الحق في الحصول على غذاء

سامي يوسف

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

منذ أن تم تبني برنامج الأغذية العالمي في العام 2015 بهدف القضاء التامّ على الجوع بحلول العام 2030، ونحن نقترب كل يوم من هذا الهدف.

يحصل أكثر من 80 مليون شخص في حاجة إلى الغذاء في جميع أنحاء العالم من خلال عمل برنامج الأغذية العالمي على الطعام كل يوم.

ولكن لا يزال هناك 815 مليون شخص ينامون كل ليلة جائعين بشكل مأساوي.

ويعاني المزيد من الأشخاص من بعض أشكال سوء التغذية، حيث تجعل الظروف الكارثية في مناطق الحرب من حصول الأشخاص الأبرياء على ما يحتاجونه من طعام للبقاء على قيد الحياة أمراً شبه مستحيل.

وتحتاج مواجهة تحدي تحقيق عالم خالٍ تماماً من الجوع إلى جهود ضخمة.

الموسيقى والعمل الإنساني

أنا موسيقيّ؛ عملي هو خلق الانسجام أو التوازن، من خلال الصوت.

إن رسالة الحب والسلام التي حاولت إيصالها في موسيقاي تردّد صداها في تطلعات الملايين في جميع أنحاء العالم.

إن الانضمام إلى برنامج الأغذية العالمي كسفير النوايا الحسنة أتاح لي الفرصة لتوسيع رسالة هذا البرنامج  التي يقصد بها تغيير العالم.

وأنا ملتزم باستخدام صوتي لتشجيع الآخرين ليتخذوا إجراءً لتغيير الوضع المأساوي الراهن لأشقائنا وشقيقاتنا الأكثر ضعفاً.

وراء المفاهيم والأسباب والأرقام، نجد أشخاصاً من الأمهات، والأطفال، والأجداد كلٌّ لديه قصته الخاصّة، وحاجته المُلّحة.

وحسبما أرى الأمر، فنحن نعيش في عالم غير متوازن، وهذا هو أحد الأسباب الجذرية لمشكلة الجوع. إن التوازن بين البشر والعالم الطبيعي قد تعطل.

سامي يوسف في مخيم الزعتري للاجئين السوريين في الأردن.

Photo: WFP/Dina El Kassaby

لقد فقدنا مركز تركيزنا ورأينا النتيجة؛ من جوع، وفقر، وظلم، وكوارث بيئية، وحرب هذه كلها خيوط من نسيج مخيف أصبح مألوفاً للغاية.

إن العيش في توازن هو التعرف على شبكة الحياة الجميلة المترابطة التي تحيط بنا وتدعمنا.

لقد كان الحفاظ على هذا التوازن دائماً جزءاً من تعاليم القادة الروحيين والحكمة التقليدية. الآن، يكشف عالم العلم يومياً تفاصيل تبيّن كيف أن جميع عناصر الحياة على الأرض متداخلة ومترابطة.

إن العيش في توازن هو العثور على مركز تركيزنا، أين هي نقاط ضعفنا، والعمل بدايةً من هذا المكان.

إختلافٌ وتلاقي

لكننا نعيش في عالم من التفاوتات؛ حيث يوجد الآن الكثير من التفاوت بين الثراء والفقر في معظم البلدان أكثر من أي وقتٍ مضى في تاريخ البشرية، وأصبحت النزعة الاستهلاكية، بكل آثارها الضارّة نوعاً من الديانة العالميّة.

كما أننا نجد أولئك الذين يسعون لحماية البيئة، ويناضلون ضد الاقتصادات المستنفدة التي تخلف الدمار بعدها، ونجد اصطدام الأصولية مع العدمية الحديثة.

والنتيجة، أن نسبة كبيرة من سكان العالم يعانون من الجوع وسوء التغذية؛ إذ أُجبرت العائلات على الفرار من الحرب، وماتت الثقافات التي كانت متأصلة بسبب تغير المناخ.

ونشهد المظهر الخارجي للدمار الداخلي للتوازن الذي كان يميّز حياة معظم الناس قبل العصر الحديث.

كلنا نرى أن الكثير من الإنسانية قد قطعت من توازن الطبيعة وإيقاعاتها، وتحولت النظرة السائدة للعالم إلى نظرة متطرفة ترى العالم الطبيعي باعتباره عالماً لا كيان له، وباعتباره مصدراً لا ينتهي أبداً للسلع التي لا حياة فيها، وباعتباره يُستخدم فقط من أجل الربح والقوة. ومن المأساة التي يعجز عنها الوصف أنّ الأشخاص الذين يعيشون في ظروف صعبة يُنظر إليهم على أنهم سلع أو عقبات!.

يستخفّ الذين يسعون إلى السيطرة الحصرية على وفرة الأرض بحياة أولئك الأشخاص، ولكن قوتهم سريعة الزوال في أحسن الأحوال، لأن أفعالهم تهدد بتدمير أسس حياتنا على الأرض. كان لدى قبيلة كري الأمريكية الأصلية مقولة، قيلت عندما رأوا معاملة المستوطنين الأوروبيين للأرض:”فقط عندما تُقطع آخر شجرة، ويُسمم آخر جدول ماء، وتُصطاد آخر سمكة، سيدركون أنهم لا يستطيعون أكل المال”.

تفكك المجتمعات

أدى تحول السكان من المناطق الريفية إلى المناطق الحضرية في القرون الأخيرة إلى تفكك نسيج المجتمع.

فعندما يُفقد التوازن الاجتماعي، يذهب الشباب إلى أبعد الحدود، ويصبحون قلقين أو عنيفين. لا يوجد من هم أكبر سناً ليتعلموا منهم؛ فالكبار الموجودون في حياتهم حائرون، ويبدو المستقبل بالنسبة لهم قاتماً، ويتحول الكثيرون إلى الإيديولوجيات المدمرة بحثاً عن الهويّة أو المعنى.

لكني أعلم أن بإمكاننا تغيير المسار.

Photo: WFP/Dina El Kassaby

ففي الواقع، لقد بدأ هذا التغيير بالفعل، حتى في وسط الأزمة الحالية؛ إذ ثمّة ظهور بوادر تبعث على الأمل، وأعتقد أنه يمكننا استعادة التوازن الذي نحتاجه لضمان مستقبلٍ يتمتع بوفرة للجميع، كما أعتقد أن ذلك يكون من خلال التعلم من ماضينا، واستخدام كل التكنولوجيا المتاحة لنا، فيكون بإمكاننا إنشاء نظام أخلاقي قيّم جديد، نظام عالميّ النطاق.

نحن نحرز تقدماً، لكن لا يزال هناك معايير يجب تغييرها.

لقد أصبح من الطبيعي رؤية الموارد مكنوزة لمصلحة قلة قليلة. لقد أصبح من الطبيعي قياس النجاح على أساس تراكم الثروة المفرطة، دون الاكتراث إن  كانت هذه الثروة قد تكوّنت على حساب الآخرين.

وقد أصبح من الطبيعي تشويه صورة مجموعات من الناس الذين يُنظر إليهم على أنهم “الآخرون”.

هناك أمل

ولكن هذه التوجهات المدمّرة يمكن أن تتغير. أرى الخير في الناس في جميع أنحاء العالم وأعلم أنهم يتمنون عالماً أفضل.

يمكن أن تصبح الرحمة والكرم والمشاركة هي المعايير السائدة، ويريد الناس أن تصبح هذه المفاهيم هي المعايير السائدة، وعمل برنامج الأغذية العالمي هو إعادة تشكيل الأفكار حول ما هو طبيعي.

لذا، فإنه لشرف لي أن ألعب دوراً صغيراً في عمل برنامج الأغذية العالمي، لأني أعرف أن الناس في برنامج الأغذية العالمي، مثلي، يسعون إلى الانسجام والتوازن؛ حيث يمكن تحقيق عالم خالٍ تماماً من الجوع، وحيث يمكن أن يصبح الكرم والحب لإخواننا وأخواتنا هما المعيار السائد في عالمنا الذي يمضي قدماً.

وكما قال الشاعر الفارسي جلال الدين الروميّ:

نحن أوتار القيثارة؛

وأجزاء منها، فلنغنِّ بصوتٍ عالٍ!

Facebook Comments

Leave a Reply