الذكاء الإصطناعي: “سيراكم واتسون الآن”

');

كيفن ماني

نيوزويك

دأبت الحلول التكنولوجية على مدى عقود على جعل صناعة الهواتف وأجهزة الكمبيوتر المحمولة والتطبيقات وجميع الصناعات أرخص وأفضل، بينما تصر الرعاية الصحية بعنادٍ على البقاء في الكون البديل، الذي تجعل فيه التكنولوجيا كل شيءٍ أكثر تكلفةً وتعقيداً.

مؤخراً، بدأت الشركات الطبيّة الناشئة في تطبيق حلول الذكاء الاصطناعي، العمل على تدفق البيانات والتشغيل الآلي بطرقٍ تُبَشِّر بانخفاضٍ كبيرٍ في تكاليف الرعاية الصحيّة، مع زيادة الفعالية. فإذا تم تنفيذ هذا التوجّه العميق، في غضون خمس إلى عشر سنوات، لن يكون الكونغرس مضطراً إلى خوض صراعات بخصوص تكاليف التأمين الصحيّ المتصاعدة بسرعةٍ هائلة. وقد يقوم بدلاً عن ذلك، بالتفاوض حول كيفية استخدام تلك المكاسب الهائلة غير المتوقعة. إن الحديث اليوم حول إلغاء برنامج “أوباما كير” هو بمثابة العودة إلى الوراء، كما لو كنا نناقش فوائد دودة العلق (استخدام العلق في مص الدماء).

أيصعب عليك أن تصدق ذلك؟ إذن دعني أسوق إليك الدليل من خلال ذلك الاضطراب الشديد في الأنشطة المتعلقة بمرض السكري، وهو المرض الأغلى تكلفةً على مستوى العالم؛ ففي الولايات المتحدة يعاني حوالي 10 في المئة من السكان من مرض السكري، أي حوالي 30 مليون شخص. ويتوقع بعض الخبراء، أنه خلال عقد من الزمن سيتجاوز عدد مرضى السكري في الصين العدد الإجمالي لسكان الولايات المتحدة الأمريكية. وفي المتوسط، ينفق معظم الأشخاص الذين يعانون من مرض السكري مبلغاً يتراوح ما بين 5,000 دولار إلى 10,000 دولار سنويّاً على الأدوية، وقد يقفز هذا الرقم إلى مئات الآلاف من الدولارات في حالة المرضى الذين يعانون من مضاعفاتٍ تضطرهم إلى إنفاق المزيد على الأطباء وفواتير المستشفيات. هذا بالإضافة إلى أن خسارة أجور مرضى السكري يُكلّف الولايات المتحدة وحدها أكثر من 245 مليار دولار سنويّاً، وفقاً لمجلة “مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها”.

إنها تبدو مشكلةً ضخمة، وفي الوقت عينه تُعتبر فرصةً هائلةً لتحقيق مكاسب خياليّة، والفوز بعملاء جدد؛ ولهذا السبب يتهافت رواد الأعمال على مجال الاستثمار في مرض السكري، مثلما يتهافت النمل على قطعة الآيس الكريم الواقعة على الأرض.

لقد تطورت التكنولوجيا بشكل كبير في عصرنا الحالي، لكن أحد أهم الأسئلة يبقى: هل يستطيع الروبوت الحلول مكان الطبيب البشري؟

سامي إنكينن هو أحد رواد الأعمال هؤلاء، وهو أيضاً أحد المشاركين في تأسيس الموقع العقاري “تروليا”، ولطالما عُرف عنه أنه رياضي يتمتع بقدرةٍ كبيرةٍ على التحمل؛ حيث كان ينافس بقوةٍ وجديةٍ في سباق “الترياثلون” (ماراثون ثلاثي يجمع بين السباحة وركوب الدراجات والجري)، وسباق الرجل الحديديّ. وفي عام 2014، نجح إنكينن وزوجته في التجديف من كاليفورنيا إلى هاواي. كل هذه الأنشطة والنجاحات لا تتناسب مع الصورة النمطية لمريض السكري. ولكن في عام 2011، وبعد فترة وجيزة من مشاركته في سباق ثلاثي آخر، تم تشخيص حالة إنكينن على أنه مصاب بمرض السكري من النوع 2. ومثله مثل العديد من الأشخاص الدؤوبين، فائقي الذكاء، والذين لديهم هوس خاص بالمعلومات- اندفع نحو البحث عن كل ما يخصّ حالته.

قادته تلك الرحلة إلى الدكتور ستيفن فيني، وهو باحث طبي في جامعة كاليفورنيا دافيس- وإلى جيف فوليك، وهو عالم في جامعة ولاية أوهايو. وكان فيني وفوليك قد تعاونا معاً في تأليف كتابين حول الأنظمة الغذائية منخفضة الكربوهيدرات، كما قاما بنشر أبحاث علميّة توضّح كيف يمكن للتعديلات المستمرة في النظام الغذائي ونمط الحياة أن تعكس آثار مرض السكري، لدى الكثير من المرضى. ولم يتم التعامل مع مرض السكري على هذا النحو من قبل؛ لأن البرنامج في غاية الصعوبة بحيث يتعذر على كثيرٍ من الناس الالتزام به؛ إذ يتطلب الكثير من التدريب والفحص الدقيق من قِبل المُتخصصين في المجال الطبي، وقد تضطر إلى توظيف طبيب مقيم.

أقنع إنكينن كلّا من فيني وفوليك أن التكنولوجيا يمكنها أن تقوم بدور الطبيب المقيم، ومدرب مرض السكري على الهاتف الذكي. وهكذا، أسس الثلاثة معاً مركز فيرتا هيلث في العام 2014. وقد ظلت الشركة غير مُعلنة حتى الآن، وعندما تم إطلاقها في شهر مارس/آذار، صرّح إنكينن لصحيفة “النيوزويك”: “لقد شعرنا أنه من واجبنا أن نقوم بذلك، فوباء السكري منتشر بنسبة هائلة وغير مسبوقة، ولا شيء يجدي معه. ونحن يمكننا الجمع بين العلم والتكنولوجيا لحلّ المشكلة بتكلفةٍ أقل بكثير، وبأقصى درجات الأمان”.

وإليكم الطريقة التي يعمل بها “فيرتا”، ولماذا يُعدّ النهج الذي يعتمد عليه شديد الأهمية لمستقبل الرعاية الصحية. بدايةً، “فيرتا” هو تطبيق مُتاح على الهاتف الذكي، يوافق مرضى السكري الذين يسجلون على هذا التطبيق على أن يقوموا بإدخال بياناتهم بانتظام- مستويات الجلوكوز، والوزن، وضغط الدم، والنشاط. البعض يفعل ذلك عن طريق إدخال المعلومات يدويّاً؛ بينما يستخدم البعض الآخر أجهزة مثل “فيتبيت”، أو أجهزة القياس المتصلة بالإنترنت لإرسال البيانات تلقائيّاً. وكثيراً ما يطرح التطبيق أسئلةً متعددة الخيارات حول المزاج ومستويات الطاقة والجوع، وغير ذلك من البيانات التي تسعى برامج الذكاء الاصطناعي لمعرفتها عن المريض، ويكتشف علامات التحذير والأعراض، ويوجه الأطباء المشاركين ضمن التطبيق نفسه.

من ناحيةٍ أخرى، يوظف “فيرتا” الأطباء الذين يحصلون على التحديثات من التطبيق، ويستخدمون البيانات لمساعدتهم على اتخاذ قرارات حول كيفية ضبط النظام الغذائي والأدوية لكل مريض، وأي شيءٍ آخر قد يؤثر على صحة هذا الشخص. يقول إنكينن: “إن أي قرار سريري يجب أن يُتخذ دائماً من قِبل طبيب”، ولكن التطبيق يزيد الإنتاجية بنسبة “إكس 10” (أي 10 مرات، في لغة مسلسل وادي السيليكون).

هناك تطبيقات للهاتف تساعد في تشخيص عوارض بعض الأمراض للدلالة عليها.. -رويترز

فعندما يبدأ كل هذا في العمل، ويتّبع المريض الضوابط الغذائية والطبية الصارمة للتطبيق، يمكن الكشف عن مرض السكري، طبقاً لما أظهرته التجارب السريرية لنظام فيرتا. حيث تمت السيطرة على حالات ما يقرب من 87 في المئة من المرضى الذين كانوا يعتمدون على الأنسولين، إما بخفض جرعتهم، أو التوقف عن استخدام الأنسولين تماماً- وهو معدل نجاح يُماثل معدل نجاح جراحات علاج البدانة، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الجراحات مُكلفة وذات أعراض جانبية واسعة؛ فضلاً عن أنه الخيار الأخير الذي يلجأ إليه مرضى السكري.

يعمل “فيرتا” على الاستفادة من برامج الذكاء الاصطناعي والهواتف الذكية والحوسبة السحابية، بما يسمح لأطبائها بالتفاعل بشكلٍ مُستمرٍّ مع العديد من المرضى أكثر بكثيرٍ مما يمكنهم التفاعل معهم في العيادة أو المستشفى، كما يوفّر لمرضى السكري خدمات كلٍّ من الطبيب المقيم والممرض. والنتيجة تُعدّ علاجاً واعداً لمرض السكري، بحيث يضع حدّاً لمعاناة الكثير من المرضى مع الأدوية، ويُبقيهم بعيداً عن عيادات الأطباء وغرف الطوارئ في المستشفيات. وهذا بدوره، سيخفض إلى حدٍّ كبيرٍ من التكلفة الإجمالية لمرض السكري.

برنامج “فيرتا” هو واحدٌ من ضمن برامج عديدة تستهدف مرض السكري.

ليف أون جو هو نسخة أكثر أتمتة من برنامج فيرتا، ولكنه أقل اعتماداً على الأطباء؛ حيث نجحت الشركة التي حققت أرباحاً بلغت 52,5 مليون دولار خلال شهر مارس/آذار، في ابتكار جهازٍ من دون أسلاك لقراءة نسبة الجلوكوز، وتحميل البيانات الخاصّة بمريض السكري. ويهدف برنامج الذكاء الصناعي إلى معرفة المزيد عن المريض، وإرسال النصائح والمعلومات التي من شأنها مساعدة مريض السكري على إدارة حالته الصحية، بما يضمن ابتعاده عن العيادات والمستشفيات. ومع ذلك، اتخذت شركة ناشئة جديدة، هي شركة فراكتيل، نهجاً يعتمد على الجانب الطبي بشكلٍ أكبر؛ حيث قامت باختراع نوعٍ من القسطرة، من شأنه أن يُحدث تغييراتٍ في الأمعاء، بما يؤدي إلى عكس ضرر مرض السكري.

وتذكر منصة Crunchbase المعنية بتعقب قوائم الشركات الناشئة وجود حوالي 130 شركة جديدة ذات توجه تقني (يتغير الرقم باستمرار)، يقوم نشاطها على التعامل مع بعض جوانب مرض السكري. وعلى الرغم من أن العديد من هذه الشركات الناشئة سيكون مصيرها الفشل، إلا أنه بلا شك ستنجح بعضها في إحداث تأثيرٍ كبير.

لا شك أن هذه الجهود تهمنا جميعاً؛ لأن مرض السكري يعمل بشكلٍ كبيرٍ على استنزاف موارد الرعاية الصحية. يقول الرأسمالي المغامر هيمانت تانيجا، الذي أسهم في تأسيس برنامج “ليف أون جو” إن “التكنولوجيا قد تعمل على تخفيض التكلفة السنوية لمرض السكري في الولايات المتحدة بمبلغ 100 مليار دولار.

تخيّلوا أن 20 في المئة من مرضى السكري تمكنوا من الإقلاع عن تعاطي الأدوية، ولم تعد لديهم حاجة لتلقي الرعاية الطبية، بالطبع سوف يتم تسخير جميع هذه الموارد الطبية للمرضى الآخرين وغيرهم من الحالات، الأمر الذي سيُسهم في خفض أسعار الرعاية الصحية المُقدمة للجميع. يقول إنكينن: “إذا أردنا خفض تكاليف الرعاية الصحية بشكلٍ كبير، فنحن بحاجةٍ أساساً إلى معرفة كيفية معالجة قضايا الصحة الأيضية [مثل مرض السكري]. ويضيف إنكينن “أراهن ببيتي على أنه في غضون 15 عاماً، ستتحول جميع شركات الرعاية الصحية المستقبلية لاتباع النهج الذي نعمل به نحن الآن، وهو عدم انتظار الأمراض في نهاية الطريق ليتم علاجها، وإنما مباغتتها على طول الطريق وعكس أثارها”.

أليكسا، ماذا دهاني؟

على مدى العقد الماضي، تم تحويل السجلات الطبيّة إلى بيانات رقمية وضخها إلى البرمجيات في الولايات المتحدة الأمريكية، بعدما كانت محفوظة في ملفات ورقية بخط الأطباء الرهيب. ومع ذلك، لم يساعد هذا على خفض تكاليف الرعاية الصحية حتى الآن، بل إنه في الواقع يُضيف إليها عبئاً أكبر يتمثل في تثبيت الأنظمة وتعليم المهنيون الطبيون كيفية استخدام البرمجيات التي يمكن أن تكون صعبة الاستخدام.

بدلا من عدم مجاراة كمية المعلومات الطبية الهائلة في الأرشيفات، فإن الذكاء الاصطناعي يُساعم في التخفيف عن كاهل الاطباء وتقصير وقت البحث في/ و عن تلك المعلومات. -رويترز

وتعالج شركة “إبيك سيستمز”، وهي أكبر شركة مُتخصصة في السجلات الطبية الإلكترونية، 54 في المئة من سجلات المرضى في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنها تحصل على علامات مُتدنية نظراً لصعوبة استخدامها؛ وبالتالي فإنها تستهلك وقت الأطباء والممرضات. وقد ذكر أحد التقارير الصادرة عن قسم المراجعة في مستشفى بيكر، أن ما يقارب من 30 في المئة من عملاء “إبيك” لا يوصون أقرانهم باستخدامه. وكشفت دراسة استقصائية أجرتها شركة “بلاك بوك ماركيت ريسيرش” أن حوالي 30 في المئة من العاملين في المستشفيات غير راضين عن أنظمة الاستجابة الطبية المُستقلة المعمول بها داخل مستشفياتهم، فضلاً عن حصول “إبيك” على أعلى مستوى من عدم الرضا.

ولكن هذا لا ينفي أن ثمة مكسب حقيقي تحقق على الرغم من نقاط الضعف في نظم الاستجابة الطبية المستقلة؛ وهو تحويل نسبة هائلة من المعلومات الطبية إلى بيانات رقمية. ومع ازدياد التفاعل الطبي من خلال الإنترنت- كما هو الحال مع برامج “فيرتا” أو “ليف أون جو”- يتم جمع المزيد من أنواع البيانات. وتضيف الأجهزة المتصلة بالإنترنت؛ مثل “فيتبيتس”، أو مقاييس الجلوكوز المتصلة بالإنترنت، أو الأجهزة الجديدة المُحتملة مثل “أبل أير بودس” التي تحصل على القراءات البيومترية- المزيد من البيانات طوال الوقت. ويمكن أن تساعد هذه البيانات برامج الذكاء الاصطناعي على اكتشاف المزيد عن الأمراض بشكلٍ عامّ، وعن حالة كل مريض على حدة، الأمر الذي يُبشر بفتح آفاقٍ جديدةٍ تعتمد على استخدام التكنولوجيا.

إن بعض التطبيقات الجديدة للذكاء الاصطناعي تُسهم ببساطةٍ في تطوير قطاع الرعاية الصحية غير الفعال بشكلٍ كبير.

ومن أمثلة ذلك التطبيق الذي تستخدمه شركة “كفنتوس”؛ وهي شركة ناشئة تستخدم الذكاء الاصطناعي للحصول على جميع البيانات اللازمة للتعرّف على كيفية توفير وقت الأطباء والممرضات بهدف إتاحة الفرصة لرؤية المزيد من المرضى وتحسين النتائج. يقول موديت جارج الرئيس التنفيذي لشركة “كفنتوس”: “نحن نصنع الكفاءة من لا شيء تقريباً. قبل عامين، كانت الأعمال من هذا النوع لا تتمتع بالقدر الكافي من السلاسة والتوافق، لكن هذا هو الوقت الأنسب لبدء العمل الجاد”.

وبالفعل نجحت مستشفى “ميرسي فورت سميث” الواقعة في فورت سميث، بولاية أركنساس، وهي ضمن قائمة عملاء الشركة، في علاج 3000 مريض إضافي سنويّاً بالموارد نفسها، أي بزيادةٍ قدرها 18 في المئة. وهنا يتضح دور التكنولوجيا في زيادة توفير الخدمات الطبية، الأمر الذي يبشر بتغيير معادلة التكاليف التي تساهم في ارتفاع أسعار الرعاية الصحية.

يعمل الذكاء الاصطناعي على أتمتة بعض أعمال الأطباء. وتسعى شركة “آي بي إم” من خلال برنامجها “واتسون”، الذي يعتمد على استخدام التعلُّم الآلي والقدرة الحاسوبية الضخمة لإيجاد طريقها من خلال الأسئلة- أن تصبح أفضل خبيرٍ في تشخيص الأمراض على هذا الكوكب؛ حيث يمكن لبرنامجها أن يجمع البيانات المتاحة (والمجهولة) كافّة عن المريض، بالإضافة إلى عشرات الآلاف من الأبحاث الطبية التي يتم نشرها كل عام (أكثر بكثير ممّا يُمكن لأي إنسانٍ قراءته).

ويمكن لهذا النظام كذلك متابعة الأخبار، والتعلّم؛ على سبيل المثال: معرفة المناطق التي تتأثر بمرضٍ مُعدٍ معين، مما قد يساعد على تشخيص حالة شخصٍ سافر مؤخراً إلى إحدى تلك المناطق. من خلال توجيه سلسلةٍ من الأسئلة للمرضى بواسطة أيّ من أجهزة الكمبيوتر أو أجهزة الاتصال، يمكن لواتسون أن يقوم بسرعةٍ فائقةٍ بتضييق نطاق الأسباب المُحتملة لحدوث المشكلة الطبية. وتعمل شركة “آي بي إم” اليوم على مشاريع اختباريّة مع المستشفيات الكبرى مثل “كليفلاند كلينيك”، لإتاحة واتسون لجميع الأطباء ليتعلّموا كيفية استخدام التكنولوجيا كمساعدٍ ذكي.

ولكن سيأتي اليوم الذي يصبح فيه “واتسون” أو ما شابهه متاحاً للجميع من خلال الهواتف الذكية، أو أحد الأجهزة الأخرى. وقد بدأت “أمازون” السير في هذا الطريق من خلال الشراكة مع “هيلث تاب”، لتقديم ما تسميه “د. ذكاء اصطناعي” على أليكسا، وهي أداة أمازون ذات الذكاء الاصطناعي- للمستهلكين، والتي تنشط بالصوت. وهي ليست قوية مثل “واتسون”، ولكنها تعمل وفق المبدأ نفسه، فأنت تقوم فقط بإخبارها بمشكلتك الطبية، وسوف تسألك أسئلة عدّة للمساعدة في تضييق احتمالات تشخيص المرض.

مع تطور الرعاية الصحية المُعتمدة على الذكاء الاصطناعي، قامت الشركات الناشئة كذلك بخلق أنواع جديدة من الطب القائم على علم الجينوم. ومنذ 16 عاماً فقط، قام مشروع الجينوم البشري والشركة الناشئة “سيليرا جينوميكس” التي أسسها عالم الوراثة كريج فنتر- بنشر نتائج تسلسل الجينوم البشري الخاص بهما خلال يومٍ خاصّ لكلٍ منهما في العام 2001. وذكر فينتر أن مشروعه استغرق 20 ألف ساعة من المعالجة على كمبيوتر عملاق. وخلال هذا العام، تقوم الشركة الناشئة “كولور جينومكس” بتقديم اختبار للجينات مقابل 249 دولاراً، يُمكّنه تقديم تسلسل لمعظم الجينات ذات الصلة في جسم الإنسان. وتهدف الشركة إلى إتاحة إجراء التسلسل الجيني بسهولة وبتكلفة معقولة، بحيث يتم إجراؤه لكل طفلٍ بمجرد أن يولد؛ من أجل استخدام البيانات للمساعدة في تقديم الرعاية الصحية له طوال حياته.

خذ تطبيقين وكلمني صباحا،، قد تكون عبارة دكتورك لك عبر الإنترنت لتشخيص مرضك قبل وصف العلاج المناسب.

ومن خلال دمج البيانات الجينية الخاصة بالشخص مع جميع أنواع البيانات التي يمكن لواتسون أن يستوعبها، سنصبح قريبين للغاية من بناء برمجيات الذكاء الاصطناعي، التي يُمكن على الأقل أن تحلّ محل تلك الزيارة الأولى للطبيب عندما تكون مريضاً، وهذا ما يحدث بالطبع عند عدم رغبتك في قطع مسافة طويلة إلى عيادة الطبيب. حيث سيقوم الناس بدلاً من ذلك، بالتحدث بشكلٍ متزايدٍ إلى الهاتف الذكي أو إلى شيء آخر مثل تطبيق “د. ذكاء اصطناعي” على أليكسا، عن مشاكلهم الصحية، ويقومون إذا لزم الأمر، بإرسال صورة لذلك الطفح الجلدي، أو إصبع القدم المتقرح. ومن خلال المعلومات التي يحتوي عليها النظام ضمن سجلات الرعاية الصحية والبيانات الوراثية، يمكنك الحصول على نظرةٍ متعمقةٍ لحالتك، أكثر من أي طبيبٍ يعمل بناءً على حدسٍ مستنير.

في الكثير من المناسبات، قد يُخبر التطبيق المستخدم أن المشكلة ليست خطيرة، وهذا يعادل في لغة الروبوت عبارة “تناول قرصين من الأسبرين واتصل بي في الصباح”. وفي أحيانٍ أخرى، يقوم التطبيق بإحالة المستخدم إلى عيادة لإجراء تحاليل أو أشعة، فإذا تم الأمر بهذه الصورة، سوف يختفي جزءٌ كبيرٌ من ازدحام المستشفيات وعيادات الأطباء.

بالإضافة إلى ذلك، سنشهد خلال السنوات المقبلة موكباً كبيراً من التطبيقات التقنيّة التي تُقلّل الطلب على نظام الرعاية الصحية، وفي الوقت نفسه تمنح لكل واحدٍ منا المزيد من القدرة على الوصول إلى الرعاية الصحية. ويجب تحرير الأطباء للقيام بعملٍ أفضل للمرضى الذين يحتاجون بالفعل إلى اهتمامهم. ويساعد كل ذلك نظريّاً، في أن يجعل المزيد من الناس أكثر صحة. وإذا كنا جميعاً أكثر صحةً وأقل استخداماً للرعاية الصحية، فإن قوانين العرض والطلب ستبدأ عملها، وتعمل على خفض التكلفة الإجمالية للرعاية الصحية.

ومع ذلك، فهناك عقباتٌ في الطريق؛ لأنه كما قال رئيسنا واسع العلم مؤخراً: “لا أحد يعرف أن الرعاية الصحية يمكن أن تكون شديدة التعقيد”.

ذا أوتوميشن ركس

تُعد اقتصاديات الرعاية الصحية شديدة الغرابة؛ بحيث لا تنطبق القوى المعتادة على الصناعات ذات التنظيم العالي، وربما تكون الرعاية الصحية هي الأكثر تنظيماً في الولايات المتحدة الأمريكية وجميع أنحاء العالم؛ لأنها ترتكز على أرواح البشر. وفي معظم البلدان، تمنع الهيئات التنظيمية برامج الذكاء الاصطناعي من عبور الخط إلى تقديم التشخيص أو المشورة السريرية بشكلٍ مستقل؛ حيث يعد هذا الأمر من اختصاص الأطباء وحدهم. ويجب على الأجهزة الطبية الجديدة مثل “فراكتيل”، الحصول على موافقة من إدارة الغذاء والدواء. وغالباً ما تُبطئ المجموعات التي تمارس الضغط أي تغيير تنظيميّ؛ للمحافظة على الوضع الراهن، وإفادة شاغلي الوظائف الذين يتقاضون مبالغ ضخمة.

وغالباً ما تتأثر قرارات الرعاية الصحية الشخصية في الولايات المتحدة بشركات التأمين، وأرباب العمل الذين يدفعون مقابل المزايا الصحية، والرعاية الطبية. وعلى العكس من معظم الصناعات، لا يملك مستهلكو الرعاية الصحية المعلومات الكافية حول التسعير أو الجودة، لذلك لا يمكنهم أن يجعلوا الخيارات أكثر عقلانية. وعلاوةً على ذلك، فإننا نفكر في الصحة بشكلٍ مختلفٍ عن أي شيءٍ آخر يمكن شراؤه بالمال. وكثيرٌ منا لا يشبع أبداً من الرعاية الصحية، فنحن نريد دائماً الرعاية الصحية الأفضل، حتى وإن كنا لا نستطيع تحمّل تكلفتها. وقد أظهرت إحدى الدراسات التي نُشرت في آذار/ مارس الصحة الهاتفية، أي أن إتاحة الأطباء عن طريق مكالمات الفيديو دفعت الناس إلى التماس العلاج للأمراض البسيطة التي قد يتجاهلونها. ولم يستبدل سوى 12 في المئة الزيارات الشخصية للحصول على الرعاية الصحية “بالزيارات الصحية عبر الهاتف، أما نسبة الـ 88 في المئة المتبقية فتشكل طلباً جديداً.

حتى وقت قريب، كانت معظم التكنولوجيا الطبية الجديدة عبارة عن منتجات عالية الجودة، تكون سبباً لحصول الأطباء والمستشفيات على مبالغ أكبر، مقابل أشياء لم يكن من الممكن القيام بها في الماضي. على سبيل المثال آلات التصوير بالرنين المغناطيسي أو الأطراف الروبوتية. يعمل ذلك على تحسين نوعية الحياة، ولكنه يزيد من التكاليف.

في عام 2008، ذكر مكتب الميزانية في الكونغرس أن “العامل المهم الذي يؤدي إلى الزيادة طويلة الأجل لتكاليف الرعاية الصحية هو ظهور التكنولوجيات والخدمات الطبية الجديدة، واعتمادها ونشرها على نطاقٍ واسع”.

تختلف الموجة التالية من تكنولوجيا الرعاية الصحية إلى حدٍّ كبير، ولم يكن الجمع بين البيانات والذكاء الاصطناعي متاحاً حتى العام أو العامين الماضيين؛ حيث يمكن أن يؤدي إلى نوعٍ من الأتمتة التي عطلت العديد من الصناعات الأخرى. ويركز العديد من رواد الأعمال في مجال الرعاية الصحية على وجه التحديد على منظور الكسب والكسب المقابل؛ حيث يقومون بخفض تكلفة الرعاية الصحية، وفي الوقت نفسه يجعلونها متاحةً وبشكلٍ أفضل لعددٍ أكبر من الناس. وبالطبع، سوف تكون هناك تحديات يجب مواجهتها، مثل التأكد من بقاء البيانات الطبية الحساسة للغاية محميةً وخاصّة، حتى وإن انتقلت بين الشبكات والأنظمة المختلفة.

وبينما أتاحت الشركات الناشئة التقنيات على الإنترنت، فإنه غالباً ما تدور في فلك شركات التأمين، وبدلاً من ذلك يعملون على إيجاد الطلب بين المستهلكين أو أرباب العمل الذين يُقدّمون التغطية الصحية. فعلى سبيل المثال: تساعد “ليف أون جو” الشركات التي يكلّفها كل موظف مريض بالسكري فيها آلاف الدولارات سنويّاً لرعايته. ادفع ثمن خدمة “ليف أون جو”، وبمرور الوقت سوف توفر الشركة المال عندما يقوم هؤلاء الموظفون بتحسين أوضاعهم بشكلٍ أفضل. وخلال العام الماضي، اشترَك في “ليف أون جو” أكثر من 50 من كبار العملاء، بما في ذلك “كويكن”، و”أوفيس ديبوت”، و”أوفيس ماكس” و”سي إس جونسون آند صن”. وطبقاً للتفكير السائد ما بين الشركات الناشئة للرعاية الصحية، بمجرد أن يتبنى أرباب العمل والمستهلكون التكنولوجيا الجديدة، ستتبعه شركات التأمين، والمنظمون والعاملون في مجال الرعاية الصحية.

عندما يحدث ذلك، يتوقع علماء التكنولوجيا أن القوى الاقتصادية ستتوقف أو تتراجع عن تزايد تكاليف الرعاية الصحية في الولايات المتحدة الأمريكية وجميع أنحاء العالم، وهو تطورٌ من شأنه- إذا كنا محظوظين- أن يترك الرئيس وكل عضوٍ في الكونغرس عاجزاً عن الكلام.

Facebook Comments

Post a comment