجاري ومصنع وهيئة مواصلات وغيرها من المؤسسات في البلاد.

كما ينبغي اعتماد نظام خاصّ لتقدير الجهود الإيجابية لتحقيق هذه الخطوة، عبر خفض الأسعار للمستخدمين والمنتجين الذين يحققون كفاءة عالية، وذلك مع معاقبة ذوي الكفاءة المنخفضة بالمقابل. ولن يعود هذا النظام بالإيرادات على الاقتصاد الوطني ما لم يتم تقاضي الضرائب عنه، غير أنه سيفيد السكان بشكل عام من خلال استخدام الغرامات في عملية التمويل الذاتي لهذه الآلية ضمن المصانع والمباني على مستوى كل مدينة أو منطقة، فضلاً عن توظيف هذا المال في إجراء الأبحاث حول استخدامات الطاقة المتجددة والهيدروجين والوقود الحيوي.

ولا يخفى على أحد بأن عمليات تبريد المناطق والتوليد الثلاثي للطاقة والطاقة المتجددة وتخزين الطاقة الحرارية للماء الدافئ أو البارد هي الحلول الثلاثة الأكثر جدوى اقتصادياً وبيئياً، والأهم من ذلك أنّها لا تتطلب تمويلاً حكومياً، ولكن لا شك بأن استفادة حكومة ترمب وبقية حكومات العالم من هذه الإمكانية تبقى أفضل من عدم الاستفادة منها.


 جورج برباري هو الرئيس التنفيذي لشركة دي سي برو للهندسة، ومؤلف كتابميزانية الطاقة، وأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في مجال الاستدامة على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة.

Facebook Comments

Post a comment