الشر الكامن… الإنتقام من عوائل داعش في الموصل

');

سؤدد الصالحي

نيوزويك الشرق الأوسط

بعد هزيمة تنظيم داعش وطرده من الموصل، ثاني  أكبر مدينة في العراق – إذ تم الإعلان عن تحرير المدينة ليل الاثنين  10 يوليو/تموز- يمكننا أن نتخيّل الفظائع التي ارتكبها هذا التنظيم الإرهابي بحق السُكّان في المدينة وضواحيها.

فالآثار ما زالت تشهد على وحشية هذا التنظيم، وهي تصرخ بوجه الناظرين من خلال الشقوق وثقوب الرصاص في  كل مبنى.

كانت حملة تحرير الموصل ونينوى من قبضة داعش مثمرة بالفعل. فمع تحرير الموصل بالكامل يوم الاثنين  10 يوليو، وفقاً لإعلان رئيس الوزراء حيدر العبادي، تمّ تطهير معظم تلك المنطقة العراقية وتحريرها من قبضة الإرهاب.

ومع ذلك، فإن هتافات الفرح التي أعقبت عملية التحرير كانت تخفي سراً قبيحاً؛ سراً ملطخاً بدماء الانتقام والاغتيالات السريّة والمطاردات.

فمنذ وقت ليس ببعيد، منذ حوالي الشهر تقريباً، تجمّع عشرات الرجال أمام أحد المتاجر في  بلدة قيارة، شمالي العراق، على بعد 60 كيلومتر  جنوب الموصل، إستجابةً لدعوة أحد الشباب.

وقد ظهر الشاب صاحب الدعوة وهو يقبض على يد رجلٍ آخر يرتدي «دشداشة» زرقاء (وهو ثوب عربي فلكلوري) ووجهه مُغطى بكوفية من اللونين الأسود والأحمر (وشاح رأس للرجال) مُزيّن بعلامات سوداء متقاطعة. أخذ الشاب يصرخ قائلاً «هذا (الرجل) هو أبو حسون، أخو ماجد عبد الرحمن. لقد كان يدعو لهم (لداعش) في المسجد، فهل يجب عليه مغادرة المدينة أم البقاء؟»

جرّد الشاب – الذي كان يرتدي قميصاً أخضراً مزخرف بنقوشٍ إنجليزية وسروال أخضر – وجه الرجل المُسن، بينما هتف الحشد ثلاث مرات بصوت احتفالي مطالباً برحيله. «يجب أن يغادر، يجب أن يغادر، يجب أن يغادر.»

وكانت مدينة قيارة قد سقطت في أيدي داعش منذ نحو ثلاث سنوات، في  يونيو 2014، تماماً مثل جميع مدن وبلدات وقرى محافظة نينوى، وبنفس سرعة معدل الإنهيار الهائل للجيش العراقي في ذلك الوقت، أو ربما أبطأ بقليل.

وفي  25 يونيو، قام ناشطون بنشر شريط فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي يُظهر جثتين  لقتلى، إحداها كانت جثة لرجل مُستلقي على جانبه الأيسر ووجهه مُغطى بالدم.

والثاني وجهه للأسفل بينما الجانب الأيسر من وجهه مُغطى بالغبار. وكانت كلتا الجثتين شبه عاريتين وأيديهما مُقيدة خلف ظهورهما.

وأظهر الفيديو عشرات الأشخاص يحيطون بالجثث، بعضهم كان يصوّر المشهد، ولكن كان هناك آخرون يركلون الجثتين الهامدتين.

ويظهر في نهاية الفيديو، الذي لا تتجاوز مدته 19 ثانية، أن الجثث قد تمّ سحلها عبر شوارع المدينة.

من جانبه قال العميد واثق الحمداني قائد الشرطة المحلية في الموصل، في حديث منفصل، «إن هؤلاء القتلة مجرمون. هم حاولوا مهاجمة نقطة تفتيش أمنيّة محلية وتمت مطاردتهم وقتلهم من قبل المواطنين.»

بينما أوضحت مصادرٌ محلية عدّة في الموصل إلى نيوزويك الشرق الأوسط إن الجثث هي لإثنين من مقاتلي داعش الذين كانوا قد حاولوا الهروب من حاجز أمني تابع للجيش العراقي، إذ لم يكن بحوزتهم سجلات وكانوا يختبئون بين الناس.

وأضافت المصادر ذاتها أن مُسلحي داعش المزعومين تعرضوا للطعن حتى الموت من قبل المواطنين في الجانب الشرقي من الموصل، ولكن لا توجد أية دلائل تُشير إلى أنّهم كانوا يحاولون القيام بأي هجوم.

ولم تتمكن نيوزويك الشرق الأوسط من التحقق من صحة أقوال المصادر أو الحادث نفسه.

يقول زهير الجبوري، عضو المجلس المحلي في الموصل في حديث مع نيوزويك الشرق الأوسط إنّ هناك الكثير منهم (مقاتلو داعش) الذين “لا يزالون أحراراً في الموصل. إنهم ما زالوا يحتفظون ببؤر هناك. ففي النهاية لابد أن عائلاتهم ستمنحهم الملاذ.”

مشاهد الدمار في الموصل. -رويترز

والموصل هي أيضاً أكبر مدينة عراقية من حيث عدد السُكّان، إذ يُقدّر عدد سكانها بنحو ١،٥مليون نسمة، معظمهم بقوا في منازلهم عندما اقتحم داعش المنطقة ووضعها تحت حكمٍ صارمٍ بالدم والإرهاب إستمر لمدة ثلاث سنوات.

وعلى مدى الأشهر التسعة الماضية، أقام الجيش العراقي خمس نقاط تفتيشٍ أمنيّة في محافظة نينوى. وقام أفراد الجيش بإجلاء النازحين من خط المواجهة عبر نقاط التفتيش الأمنية هذه.

ولسوء الحظ تمكّن بعض مقاتلي داعش من الفرار من نقاط التفتيش تلك.

ووفقاً لمصادر عسكريّة ومحلية، فإن البعض لم يكن لديهم سجلات جنائية، بينما قرر آخرون البقاء في منازلهم، أو ترك ساحات القتال من تلقاء أنفسهم، وربما حصل بعضهم على مساعدة من ضابطٍ فاسد، تمكّنوا على إثرها من أن يعيشوا أحراراً.

تقول راشيل، وهي مُوصلية تعيش في الجانب الشرقي من المدينة، لنيوزويك الشرق الأوسط: “بعضهم غيّر بطاقات الهوية والملابس، وحلقوا لحاهم أو بقوا في منازلهم.”

ونتيجة للخوف، تضيف راشيل، التي فضلّت استخدام إسمٍ مستعار، “من الناحية القانونية، لا تستطيع السلطات أن تفعل أي شيء لمعاقبتهم، لأنه ليس لديهم سجلات جنائية، ومعظم الناس ما زالوا يرفضون الإدلاء بشهاداتهم ضدهم.”

ويقول ضابط الشرطة المحلية(رفض ذكر اسمه) لنيوزويك الشرق الأوسط إن ما يزيد الأمور سوءاً هو أن الناس”مصممون على إنفاذ القانون بأنفسهم،” مفسراً ذلك بأن الناس لا يثقون بالأجهزة الأمنية.”

ويضيف ”لقد قرروا أنهم لا يريدون أن يعانوا (بسبب داعش) مرة أخرى.”

وفي الوقت نفسه، تشهد الموصل والبلدات المحيطة بها، عمليات إعدام صامتة “شبه يومية.”

وتدّعي الشرطة أنّ عشرات الجثث التي تظهر في الشوارع تخصّ مقاتلي داعش أو الذين تعاونوا مع التنظيم.

وقد قُتل بعضهم مِن قِبل عائلات ضحايا داعش، ولا سيما أولئك الذين لم تتمكن الشرطة من إدانتهم بصورة قانونية.

وبهدف تقليل حدّة التوتر والسيطرة على عمليات القتل غير القانونية، صوّت أعضاء المجلس المحلي في الموصل على قرار يقضي بترحيل أُسر مقاتلي داعش إلى معسكرات معزولة أُنشئت خارج المدينة.

بيد أن القرار ينتظر موافقة الحكومة الفيدرالية.

وكانت أم ليث، زوجة فرد تابع لداعش في منطقة حمام العليل هي الوحيدة التي قبلت التحدث إلى نيوزويك الشرق الأوسط، فقالت ”أخذوا زوجي وتركونا من دون معيل.”

وأضافت “لم يكن مقاتلاً، ولم يفعل أي شيء، كان يقف فقط مع رجال الحسبة التابعين لداعش (أفراد من تنظيم داعش مسؤولين عن جمع الفريضة المالية على السُكّان في الشارع)، وكان يُصلي معهم في المسجد.”

كما قالت ”أنا لست خائفة. لماذا أخاف؟ أخذوا زوجي الذي يقولون إنه كان يعمل مع داعش، إذن ليس لديهم ما يفعلونه معي ولا مع أبنائي (لديها خمسة أبناء ذكور).”

وتقول أم ليث إنها لا تعرف مَن أخذ زوجها وما هو مصيره، في حين أن ضابطاً عراقياً على دراية بقضيتها، قال لنيوزويك الشرق الأوسط إن قوات الأمن العراقية إعتقلت زوجها لأنّه كان عضواً في داعش وقُدّمت ضدّه العديد من الدعاوى القضائية.

وكشف الضابط أن زوج أم ليث “مسجونٌ في قاعدة في القيارة.”

ومن جانبه يقول حكمت أحمد، أحد المحامين المحليين في الموصل، لنيوزويك الشرق الأوسط “كل الدلائل تشير إلى أننا (شعب الموصل) دخلنا دائرة الانتقام، وسيكون من الصعب الخروج منها.”

وأضاف أحمد ”إن معظم عائلات أعضاء داعش تشعر بالذعر الآن لأنّّها تتلقى تهديدات وبعضهم قُتل بالفعل، وبالتالي لا يمكن أن يكون الحلّ هو عزلهم عن الآخرين.”

وفي الوقت نفسه، فإن أكثر من 900 ألف شخص قد تمّ إجلاؤهم من قبل قوات الأمن العراقية من منطقة الحرب في الموصل والبلدات المحيطة بها خلال الأشهر التسعة الماضية، ولم يعودوا إلى ديارهم بعد بسبب عدم توفر الخدمات الأساسية اليومية بما في ذلك المياه والكهرباء، وذلك بحسب ما صرح به اللواء بسيم الطائي، رئيس فريق حكوميّ مشترك يساهم في أعمال إغاثة النازحين في نينوى.

ووفقاً لإحصاءات بعثة الأمم المتّحدة لمساعدة العراق بشأن ضحايا الإرهاب والعنف والنزاعات المسلحة في العراق خلال الأشهر الخمسة الماضية، فإنه قد قُتل أكثر من 2400 مدني في الموصل وضواحيها منذ أكتوبر 2016.

وقال مسؤولون محليون وفيدراليون لنيوزويك الشرق الأوسط إن حجم الدمار الذي لحق بالمشاريع ذات الصلة بالبنية التحتية والممتلكات الخاصّة في الموصل منذ استيلاء داعش على المدينة تجاوز 50 في المئة، تركز معظمه في الجانب الأيمن من المدينة.

Facebook Comments

Post a comment