الدراما التركيّة والمجتمعات العربية

أمل الحارثي

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

بدأت موجة المسلسلات التركيّة بالانتشار ــفي العام 2007 تقريبًاـ وتميّزت بطول حلقاتها، وبالإفراط في الرومانسيّة إلى حدّ الغرق أحيانًا، وبأبطالٍ وسيمين وبطلات جميلات، بالاضافة للمناظر الطبيعيّة الخلّابة،التي  لم يعتَد المواطن العربيّ على رؤيتها في المسلسلات العربيّة التي تتعمّد الاستسهال في معظمها، والتصوير داخل الأستديوهات المغلقة. كما ساهمت اللهجة السوريّة المُحبّبة في سرعة انتشار تلك المسلسلات. وزادَ حدّةَ الانتشار تراجعُ الدراما السوريّة منذ بدء الثورة السورية، وكانت قد وصلت قبل هذه الفترة إلى انتشارٍ يُضاهي انتشار الدراما المصريّة، بل وتفوّقت عليها أحيانًا.

أغلب المتابعين للمسلسلات التركيّة هم من النساء. فالمسلسلات طويلة وقد يصل عدد حلقات المسلسل الواحد إلى ما يزيد عن 200 حلقة. كما وتتميّز بالأحداث الرومانسيّة، إلا أنّها تتعدّى حدود المسموح به في المسلسلات العربيّة، كانتشار العلاقات خارج إطار الزواج، والخيانة التي يُبرّرها السياق الدراميّ، وتصل أحيانًا إلى درجة تعاطف المتابع.

ومعَ عدم وجود إحصائيّات ودراسات اجتماعيّة حقيقيّة، تبقى وسائل الاتّصال الاجتماعيّ هي وسيلتنا لمعرفة آراء الناس حول القضايا المختلفة، فهل كان انتشار المسلسلات التركيّة لحاجة اجتماعيّة لم يستطع الفنُّ العربيُّ تقديمها؟

 وبعد أعوام من عرض المسلسلات التركيّة، ما الذي جنيناه منها؟

كان سؤالاً وجَّهْتُه عبر تويتر، وتدفّقت بعده الردود التي اتّسمت أغلبها بالرفض لتلك المسلسلات، وتعداد آثارها السيّئة على المجتمعات العربيّة،وإن لم تخلو الاجابات من مديح تلك المسلسلات لأسباب شتّى ،  أحد تلك الردود أثارَ تساؤلا منطقيًّا، وهو إنْ كان الجميع يرفض تلك المسلسلات ويعرف ضررها فمَن يتابعها؟ ولماذا لا تزال تُعرض حتى الآن؟

فيما يلي أستعرض ردود القُرّاء والمتابعين عن آثار انتشار الدراما التركيّة في البلدان العربيّة.

 

الأثر الاجتماعيّ

في الوقت الذي اختلفت فيه الآراء حول دور هذه الدراما في زعزعة الأُسَر العربيّة بين مُؤيّد لهذا الطرح ورافضٍ للبحث عن شمّاعة لتعليق مشاكلنا الاجتماعية عليها، هناك مَن يرى بشكل موضوعيّ أنّ متابعة الأُسرة بكاملها بما فيها مِن مُراهقين لهذه المسلسلات زادت مِن التناقض الذي يشعر به المراهق أو المراهقة بشكل خاصّ، فهي مِن جهةٍ تجد والدتها تُصفّق لعلاقة غير شرعيّة بين البطل والبطلة، ومِن جهة أُخرى تحمل لها عصا الرفض الغليظة إذا شمّت رائحة علاقة بريئة بينها وبين شابّ، ولعلّ من أفضل التعليقات التي  وصلتني كان مِن إعلاميّة قديرة أوضحت أنّ المسلسلات التركيّة أورَثَتْنا المزيد من الحيرة… رأى جمهورنا أناسًا يشبهونه ولا يشبهونه، وحياةً تُشبه حياته ولا تُشبهها… أقرب من أن تكون خيالا وأبعد من أن تكون واقعًا… دراما كلُّها تصلُح أنْ تُسمّى بالهروب اللذيذ!

تجميل “الخطأ” أو “الخطيئة” وتبريرها إلى حدّ تقبُّلها أدّى إلى استسهال الخيانات الزوجيّة والعلاقات المُحرّمة كما أوضح الكثير من المتابعين، لدرجة أنّها أدخلَتْ لنا أمورًا جديدة، ككثرة الحديث عن فحص (DNA) من الآباء للتأكّد من نسب الأبناء إليهم، وانعكس هذا واقعًا في حياة الناس، وأدخل الشكّ في قلوب الآباء، كما أنّ المسلسلات العربيّة أخذت بتقليد المسلسلات التركيّة، فنرى مسلسلات خليجيّة مأخوذة من قصص مسلسلات تركيّة بطريقة واضحة، ويتكرّر فيها ما يتكرّر في تلك المسلسلات من أمور غير مناسبة لمجتمعنا كفحص الـ(DNA) المذكور، والذي أصبح من الطبيعيّ ذكره في مسلسلاتنا العربيّة، علمًا أنّ الأمر لدينا بالغ الصعوبة، بالإضافة لموضوع تأجير الأرحام الذي تمّ استنساخه كما تقول كاتبة وأديبة (اشتركت في الاستطلاع) مِن مسلسل تركيّ لمسلسل عربيّ، بما لا يتناسب مع ثقافتنا.

ممثل تركي حصد إعجاباً جماهيرياً واسعاً في الدول العربية بالرغم من أن احد ادواره كان الدخول في علاقة محرمة مع إمرأة متزوجة

إلا أنّ هذا الرأي وَجد مَن يخالفه، أحد المتابعين أوضح أنّه استفاد من متابعة بعض المسلسلات المستوحاة من روايات ناجحة، ما شجَّعَه على التعرّف على الأدب التركيّ.

وعن إيجابيّات تلك المسلسلات أوضحت إحدى المُعلِّقات أنّها جامعة للعائلة، وخصوصًا في ليالي الشتاء الطويلة، فهناك دفء في تلك المسلسلات بتْنا لا نجده في المسلسلات العربيّة التي _كما تقول_ إمّا أنّها غير واقعيّة أو تنقل واقعًا مؤلمًا ومزعجًا كالحروب والبلطجة، بالإضافة إلى البساطة التي تسرُّ العين، فلا نرى ما نراه في المسلسلات العربيّة، وخصوصًا الخليجيّة من مبالغات في المكياج، وعمليّات التجميل التي تصل لمرحلة التقزّز أحيانًا، كما أنّ بعضها يُناقش قضايا مُهمّة، كزواج القاصرات والفقر واستحواذ الطبقة الغنيّة على السلطة وغيرها، كما أنّها تُبرز الحبَّ في المجتمع كضرورة، وتُشجِّع على الإفصاح عنه، وهذا ما نفتقدُه في مجتمعاتنا التي تخاف أحيانًا من ذكر تلك الكلمة.

بجملة واحدة علَّقَتْ إحدى المُتابعات للمسلسلات التركيّة “لم يعُدْ يُعجِبنا ما لدينا”.

 

الفراغ العاطفيّ

ركّز الكثير من المُتابعين على الفراغ العاطفيّ الذي تُعاني منه المرأة بشكل خاصّ، وعلى نجاح الدراما التركيّة في جذب الأنثى العربيّة مِن هذا الباب بالذات، حتى باتَ أحدُ النجوم الأتراك قبل سنواتٍ حلمًا لنساء عربيّات كثيرات، ما يفتح باب التساؤل عن احتياجات المرأة العربيّة التي أُهمِلَت لعقود، وتمَّ تهميشها لصالح احتياجات الرجل العربيّ التي يُرَدِّدُها المجتمع مدعومًا بالخطاب الدينيّ أحيانًا.

ممثل تركي حصد إعجاباً جماهيرياً واسعاً لدى الجنس الناعم في الدول العربية

الأثرُ الاقتصاديّ

أجمعَ أغلب المُتابعين على الأثر الاقتصاديّ الإيجابيّ الذي عاد على تركيّا من خلال انتشار الدراما التركيّة في العالم العربيّ، حيث زاد تدفُّق الأفواج السياحيّة لرؤية المعالم التاريخيّة والطبيعيّة، وحتى البيوت والقصور التي تمّ تصوير المسلسلات فيها، تسويق البلد سياحيًّا تمَّ بطريقة ذكيّة جدًّا، إذ إنّنا نشتري المسلسلات التركيّة بأموالنا للترويج لتركيّا سياحيًّا؛ ما يعني أرباحًا مادّية مُضاعفة للخزينة التركيّة، ودون بذل أيّ مجهود في الدعاية.

مشهد عام في إحدى المسلسلات التركية يعكس الطبيعة الخلابة والقصور في تركيا

 

الأثر السياسيّ والفكريّ

وصل تأثير الدراما التركيّة إلى حدّ أنّ الفتيات الجامعيّات تعلَّمْنَ اللغة التركيّة؛ لرغبتهنَّ في متابعة المسلسل الأصليّ قبل الدبلجة، هذا ما أكَّدَتْه لي دكتورة جامعيّة في معرض حديثنا عن تأثير الدراما التركيّة على طالباتها. أحد المُتابعين أوضح بأنّ الدراما التركيّة هي القوّة الناعمة التي استطاعت عن طريقها تركيّا غزو المنطقة ثقافيًّا، حيث أضْحَتْ في عيون الكثير الجنّة، وكلّ ما يأتي منها خير، وهذا نوع من أنواع الاستعمار كما أوضحت إحدى المُتابعات؛ وكانت الدراما بابًا لـ”أتركة” المجتمعات العربيّة كما أوضح مُتابِع كريم.

 

الأثر التاريخيّ

ما أنِ اعتاد المُتابع العربيّ على المسلسلات الرومانسيّة حتى بدأت المسلسلات التاريخيّة التركيّة بالانتشار، وفي هذا أمرٌ بالغ الخطورة ــكما أوضح أحدُ المتابعين؛ إذ إنّ المتابع العربيَّ حسب وصفه أصبح لُقمة سائغة يتمّ إقناعها بسهولة بالأحداث التاريخيّة التي قد يكون فيها تزوير للتاريخ الذي يكتبه الفائزون كما أوضح. بينما اختلف مُتابع آخر معَ هذا الطرح، وأوضح أنّه مِن الأجدرِ بنا دعم إنتاج مسلسلات عربيّة تُقدِّم وجهة نظرنا في الأحداث التاريخيّة، وتَرْكُ الحكم للمُشاهِد؛ كما أنّ المسلسلات التاريخيّة التركيّة فيها رسائل إيجابيّة مُوجّهة تُعزّز مبادئ الدين الإسلاميّ وحبكتها آسرِةٌ ومُشوّقة.

وأخيرا أضاف مشارك في الاستطلاع “قبل أنْ نعيب على تلك الدراما نجاحها وغزوها بيوتنا يجبُ أنْ نعيب إخفاقنا، ونحنُ نمتلك كلّ المقوّمات على تطويع الفنّ لخدمة قضايانا وإظهار تاريخنا لأبنائنا، وهذا لن يحصل إلا إذا أدرَكْنا أهمّيّة الفنّ الحقيقيّة بعيدًا عن الترفيه غير المُجدي.”

من مسلسل حريم السلطان

Facebook Comments

Leave a Reply