العراق: غَضَبُ الموصل

');

إميلي فيلدمان

نيوزويك

بعد أيام من فرار تنظيم داعش الإرهابي من الموصل، كان سعيد قريشي في مكتب قاضٍ في محافظة نينوى العراقية عندما وصلت سيدتان.
كانتا تُسلِّمان أشخاص يشتبه بوجود علاقات لهم مع داعش. لم يكن هؤلاء مقاتلين أقوياء أو حتى مؤيدين، بل كانوا أطفالهما، وجميعهم تحت سن الثالثة.
تقول السيدتان: «لا نريدهم، آباؤهم من تنظيم داعش وقد اغتصبونا».
كان قريشي يراقب السيدتين وهما تغادران المكان تاركتين وراءهما أطفالهما الصغار يبكون.
وتساءل إن كانت عائلتا السيدتين قد مارستا ضغطاً عليهما لتتخلَّيا عن أطفالهما.
يقول قريشي، وهو عامل في مجال حقوق الإنسان في العراق، والذي طلب استخدام اسم مستعار خوفاً على سلامته: «كان موقفًا مروعاً، حتى إن كان هذا قرارهما، فالأمر لم يكن سهلاً».
لم تكن هذه الواقعة الوحيدة ؛ ففي الشهور المنصرمة منذ أن طردت القواتُ العراقية داعش من الموصل، كان أولئك الذين يعانون من المعاملة الوحشية للجماعة متعطشين للانتقام.
وقد قطع الكثير منهم علاقتهم بعائلاتهم واتهموا جيرانهم بجرائم متصلة بداعش.
في حين اعتبر البعض أنفسهم قوات إنفاذ قانون ينفذون العدالة بالشكل المناسب لهم.
في وقت سابق من هذا العام، اكتشف موظفو الإغاثة والصحفيون أكثر من 24 جثةً تطفو على سطح نهر دجلة بالقرب من الموصل.
كان القتلى- الكثير منهم كان مقيداًا ومعصوب العينين- من المشتبه في انتمائهم لداعش، ومن المرجح أنه قد تم إعدامهم من قِبَل القوات التابعة للدولة.
لدى ضحايا داعش سببٌ وجيهٌ للغضب؛ فبعد الاستيلاء على الموصل في يونيو/حزيران 2014، فرضت قوات داعش قوانينها المتشددة- ممنوع تدخين السجائر، ممنوع الاختلاط بين الرجال والنساء، ممنوع الاستماع إلى الموسيقى أو الاستخدام الشخصي للإنترنت- على المدينة التي يسكنها نحو مليون مواطن.
وتعرض المواطنون المدنيون بشكل روتيني للتعذيب وأُعدم بعضهم.
كما احتل عناصر التنظيم المنازل وأخذوا ما يحلو لهم. وقاموا بتدريب الأطفال ليصبحوا عسكريين، واستعبدوا النساء والأطفال.
عندما بدأت القوات المدعومة من الولايات المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بطرد المقاتلين من المدينة، ثارت حفيظة التنظيم وبدأ بإعدام الجواسيس المشتبه فيهم والمدنيين الذين يحاولون الفرار.
وقد تسببت القوات في قتل وإصابة أكثر من 8 آلاف من أفراد قوات الأمن العراقيَّة قبل خسارة الموصل في أوائل يوليو/تموز.

إن مستوى الغضب ضد المتعاطفين الآن هو نفس مقدار الغضب منذ عقدٍ مضى خلال أكثر السنوات دموية في حرب العراق.

واليوم، يبدو عددٌ قليلٌ من العراقيين قلقين بشأن معاملة المشتبه في تورطهم مع داعش وأُسَرِهم.
ويتجنب محامو الدفاع عملاء داعش خوفاً من النفي والقصاص.
زاد هذا الخوف مؤخراً، كما ذكرت تقارير هيومان رايتس ووتش، بعد أن أصدرت السلطات العراقية مذكرات اعتقال لما يزيد عن 12 من المحامين الذين يدافعون عن مُشتَبَهي داعش.
وقد اتُّهِم جميعهم بالإنتماء لتنظيم داعش.
والأشخاص الوحيدون الذين يرغبون في دعم المتهمين، هم مجموعة صغيرة من العاملين في مجال حقوق الإنسان.
كان سكوت بورتمان واحداً منهم؛ فهو مدير فرع هارتلاند ألاينس إنترناشونال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي منظمة غير ربحية مقرها الولايات المتحدة توظف محامين محليين وأخصائيين اجتماعيين في العراق.
يقول بورتمان إن مشاكل العقاب الحالية في البلاد تعود إلى عام 2015 عندما كثّفت قوات التحالف العراقية هجومها ضد المقاتلين المسلحين.
فقد ذكر السكان المحليّون أن القوات الحكومية والميلشيات قامت في تكريت والرمادي والفلوجة بإعدام وإساءة معاملة المشتبه فيهم من داعش بما في ذلك المراهقين والجنود الأطفال.
وتضاعف عدد الانتهاكات التي تم الإبلاغ عنها خلال معركة الموصل الأخيرة، أكثر المدن اكتظاظاً بالسكان التي سيطر عليها تنظيم داعش في العراق.
يقول بورتمان إن مستوى الغضب ضد المتعاطفين المعروفين الآن هو نفس مقدار الغضب منذ عقدٍ مضى خلال أكثر السنوات دموية في حرب العراق.
قامت قوات الأمن والتي تكبدت الكثير من الخسائر في حربها ضد المقاتلين بتعبئة المئات من مشتبهي داعش- بما فيهم القصَّر- إلى سجون مؤقتة نتنة الرائحة.
واعتقلوا زوجات المقاتلين وأطفالهم في مخيمات.
وفي تقرير صادر عن الأمم المتحدة في يوليو/تموز وصفت أحدث الحوادث التي راح ضحيتها عشرة أشخاص في ثمانية أيام بأنها «حادثة تجردت تماما من المعايير الإنسانيَّة».
جمعت السلطات العراقية منذ ذلك الوقت 1400 من زوجات وأطفال مشتبهي داعش على الأقل (على الرغم من عدم مثول أي منهم أمام القاضي). ويزعمون أن أحد أسباب قيامهم بذلك هو خوفهم من الهجمات الانتقامية. يقول بورتمان: «من الصعب السيطرة على رغبة الأشخاص في القصاص، عندما يفقدون الكثير من أصدقائهم».

الرغبة في الانتقام

إن الرغبة في الانتقام تجعل من الصعب ضمان القيام بالإجراءات القانونية الواجبة في المحاكم.
حتى المشتبه فيهم الذين يدافع عنهم محامون جيدون قد يواجهون مسؤولين عديمي الخبرة أو مغمورين أو حاقدين. يقول قريشي الذي يدير ورش عمل هارتلاند التدريبية للقضاة ووكلاء النيابة إن بعض المسؤولين يتعاطفون مع المقاتلين الصغار أو الأشخاص الذين أُجبروا على الانضمام للجماعة. ويرى البعض الآخر، كأحد وكلاء النيابة الذين قابلهم في ورشة عمل، أنه لا فرق بين قائد في تنظيم داعش ومجند يبلغ من العمر 12 عاماً.
يتذكر قريشي كلمات الرجل وهو يقول: «يجب علينا أن نحرقهم».
يجعل العدد الهائل من المحتجزين الوضع أكثر صعوبةً. يقول قريشي إن السلطات العراقية والكردية قد احتجزت حوالي 5 آلاف من الأحداث المرتبطين بتنظيم داعش. أدى الازدحام إلى تراكم القضايا في محاكم البلد، فقد ينتظر المشتبه فيهم شهوراً ليقابلوا القاضي. وعندما تتم المقابلة أخيراً فعادةً ما يكون الوقت الذي يقضيه القضاة للنظر في قضاياهم وقتاً وجيزاً.
وكانت محكمة نينوى لمكافحة الإرهاب، والتي كانت تنعقد في منزل مهجور، تعمل على النظر في ألفي قضية في أوائل يوليو/تموز، وفقًا لتقرير هيومان رايتس ووتش.
وذكرت صحيفة «دايلي تليغراف» أن القضاة الـ 12 في تلك المحكمة يستمعون يوميّاً إلى ما بين 40 و50 قضية.

ضحايا داعش متعطِّشون للثأر وسيأخذونه بأي طريقة.. هل سينجح أحد في إيقافهم؟

كانت هارتلاند وغيرها من جماعات حقوق الإنسان تحاول تخفيف هذه المشكلات التي يواجهها مشتبهو داعش، والذين تم اعتقال بعضهم ومن ثم إطلق سراحهم في إحدى المدن فقط لإعادة اعتقالهم في مدينة أخرى.
يقوم الأخصائيون النفسيون والاجتماعيون بلم شمل أفراد الأسر المنفصلة، وإيجاد حلول للأطفال اليتامى، والتحقيق في تقارير سوء المعاملة.
ويقوم فريقهم القانوني بتقديم المشورة لمئات القضاة ووكلاء النيابة والمحامين للنظر بعناية في ظروف كل قضية. ويتساءل قريشي: «هل هؤلاء الأشخاص فعلًا متطرفون ومجرمون؟ أم أنهم أُجبروا على الانضمام لداعش؟»، «هل هؤلاء الأحداث ضحايا، أم قَتَلَة؟»
ويخشى قريشي من أن يكون لسوء المعاملة وإدانة الأشخاص ظلماً عواقب وخيمة.
يمكن أن يتحول الأطفال والنساء المنبوذون، كأولئك المتروكين في محكمة نينوى بسهولة إلى أهداف يمكن تجنيدها من جماعات أكثر تطرفاً.
كما وحذّر من أن وضع القُصَّر خلف القضبان إلى جانب المقاتلين الجهاديين المتشددين قد يخلق جيلاً جديداً من القتلة.
وختم بقوله: «نحن بحاجة إلى أن نجعلهم يدركون أن سيادة القانون تنطبق على الجميع، الضحايا والمجرمين».

Facebook Comments

Post a comment