السعودية: ٢٠١٧، عام من الأحداث المتسارعة

نيوزويك الشرق الأوسط

الأمير محمد بن سلمان، هو الشخصية السعودية الأكثر  تأثيراً في تاريخ المملكة الحديث والذي استطاع في أقل من عامين إحداث انقلاب في المجتمع السعودي، بعدما قام بإطلاق سلسلة قرارات اقتصادية وسياسية ودينية أحدثت خضة داخل المملكة وإقليمياً وحتى عالمياً; كما وأعلن حرباً مفتوحة على الفساد بدأها بحملة اعتقالات واسعة لأمراء وسياسيين وأقطاب الإقتصاد في العالم ممن يحملون الجنسية السعودية -والذين كانوا حتى الأمس القريب بعيدين كل البُعد عن المساءلة.

وقد بدأت تباشير قراراته بإعادة المملكة إلى الإنفتاح الإجتماعي والإقتصادي اللذين سبقا عصر الصحوة (التي ساهمت في انتشار التشدد الديني في المملكة) والعودة إلى الإسلام المعتدل، بالظهور منذ منتصف العام 2017 وحتى تاريخ كتابة هذا المقال ليل الإثنين 25 ديسمبر 2017.

ولكل من يتساءل لماذا إخترنا السعودية للكتابة عن التطورات التي شهدتها في العام 2017، يكفي الإشارة إلى أنها أكبر اقتصاد عربي، ولها حضور في عدة صراعات في المنطقة من اليمن ولبنان والأزمة الخليجية مع قطر (لمزيد من المعلومات عن هذه الصراعات، الرجاء مراجعة مقال الشرق الأوسط، صراعات مستمرة، في العدد الجديد لنيوزويك الشرق الأوسط الذي صدر اليوم ٢٧ ديسمبر ويلخص أحداث المنطقة في العام ٢٠١٧).

قرارات ووعود بالجملة، والتنفيذ بدأ

ومن أهم القرارات التي يقف وراءها ولي العهد السعودي الذي يحمل أيضاً حقيبة وزارة الدفاع في المملكة هو قرار الدخول في حرب مع إيران عن بُعد عبر قتال المتمردين الحوثيين في اليمن.

أما اقتصادياً، فهو القوة الدافعة وراء إعلان «رؤية السعودية ٢٠٣٠» والتي تعد السعوديين، وبخاصة فئة الشباب منهم، بتغييرات اقتصادية نحو الأفضل ومن ضمنها تخفيض البطالة والتقليل من الاعتماد على النفط.

فالمجتمع السعودي، الذي تغلب عليه فئة الشباب، يُعاني من نسبة بطالة مرتفعة بين الفئات العمرية التي لا تتجاوز 25 عاماً تصل إلى 30% وترتفع هذه النسبة بشكل مخيف في حال إضافتنا العنصر النسائي إلى المعادلة. كما وطالعتنا وعود بإضافة مئات الآلاف من الوحدات السكنية خلال السنوات الخمس القادمة للمواطنين في مملكة تُعاني من أزمة في إيجاد المساكن والتي يُقدّر الخبراء هذا النقص بأكثر من نصف مليون وحدة سكنية. والإبن السادس للملك سلمان  الذي يبلغ من العمر 32 عاماً، يقف أيضاً وراء فكرة طرح جزء من أكبر شركات النفط العالمية، أرامكو، للاكتتاب العام، أي طرح جزء منها أسهماً للبيع، وهو ما وصفته وسائل الاعلام الاقتصادي بأنه سيكون الاكتتاب الأكبر في التاريخ، والذي من المتوقع أن يحصل في العام 2018، وقد شهدنا اقتتالاً اقتصادياً بين هونغ كونغ ولندن ونيويورك من أجل إدراج الإكتتاب في بورصاتها.

ولن نحكم على تلك الوعود إلى أن نرى التنفيذ.

الحملة على الفساد

في ساعات الفجر الأولى من صباح الأحد 5 نوفمبر/ تشرين ثاني 2017، جن جنون صفحات التواصل الإجتماعي ونشرات الأخبار العاجلة تفاعلاً مع توارد الأنباء عن قيام الملك السعودي سلمان، بإعفاء أعضاء من العائلة المالكة ووزراء ومسؤولين من مناصبهم تبعها تعيينات جديدة ومن ثم تلاها الإنفجار الكبير بالإعلان عن توقيفات شملت أمراء بمناصب حساسة ووزراء حاليين وسابقين ومسؤولين وأقطاب أعلام ورجال أعمال بتهم الفساد والتربح واستغلال المنصب وتبييض الأموال. ومن ضمن المحتجزين كان أحد أبرز رجال الأعمال في المملكة الملياردير الأمير الوليد بن طلال رئيس شركة المملكة القابضة للاستثمار والأمير متعب بن عبد الله وزير الحرس الوطني (خرج مؤخراً في إطار صفقة مقايضة الحرية مقابل إعادة مال الشعب، وقيل أنه سدد مبلغاً فلكيا)، الذي أُعفي من منصبه ليحل محله الأمير خالد بن عياف مما يعزز سيطرة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على المؤسسات الأمنية.

وأصدر العاهل السعودي أمرا ملكيا بتشكيل لجنة عليا جديدة لمكافحة الفساد برئاسة ولي العهد الأمير محمد.

وقال الأمر الملكي “لن تقوم للوطن قائمة ما لم يتم اجتثاث الفساد من جذوره ومحاسبة الفاسدين وكل من أضر بالبلد وتطاول على المال العام”.

وفيما قال محللون إن هدف القرارات يتجاوز مكافحة الفساد ويهدف إلى التخلص من أي معارضة محتملة للأمير محمد بينما يواصل مسعاه الإصلاحي الطموح والمثير للجدل، إلا أن الصورة الحالية في المملكة تتجاوز تلك التأويلات.

فهناك تأييد عارم للحملة على الفساد بقيادة ولي العهد. وكثيرون يرون في محمد ووالده سلمان ثنائي السلطة الأقوى على الإطلاق Power Couple لناحية إحداث أي تغيير.

فالسعوديون، وعلى مدى عقود، كانوا يشكون من الفساد المستشري في الدوائر الحكومية وعدم وجود تخطيط صحيح يُعالج مشاكل اجتماعية مُلِحّة منها ارتفاع البطالة والمحسوبيات وتربُّح المسؤولين على حساب الشعب في مملكة غنية بمواردها النفطية وصناعاتها التحويلية والغذائية لكن تنتشر فيها البطالة بشكل واسع بين الشباب وتواجه مشاكل اجتماعية منها أزمة السكن.

كما وأن التغيير الذي أحدثه ويحدثه الملك سلمان وولي عهده منذ تولي الأول المُلك والثاني نيابة ولاية العهد قبل أن يُصبح ولياً للعهد، قد ساهم في إعطاء السعوديين أملاً حقيقياً في أن الأمور في المملكة تتغير نحو التطور.

تغييرات إجتماعية بالجملة

والفوارق الإجتماعية بين الجنسين في المملكة يجري رأبها.

فالمرأة باتت بشكل أو بآخر مُعفاة من الوصاية في العديد من الأمور. ويحق لها قيادة المركبات بعدما كان منعها من ذلك مثار تندّر الغرب وحتى الأشقاء. ومن المتوقع أن تقود المرأة السعودية المركبات بعد نهاية شهر رمضان 2018.

وتم الترخيص مؤخراً لفتح دور السينما لأول مرة في المملكة. كما واستضافت السعودية عدة حفلات غنائية مختلطة منذ شهر نوفمبر الماضي وحتى اليوم، وقامت مطربات باعتلاء خشبة المسرح في حفلات علنية بعدما كن ممنوعات من ذلك.

تكنولوجيا المستقبل وتطوير السياحة

ولقد قالها محمد بن سلمان خلال إعلان بناء مدينة نيوم الاقتصادية التكنولوجية والسياحية إنه يريد قيادة المملكة نحو مستقبل أكثر تطوراً ويُوفر حلولاً تقنية للعديد من المشكلات التي تواجه المملكة حالياً. وفي بادرة لطيفة أعطت المملكة جنسيتها لروبوت يُحاكي التفاعل البشري، لتكون هذه الروبوت الأنثى وجهاً لعزم المملكة على المضي قُدُماً بعد نحو نصف قرن من التشبث بوسائل الماضي.

فحتى التسعينات كان العديد من رجال الدين السعوديين يُحرّمون الصحون اللاقطة للإرسال الفضائي، بل وحتى التلفزيون. أمّا اليوم، فهناك تشجيع كامل للسعوديين بتعلم علوم المستقبل وغيرها من حقول التكنولوجيا لتطوير المجتمع.

كما وبدأت المملكة بالإعلان عن اكتشافات أثرية تدعم السياحة، لتكون رديفاً للحج والعمرة اللذين يجذبان ملايين المسلمين للمملكة سنوياً. ومن المتوقع أن تجذب هذه الأماكن السياحية مئات الآلاف من السياح في المستقبل القريب، خاصة مع إعلان المملكة نيتها إعطاء تأشيرات سياحية للجميع في 2018.

كل هذه الأمور الملموسة تجعل الفرد السعودي مستبشراً بالمستقبل بعدما عانى من الإحباط لفترة طويلة بسبب عدم وجود إصلاحات.

Facebook Comments

Post a comment