التنمية المدنية وتحقيق المساواة في المدن

ڤافا ڤالابور و أوبريلين  ريدر

United World Infrastructure

تتوقع الأمم المتحدة أن يعيش ثلثا سكان الأرض في المدن بحلول العام 2050، بزيادة تقدّر بـ 2.4 مليار فرد، ويعزى ما يقارب نصفها للهجرة القروية، إذ أن المُدُن تَعِدُ بمستقبل أفضل من خلال مستويات الدخل المرتفعة وتقديم نوعية أفضل من التعليم والرعاية الصحية. كما تُوفّر المدن فرصاً تُسهّل الارتقاء في المجتمع من خلال سهولة الوصول للأسواق والتدريب الرسمي وغير الرسمي وشبكات التوظيف. ومن أبرز الأمثلة على هذا الموضوع، الصين بين عامي ١٩٨٠ و ٢٠١٣، عندما ارتفعت نسبة التمدن من 18 بالمئة إلى 53 بالمئة مع انخفاض كبير في نسبة الفقر من 84 بالمئة إلى 10 بالمئة لنفس الفترة الزمنية.

ومع ذلك فإن فوائد التمدّن لا تنعكس بشكل عادل على كافة أفراد المجتمع في أغلب الأحيان، ولا تصل بكفاءة لكل من يبحث عنها، فبالرغم من أن المدن توفر الفرص للكثيرين، لكن يتوجب على فقرائها تخطي تحديات أكبر بشكلٍ يخلو من المساواة مع ذوي الدخل المرتفع.

إن عدم المساواة في المجتمع، وما ترسخه من حالة الفقر، تظهر جليةً في مناطق السكن العشوائي والأحياء الفقيرة على أطراف المدن المزدهرة.

وفي حين يعيش أكثر من 881 مليون شخص في مناطق السكن العشوائي حول العالم، إلا أنه يجدر التنويه أنه غالباً ما يلجأ سكان العشوائيات لهذا الحل حتى يكونوا على مسافة أقرب من الفرص التي توفرها المدن.

وعلى غرار منطقة العشوائيات في ريو دي جانيرو والتي يطلق عليها اسم فافيلاس، هذه المناطق تشكّل في معظم الأحيان شبكةً للمهاجرين الواصلين حديثاً للتعرف على فرص العمل وتأسيس أنفسهم كجزء من المجتمع. وعلى مر العصور والأجيال، تتاح الفرص للسكان للانتقال إلى التجمعات السكنية وفرص العمل الأكثر تنظيماً، لكن ذلك لا ينطبق على جميع الحالات.

هذا التمييز يفاقم المعاناة لدى الأسر ذات الدخل المنخفض، سواء كانوا يعيشون في العشوائيات أو في التجمعات السكانية الفقيرة، إذ غالباً ما يتم حرمان الفقراء من سكان المدينة من البنى التحتية اللائقة والخدمات البلدية والحدائق ونظم النقل الجماعي المريحة وفرص التعليم والخبرات الفنية والثقافية والوظائف المستقرة، وغيرها من العوامل التي تجرّهم للمزيد من الفقر والتضييق على فرص النمو.

وعند تطبيق الحل التقليدي بتوفير نظم نقل جماعي مناسبة، غالباً ما يتم إغفال الأطراف الأكثر حاجةً لهذه الحلول، وهي العائلات الفقيرة التي لا تمتلك سيارات خاصة. ومن أهم احتياجات هذه المجتمعات هو خطة رئيسية متعددة الاستخدامات، تضم حلولاً لأماكن العمل والتسوق والرعاية الصحية والتعليم. كما وأن مفتاح الحل يتمثل في دعم تنمية المدن بطريقة تتيح المساواة بين أبناء الجيل الواحد من خلال القضاء على انعدام الكفاءة المدنية التي توقع العائلات في دوامة الفقر.

نساء يجلبن الماء من نهر قريب من قريتهن في كينيا. – TRF/Wesley Langat

ومن ابرز الأمثلة على ذلك، مدينة ميديلين في كولومبيا التي نجح مسؤولوها على مدى ال٢٥ سنة الماضية من النجاح في تطبيق مبادرات للبنى التحتية والتي تعرف باسم التمدّن الاجتماعي، وهو ما قدّم فوائد جمّة لتجمعات السكن العشوائي مثل تطوير الخدمات البلدية وتعزيز الثقافة الاجتماعية والفنية وتوفير نظام نقل بالتلفريك يربط السكان في مناطق السكن العشوائي بالوظائف في مركز المدينة.

هذه التجمعات السكانية تُثري المدينة بعددٍ كبيرٍ من القوى العاملة، وتمثل عنصراً هاماً للاقتصاد المدني، وتطوير هذه المجتمعات الشعبية وحمايتها من خلال مثل هذا النوع من التحسينات على المدى الطويل، وهو أكثر فائدة من هدم هذه التجمعات واستبدالها.

وعلى الرغم من أن إنشاء مجتمعات شاملة تسهّل الوصول إلى فرص العمل والترقي الاجتماعي هو مسؤولية الحكومات، لكن مشاركة القطاع الخاص أمرٌ هام أيضاً، حيث يمكن للمستثمرين الالتزام بتمويل وتخطيط وإدارة المدن بطريقة توفر الربح المادي لهم وبنفس الوقت الفائدة الاجتماعية للمجتمع ككل، فالعديد من مشاريع البنى التحتية في ميديلين تم تمويلها من قبل الشراكات مع القطاع الخاص.

ومن الأساليب التي تجذب شركاء القطاع الخاص، تطبيق أطر العمل التي تدعم الحوافز الملموسة وغير الملموسة. ففي فانكوفر – كندا، إحدى أغلى مدن العالم، اقتضت الحاجة لتوفير سكن بسعر مقبول إلى البحث عن حلول مبتكرة، فقد تم تحفيز المطورين من القطاع الخاص لبناء وحدات سكنية ذات أسعار متاحة وحدائق ومساحات لعب من خلال تزويدهم بحقوق تأسيس مجمعات سكانية شاهقة وذات كثافة عالية من السكان.

وتبرز نتائج مبهرة عندما يتم خفض مستويات الفصل السكاني أو الحد منها نهائياً، على غرار ما تم في فانكوفر وميديلين. فقد كشفت دراسة أمريكية إلى تحسّن التحصيل العلمي لدى الأطفال بعمر أقل من ١٣ سنة ممن ينتقلون من مكان ذو مستويات عالية من الفقر إلى أحياء أقل فقراً من خلال القسائم الحكومية، وبالتالي تزداد فرص حصولهم  لاحقاً على دخل سنوي أعلى عند تخرجهم بنسبة زيادة في دخلهم تصل حتى ٣١ بالمئة مقارنةً بالذين بقوا في مجتمعاتهم الفقيرة. هذه المنافع الاقتصادية العامة أكثر فائدة للحكومة بالمقارنة مع تكلفة نقل هذه التجمعات السكنية.

في الواقع إن النتائج الإيجابية يمكن تحقيقها لأطفال العائلات ذات الدخل المرتفع أو المنخفض عندما يعيشون في أحياء ذات تنوع اقتصادي، ففي العام ٢٠٠٩, وبعد دراسة ٣٨ ألف طالب، خلص ريتشارد كاربينو، العالم الاجتماعي في جامعة بريتيش كولومبيا إلى أن الأطفال الذين أجريت الدراسة عليهم في المدن الكندية حصلوا على نتائج دراسية أعلى عندما كانت أحياؤهم تتضمن تساوياً في العائلات ذات الدخل المنخفض والمرتفع.

وبشكل تقليدي، يساعد التمدّن على تمهيد الطريق للعديد من الفرص. بالمقابل فإن زيادة معدلات عدم المساواة تهدد بتدمير الأثر الإيجابي التي تساهم به المدن تجاه البلد والعالم ككل. ومن خلال التوازن المدروس للتعاون والجهود المشتركة بين القطاعين العام والخاص، يمكن للتنمية المدنية المساعدة في جعل المدن أكثر مساواة في القرن الحادي والعشرين، مع تعزيز القدرة على احتواء الانفجار السكاني المتوقع في المدن خلال السنوات الخمس والثلاثين القادمة.

Facebook Comments

Post a comment