الشرق الأوسط في ٢٠١٧: صراعات مستمرة في ٢٠١٨

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

أبرز ملفات ساخنة في الشرق الأوسط خلال العام 2017 والتي حملنا بعضها من العام الماضي وقد تستمر تداعيات معظمها حتى العام القادم وتعيد نيوزويك الشرق الأوسط تلخيصها عن المقالات التحليلية التي كانت قد نشرتها في السابق وتتناول تلك الصراعات:

القدس والقضية الفلسطينية

الصورة في فلسطين قاتمة بُعَيد إعلان الرئيس الأميركي أن القدس هي عاصمة إسرائيل، في خرق سافر للمواثيق الدولية والتي رفضت أغلبية دول العالم الأخذ بهذا الإعلان على الرغم من تهديد ترمب بقطع المعونة عن الدول التي صوتت ضد قراره في الأمم المتحدة.

مئات الفلسطينيين القتلى والجرحى ويقابل ذلك ارتفاع أعداد الفلسطينيين الذين تعتقلهم القوات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة في الضفة الغربية يومياً، وقصف إسرائيلي عشوائي ومُرَكّز على قطاع غزة المُحاصر منذ عقد من الزمن، واستمرار المظاهرات والمواجهات بين الفلسطينيين وقوات الإحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس وغزة. كل هذه الأمور تُشير إلى أنه لا حل يلوح  في الأفق وأن العام ٢٠١٧ سيُحمّل تَرِكةً قديمة-متجددة للعام المقبل.

فهناك أكثر من ٦٠ قراراً أممياً وأوروبياً صدر بشأن القدس بدون تنفيذ، أوّلها كان قرار تدويل القدس في 9 ديسمبر، 1947، وآخرها قرار مجلس الأمن رقم ٢٣٣٤ الصادر في ٢٣ ديسمبر ٢٠١٦ الذي يقضي بأن إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، ومن ضمنها القدس الشرقية، لا يتمتع بأي شرعية قانونية. كما و«يطالب» كالعادة، إسرائيل «بوقف فوري لجميع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية».

هذه الأنشطة الإستيطانية عادت إلى الواجهة وبقوة بدعم من موقف ترمب. والعالم رفض محاولتين إسرائيليتين في العام ١٩٤٩ والعام ١٩٨٨ باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل كما رفض إعلان ترمب يوم الجمعة ٨ ديسمبر ٢٠١٧ بأن القدس عاصمة لإسرائيل.

وكان الفلسطينيون تحديداً والعرب بشكل عام قد قبلوا مسألة تقسيم القدس لجزئين (شرقي عاصمة لفلسطين وغربي عاصمة لإسرائيل) في إطار تقديمهم تنازلات من أجل الوصول لسلام شامل يسمح بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين الفلسطينيين. لكن إسرائيل ماطلت ولم تُنفّذ أي من الاتفاقيات التي أبرمتها.

والعرب، عدا عن الحروب الكلامية التي شنوها على صفحات وسائل الإعلام القديم والحديث، ومحاولتهم اليتيمة لتمرير قرار دولي، لم يتحركوا بعد. حتى عندما اغتالت إسرائيل شاباً فلسطينياً مُقعداً على مرأى من العالم، وحتى عندما اعتقل الإسرائيليون أيقونة النضال الفلسطيني الفتاة عهد التميمي (16 عاماً) ووالدتها ناريمان وشقيقتها نور وأصابوا إبن عمهم محمد (14 عاماً) بطلق ناري في وجهه يقبع بسببه في غيبوبة في المستشفى.

قد تنتظر فلسطين طويلاً، في حال كانت تتوقع تحرك الجيوش العربية أو محاولة بعض الدول القيام بخطوات جدّية لمساعدتها… لكن، وفي ظل التجربة والواقع، قد ينفض الفلسطينيون يدهم من الأشقاء والعالم ليتجهوا نحو انتفاضة ثالثة.

بين لبنان والجولان وسوريا

وفي موازاة التصعيد في فلسطين، يُطالعنا تحركان إسرائيليان في لبنان وسوريا. الأول يتمثل بمحاولة إسرائيل بناء جدار فصل على طول الخط الأزرق في لبنان، يوازي جدار الفصل الذي أقامته لعزل البلدات الفلسطينية ولقضم آلاف الهكتارات من الأراضي الفلسطينية. ولمن لا يعرف الخط الأزرق، فهو، وبحسب الأمم المتحدة نفسها، خط ترسيم انسحاب قوات الإحتلال الإسرائيلية من معظم الأراضي اللبنانية في العام 2000 وليس ترسيم الحدود بتاتاً خاصة أن لبنان يعترض على عشرات نقاط الترسيم على طول الخط الأزرق والتي هي أراضٍ لبنانية ويُقال أن إسرائيل تسعى لضمّها بسبب موقعها الإستراتيجي وغناها بالمياه العذبة التي تفتقر إليها إسرائيل. الجبهة اللبنانية-السورية الجنوبية تلوح بتباشير الغليان من الجولان في سوريا، التي تود إسرائيل ضمّها خلافاً للقرارات الدولية، إلى مزارع شبعا وكفرشوبا والعرقوب والجزء اللبناني من الغجر وبركة النقّار وغيرها من المناطق الجنوبية اللبنانية المُثبتة والمتنازع عليها. وليس آخر تلك التباشير قيام الجيش الإسرائيلي برمي قنابل دخانية على دورية تابعة لمخابرات الجيش اللبناني داخل الأراضي اللبنانية في نوفمبر الماضي.
وإزاء تلهي العالم بأجمعه في قضية فلسطين ومهاترات ترمب وتهديدات كوريا الشمالية والتوتر الأمني بين السعودية وإيران، تقتنص إسرائيل الفرصة مجدداً لتوسيع رقعة تهويدها للجولان السوري المُحتل والتي كان رئيس وزراء إسرائيل قد قال العام الماضي إنها ستُضَم للكيان العبري، ولم يرف جفن أحد على الرغم من أن الأمم المتحدة (سامحونا على تكرار النغمة نفسها) تمنع ضم أراضي دولة أممية لدولة أخرى غصباً، وهناك قرارات صادرة بحق الجولان تماماً كالقدس… لكن يبدو أن «دق المي، مي» بحسب المثل اللبناني، ويعني أنه لا فائدة من ضرب جثة هامدة.

وفي الداخل السوري، يبدو أن الحكومة السورية والقوات الروسية والميليشيات المسلحة التي تُقاتل بجانبها والمدعومة من إيران باتت تُسيطر على أغلبية مناطق النزاع الذي يدخل عامه السابع وساهم بتهجير ما يزيد عن 6 ملايين سوري خارج بلادهم ومقتل واختفاء مئات الألوف من السوريين في أحد أكثر نزاعات العقد الماضي شراسة.

وفي هذا الإطار فقد قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وإثر زيارة خاطفة للقاعدة العسكرية الروسية حميميم في سوريا، خفض عديد قواته العسكرية المُشاركة في في الحرب التي تدور رُحاها بين الحكومة السورية وحلفائها بوجه فصائل المُعارضة المسلحة وإرهابيو داعش وجبهة النُصرة (ذراع تنظيم القاعدة في الشام والعراق).

ومع دخول القوات الأميركية على خط المواجهات وإعلان تركيا عن أطماعها بإقامة مناطق عازلة داخل الأراضي السورية، واستمرار المواجهات بين الأكراد في الداخل السوري بدعم من الولايات المتحدة ضد الأتراك، في ظل الصراع الخفي-العلني بين إدارة ترمب والرئيس التركي رجب الطيب أردوغان (الذي بات الصديق الصدوق لحسن روحاني، رئيس إيران عدو أميركا)، وفي ظل امتناع الحكومة السورية عن متابعة أي مفاوضات مشروطة مُسبقاً يُصر عليها أطياف المُعارضة السورية غير الموحدين حتى اليوم، يبدو أنه لا حل قريب في الأفق، وستستمر سوريا بالمعاناة في وقت يستمر رعاياها النازحين واللاجئين بوضع مزيد من الضغوط الإقتصادية والإجتماعية وحتى السياسية على دول الجوار التي تستضيفهم كالأردن ولبنان وتركيا والعراق.

الحرب في اليمن في ظل الصراع السعودي-الإيراني

وعلى خطٍ موازي، تستمر تبعات الصراع بين قطبي العالم الإسلامي في الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر احتراقاً في العالم، في ترجمة حيثياتها الأكثر وضوحاً في اليمن. فلا التحالف الذي تترأسه السعودية قادرٌ على حسم معركة طال أمدها أكثر من عامين ضد ميليشيات الأقلية الحوثية المسلحة التي تدعمها إيران، والتي بدورها غير قادرة على تثبيت وضعها على الأرض.

مقتل علي عبدالله صالح في 4 ديسمبر/كانون الأول 2017. صورة من فايسبوك

إغتال الحوثيون الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح الذي كان قد قتل الحوثي الأب في العقد الماضي، ومن ثم تحالف مع الحوثيين ضد السعودية بُعَيدَ إسقاطه، ومن ثم عاد ليقفز على حبال السياسة فيبيع حلفائه الألداء ليضع يده بيد السعوديين وهو ما لم يتقبله الحوثيون، فكانت نهايته. ومع استمرار الغارات الجوية السعودية، استعان الحوثيون بالصواريخ الباليستية التي قالت لواشنطن والرياض أنها إيرانية الصنع.
ومع استمرار الصراع السعودي-الإيراني، يبدو أن أزمة اليمن المستعرة على الحدود الجنوبية للمملكة لن تُحل إلّا عندما تجلس كل من طهران والرياض إلى طاولة حوار صريح وتضعان النقاط على الحروف دون أي تدخلات غربية أميركية كانت أم روسية. وستستمر معاناة شعب اليمن الذي يواجه الكوليرا والمجاعة والفقر والتشرد والأوبئة فيما العالم يقف صامتاً.

عدا عن ذلك، لا نهاية للأزمة. ولربما تكون زيارة المسؤول الإيراني في يناير 2018 للرياض لبحث مسألة الحجاج الإيرانيين، مدخلاً لمفاوضات أخرى، ولربما بمساعٍ حميدة من دولة شقيقة.

الأزمة اللبنانية-السعودية

وكما أن اليمن ساحة للصراع السعودي-الإيراني، كذلك لبنان. 

فإتهمت السعودية لبنان بإعلان الحرب عليها من بوّابة أن حزب الله اللبناني يدرّب الحوثيين الذين كانوا قد أطلقوا صاروخاً باليستياً على الرياض. والاتهام جاء على لسان الوزير السعودي ثامر السبهان المولج على ما يبدو بالملف اللبناني. وكان قبلها قد إلتقى رئيس وزراء لبنان، سعد الحريري بعلي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي، ليتلقى الحريري في إثر ذلك الاجتماع إتصالاً سعودياً (يأمره أو يطلب منه) التوجه نحو المملكة سريعاً. ولم يتوانَ الحريري من التوجه إلى موطنه الثاني، حيث أنه يحمل الجنسية السعودية، ليُفاجأ لبنان بالاستماع لرئيس حكومته يستقيل على شاشة تلفزيون سعودي-إقليمي، ومن الديوان الملكي (كما قيل) في كلمةٍ لم يستسغ نصّها ونظمها اللبنانيون. كادت استقالة الحريري أن تُحدث شرخاً في مجتمع، أقل ما يمكن توصيفه حتى لحظة الإستقالة، بالممزق والمشرذم.

الشرخ لم يحدث، والسبب، عدا عن وقوف اللبنانيين وراء الحريري، هو توافق الإرادات السياسية الأساسية والمؤثرة على الساحة اللبنانية وأعني بذلك رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه برّي.

وقام عون وبرّي بتحريك إحدى أعرق الأجهزة الدبلوماسية في المنطقة في طلب المعونة الدولية، وليتفوق لبنان هذه المرة على السعودية في تحريك العالم بأسره من أجل استرداد الحريري الذي تدخلت لتحريره كل من فرنسا وألمانيا على سبيل المثال لا الحصر. ويقول مراقبون أن السعوديين لم يجدوا حلّاً إزاء تنامي الضغوط الدولية إلا بإعلان أن الحريري سيقوم بمقابلة يبرر فيها أنه غير محتجز، بعدما شكك الفرنسيون في صحة حرّيته. النتيجة كانت عودة الحريري إلى لبنان وتراجعه عن الإستقالة، فيما أعادت المملكة خلط أوراقها فاختفى السبهان بتصريحاته النارية، ولم يُسمع صوت السفير السعودي منذ فترة بعدما كان ذلك الموقع يُستخدم «لتلطيش» لبنان ومسؤوليه بين الحين والآخر.

ولعل الأمر يعود إلى تنبه المسؤولين السعوديين إلى أن من كان يُعطيهم النصيحة في الماضي عن الشأن اللبناني كان يُعمي بصيرتهم عن وقائع كانت -لو قُدِّرَ لهم أن يعرفوها مُسبقاً- لتعفيهم من المشكلة الدولية التي وقعوا فيها. أو لربما هناك أوراق لم يتم استعمالها بعد والمملكة تُحَضِّر لجولة ثأر قادمة نراها في العام 2018.

الأزمة الخليجية

أمّا في الشأن الخليجي، وبعدما اعتقد الكثيرون أن بوادر حلحلة الأزمة مع قطر بدأت تظهر في يوليو 2017، في إثر المساعي الحسنة التي فرضها أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح (88 عاماً) خلال جولاته المكوكية بين دول الخليج المتناحرة (السعودية والبحرين والإمارات  مقابل قطر)،وبعدما أعلنت دول الرباعية (مصر تقف مع الدول الخليجية الثلاث المقاطعة للدوحة)، عن تخصيص ممرات جوية للطوارئ تستطيع الطائرات القطرية الاستفادة منها، ظلت الأزمة الخليجية الأعنف منذ عقدين في وضعية: مكانك راوح. فبدعم من إيران التي فتحت مجالها الجوّي لها، وعدم مقاطعة سلطنة عُمان والكويت لقطر، وبدعم دولي من بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا (بحسب تصريحات وزراء خارجية تلك الدول) بدأت الدوحة بتقوية اقتصادها الداخلي وقطاع الصناعة للإعتماد على ذاتها. وطالعتنا أنباء عن استيراد قطر للأبقار والمواشي وفتح مصانع انتاج وتعليب مشتقات الحليب وغيرها من المواد، ويبدو أن المقاطعة والحظر الجوي الذي فرضته دول الرباعية لم يأتِ بتأثير كبير في الضغط على آل ثاني في قطر من أجل تغيير موقفهم.

والوضع باقٍ على ما هو عليه: دول الرباعية تتهم الدوحة بتمويل الإرهاب وتُطالبها بالإمتثال للائحة مطالب كانوا قد وضعوها وتتضمن إغلاق قناة الجزيرة التي تتخذ من الدوحة مقراً لها، ووقف دعم الإرهاب وترحيل اعضاء وقياديي تنظيم الإخوان المسلمين، المحظور خليجياً، من قطر… في المقابل ترفض الدوحة، التي تستضيف الداعية يوسف قرضاوي وغيره من قادة الإخوان المسلمين (وهو تنظيم على لائحة الإرهاب الخليجية) الإتهامات الموجهة لها وتتمسك بالحل السياسي المتمثل بطاولة حوار بلا شروط. في نوفمبر طالعتنا تسريبات لمسؤولين خليجيين يقولون أن قطر قد التزمت ببعض شروط اللائحة، وقد يكون هذا مفتاح أمل لحل قريب للأزمة… لكنني لن أعلّق أمالاً  كبيرة على الموضوع، لأن أي شيء جائز في هذه البقعة الجغرافية والمستجدات تتغير باستمرار.