الشباب الكردي لا يثق بقادته

إليز نوتسن

نيوزويك الشرق الأوسط

تماما مثل أسلافهم، يدافع الشباب الكردي اليوم على نطاق واسع عن فكرة دولة كردية مستقلة عن بغداد.

ولكن قبل شهرين فقط من إجراء استفتاء الاستقلال المخطط له، نجد أن فئة الشباب في الشعب الكردي مختلفة بشدة فيما بينها حول ما إذا كان الوقت قد حان لإقامة دولة مستقلة، نظرا للوضع الاقتصادي والأمني في شمال العراق فضلا عن الخلل السياسي الذي يشهده إقليم كردستان نفسه.

يقول همين بالاك، البالغ من العمر 18 عاما، بينما هو يزن علبة من الحلويات داخل متجره الواقع في سوق أربيل الرئيسي: «كل شخص كردستاني يريد الاستقلال».

لكن هيمين، شأنه في ذلك شأن العديد من الشباب الآخرين، يشعر بالقلق إزاء الوضع المالي الذي جفت مصادره مع تراجع أعداد المستثمرين النفطيين في المنطقة، وانهيار اتفاقية تقاسم العائدات بين حكومة إقليم كردستان وبغداد في عام 2014.

ويضيف قائلا «لكن إرجاء [عقد] الاستفتاء إلى وقت لاحق سيكون أفضل لأن الاقتصاد الآن ليس في وضع جيد».

فعلى مدى العامين الماضيين، لم تُدفع بعض الرواتب الحكومية أو تم تأجيل دفعها، مما أدى إلى حدوث إضرابات واحتجاجات متفرقة.

وقد تعرض الشباب الأكراد، خلال تلك المظاهرات للضرب، وخاصة الذين كانوا قد بلغوا  سن الرشد خلال مرحلة الازدهار الاقتصادي.

يُذكر أن مرحلة الإزهار التي شهدها الإقليم بسبب طفرة أسعار النفط والغاز، هي في الفترة بين عامي 2007 و 2014.

وترى شانو إبراهيم، وهي منسقة مع مشروع فرص الذي يركز على عمالة الشباب في مؤسسة روانغا، أن شركات النفط والغاز التي كانت توظف الخريجين من الشباب الأكراد خلال مرحلة ما، قد شهدت سلسلة من عمليات تعليق العمل مع اقتراب داعش، لتخلف وراءها معدل بطالة بين الشباب يناهز 17٪.

وبالنسبة لتارا محمد، البالغة من العمر 20 عاما، وهي طالبة تعيش في منطقة  السليمانية، فإن حقيقة كون السلطات الكردية التي حكمت المنطقة بشكل شبه مستقل عن بغداد منذ العام 1992 لا تزال غير قادرة على إنهاء مشكلات انقطاع الكهرباء والماء بشكل منتظم، يعد سببا كافيا لتأجيل الانتخابات.

وتقول هذه الشابة الكردية: «إذا أردنا إنشاء دولة، ألا يُفترض أن نكون أولًا قادرين على توفير مثل هذه الأشياء البسيطة؟»

ولا تزال تارا غير واثقة على الإطلاق في السلطات الكردية؛ ولا سيما الحزب الديموقراطي الكردستاني الحاكم برئاسة الرئيس مسعود بارزاني. وبينما يسيطر الحزب الديمقراطي الكردستاني على حكومة إقليم كردستان ويفرض سيادته في أربيل، فإن الاتحاد الوطني الكردستاني هو من يسيطر على مدينة السليمانية ثاني أكبر مدن إقليم كردستان العراق.

وتشعر تارا بالقلق من كون برزاني يستغل رغبة الأكراد القديمة في الاستقلال لتأمين مكاسب سياسية.

وترى أنه حتى لو أُنشئت دولة كردية فإنه في ظل الظروف السياسية الراهنة، لن تشهد حياة الناس تغيرات كبيرة.

وتقول تارا: «إذا كان موضوع الاستفتاء هذا برمته  يستهدف بالفعل مصلحة الشعب، كان من الممكن أن يُحدث ذلك فرقا، ولكنه ما هو إلا مجرد مطلب أناني من رئيس همه الوحيد هو الحفاظ على مقعده وأن يصبح رئيسًا لدولة كردستان المستقلة الجديدة!»

وتضيف: «إننا نواجه في المنطقة حاليا  قضايا أكبر تحتاج إلى حلول قبل المطالبة باستقلال كردستان».

وتتفق معها سولين صلاح الدين، 22 عاما، من السليمانية.

فتقول «يحتاج  الشباب في إقليم كردستان الآن  الى حرية الكتابة وحرية التعبير والاستقلال الذاتي …أعتقد أننا كشعب إقليم كردستان يجب أن نعمل على هذه النقاط قبل التوجه الى الاستفتاء».

ومع ذلك، فهي لا تعتقد أن السلطات السياسية الحالية ستنفذ هذه الإصلاحات.

إذ تضيف: «ليس لدي ثقة في الحكومة الكردية».

لا يثق الكثير من الشباب الكردي بالقادة، و هم منقسمون بشأن التصويت على استقلال اقليمهم. الصورة: رويترز

كما أنها ترى أنه لا سبيل لإنعاش الاقتصاد في ظل مناخ قائم على الطائفية السياسية.

وتعتقد بأنه سوف يصبح أكثر انغلاقا إذا تم إجراء الاستفتاء قبل الأوان.

وتضيف قائلةً: «بشكل عام، إذا لم تدخل عالم السياسة، فمن الصعب حقا أن يكون لديك مستقبل مشرق هنا في كردستان … الإستفتاء يمثل خطوة هامة حقا لكردستان، ولكن بشرط أن يتم في ظل الوضع الصحيح».

من جانبها، تعترف شانو بأن الشباب الذين تقابلهم غالبا ما يبدون تشاؤمهم بشأن مستقبل الأوضاع في كردستان.

تقول «أحاول أن أقترح على الناس تعلم شيء جديد أو تنمية مهاراتهم وتطوير أنفسهم. فيقولون بأنه ليس هناك حاجة للقيام بذلك، عندما يكون لديك واسطة يمكنك بسهولة الحصول على وظيفة. إنهم فقدوا الأمل».

ويرى كمال شوماني، وهو محلل سياسي وصحفي، أن الشباب يتعاملون بحالة من اللامبالاة تجاه ما يشعرون بأنه تصويت استقلال مُسيس بدرجة كبيرة.

يقول شوماني: «في أربيل عندما يكون هناك مباراة بين فريقي ريال مدريد وبرشلونة، ترى الشباب يخرجون الى الشوارع  للاحتفال عندما يفوز فريقهم. ولكن عندما أعلنت القيادة الكردية عن الاستفتاء لم يهتم أحد، ولم يحتفل أحد».

أما نوح قادر، وهو عاطل عن العمل يبلغ من العمر 21 عاما، فلديه رأي مختلف.

إذ يقول «أريد الاستفتاء – أريده من أجل الحرية». وهو، ككثير من الأكراد، يستشهد بعمليات القتل الجماعي التي ارتكبتها الحكومات العراقية بحق الأكراد ويعتبرها السبب الرئيسي في الرغبة في الاستقلال. ويضيف «نريد الحرية مثل أرمينيا، ومثل جنوب السودان، نحن لا نريد أن نرى التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى».

وفي حين أن المؤسسة السياسية تميل إلى تجنب إثارة النعرات العرقية بشكل صريح، إلا أن قادر يعبر بصوتٍ عالٍ عن موقف الرأي العام في الشارع من هذا الأمر، فيقول: «إن الأكراد مختلفون عن الشعب العربي».

وبالاك، بائع الحلوى، هو أكثر صراحةً، فيقول «العرب ليسوا شعبا طيبا. إنهم لا يحبوننا ونحن لا نحبهم».

لكن محمودي، وهو عضو في الجيش العراقي ويبلغ من العمر 21 عاما ويقيم حاليا في أربيل، يقول إنه يؤيد إجراء التصويت على استقلال كردستان.

ويضيف محمودي: «سأكون فخورا إذا اصبحت كردستان دولة … فهذه هي منطقتهم (الأكراد)».

لكن الحدود المستقبلية لدولة كردستان ستبقى أحد النقاط الشائكة بين حكومة إقليم كردستان وبغداد، خاصةً مع ظهور قضية محافظة كركوك الغنية بالنفط باعتبارها قضية حساسة على نحو متزايد.

يقول محمودي: «إذا تركوا كركوك، فلن تكون هناك مشكلة في استقلال الأكراد».

ويضيف: «لكن إذا أخذوا كركوك فان الحرب ستندلع (بين الأكراد وبغداد) … وسأكون أول من يقاتلهم».

وبينما يعرب باكستيار غوران، البالغ من العمر 25 عاما، عن قلقه إزاء الوضع الأمني الهش، يقول أن إقامة دولة كردية هي فرصة في متناول اليد وهي خطوة هامة يجب تمريرها.

يقول باكستيار، الذي يعمل مع وزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، والصحفي في جريدة كردستان 24: «إنها فرصة لشعب إقليم كردستان لتحديد مستقبله رسميًا. هذا المستقبل الذي سيكون مجهولًا ومحفوفًا بالمخاطر إذا بقينا ضمن العراق.»

وما زال البعض الآخر، من أمثال عمر البالغ من العمر 20 عاما، غير متحمس بشأن ما إذا كان إجراء استفتاء سبتمبر/ أيلول في صالح الشعب الكردي.

ويرى أنه وسط كل هذه المواقف السياسية والوضع المتأزم، لا تزال الكثير من التفاصيل بحاجة لتوضيح.

ويقول عمر: «ماذا سنفعل بعد ذلك؟ أريد أن أعرف. كيف سيوفرون لنا الوظائف؟ كيف سيمنحوننا حياة أفضل؟ ما هي خطتهم لتزويدنا بالمال؟ أريد أن يشرح لي أحدهم الأمر.»

Facebook Comments

Post a comment