العلاقات التركية-الأميركية: مستقبل القاعدة الجوية الأمريكية في تركيا قيد النظر

جوزيف هاموند

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

 

حتى في منتصف الصيف التركي القائظ كان الطيارون الأميركيون يتسوقون السترات الجلدية يدوية الصنع من متجر بوبس للمصنوعات الجلدية، الذي يقع على أطراف القاعدة الجوية التابعة للناتو في إنسيرليك، ويعد متجر بوبس واحداً من تلك الشركات التي طالما اعتمدت لعقود على عملاء أمريكيين.
يقول شفق أسيكغوز الذي تدير عائلته متجر بوبس منذ الستينيات أن المتجر لم يستقبل في هذه الأيام أي زائر. وكذلك الحال مع كافة «المحلات التجارية في الزقاق» التي اشتُهرت منذ فترة طويلة ببيع الهدايا التَّذكارية القيمة للجنود الأجانب.
يقول أسيكغوز: «إن هذا الحال قد بدأ منذ عام 2015. ومن بعدها اختفى الأميركيون وراء السياج الطويل الذي يحيط بتلك القاعدة التي قرر الجيش الأمريكي أنه بات من الخطورة جدّاً على الجنود الأمريكيين المغامرة بمغادرتها؛ حيث أصبح هذ المركز التابع للناتو نقطة رئيسة في الحرب على الإرهاب». وتمثل القاعدة الجوية التي تبلغ مساحتها 3320 فداناً موطناً لآلاف الجنود، من بينهم ما يقرب من 2200 جندي أمريكي، وهي تعالج الآن أكثر من ثلث عمليات التزود بالوقود الجوي ضمن «عملية التسوية المتأصلة» -باعتبارها عمليات مناهضة لتنظيم داعش الإرهابي كما هو معروف- بالإضافة إلى خمس عمليات الدعم الجوي المباشر، وفقاً لتقارير البنتاغون.
قريباً قد يرحل هؤلاء العملاء للأبد، بسبب الحرب على الإرهاب، ووضع العلاقات الأمريكية – التركية؛ فخلال الأشهر الأخيرة دعا مزيج غير عادي من الجنرالات الأميركيين والعلمانيين الأتراك إلى إنهاء الوجود الأمريكي في القاعدة. وكغيرها من التحركات المماثلة، فإنه سيكون لها تداعيات عالمية واسعة النطاق وعواقب محلية بالغة، من شأنها أن تعيد تشكيل العلاقات الأمريكية – التركية، إذ أنها ستكون في قوة ضربة قوية للشركات التركية الصغيرة التي تعتمد على حسن النية.
لمدة طويلة كانت إنسيرليك قاعدةً أمريكية حيوية وخطَّ المواجهة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وكان يونيو/ تموز 2016 هو عامَ التغيير بالنسبة للقاعدة؛ حيث وَجدَتْ القاعدة نفسَها في مركز الأزمة عندما شَنَّتْ مجموعةٌ من ضباط الجيش التركي انقلاباً ضد حزب العدالة والتنمية الحاكم في البلاد (غالباً ما يُشار إليه بالحروف التركية الأولى من الاسم AKP). وقد فشل الانقلاب، وفي ذروة الأزمة أظهرت تحقيقات الحكومة التركية تورط الجنرال التركي بكير أركان فان قائد قاعدة إنسرليك في الانقلاب. وقالت السلطات التركية إن الجنرال سمح لطائرة تابعة للمتمردين بإعادة التزود بالوقود في القاعدة خلال الانقلاب. وقد حاول فان طلب اللجوء إلى الولايات المتحدة، ولكن تم رفضه. وقد ذكر دبلوماسي أمريكي تحدث عن الحادث بشكل غير رسمي قائلاً: «إن الوضع في تركيا يدعو إلى القلق؛ لأن العلاقات العسكرية بيننا تعد كحجر الأساس بالنسبة لنا فيما يتعلق بتعميق العلاقات الأميركية – التركية». وهناك بعض التأييد لهذه الخطوة -خاصة بين الأتراك الذين يشتركون في تبني أيديولوجية «الكمالية» القائمة على مبادئ القومية والعلمانية والمستمدة من أفكار الزعيم مصطفى كمال أتاتورك. وأتاتورك الذي كان أول رئيس لتركيا قد بشّر بأيديولوجية علمانية، شديدة القومية ومعتدلة الاشتراكية.
عمر فاضل الذي يعمل في مقهى في مدينة أضنة القريبة – مدينة تركية مترامية الأطراف تقع على بعد 6 أميال فقط من القاعدة الجوية. درس فاضل العلوم السياسية في الجامعة، ولكنه لم يتمكن من العثور سوى على هذه الوظيفة. ويلقي فاضل اللوم على الأمريكيين في رفع الأسعار وأخذ الوظائف في المنطقة على مر السنين.
يقول فاضل مستشهداً بمقولة لمؤسس الجمهورية التركية: «إنني أتبنى الفكر الكمالي بكل فخر، وأرى أن الوجود العسكري الأمريكي في أضنة هو عار على أفكار مصطفى كمال وأفكار تركيا الحرة، هناك فرق بين أن تكون جزءاً من تحالف، وبين السماح لهم بالتواجد في وطنك».
وفاضل ليس وحده؛ ففي مارس/ آذار الماضي، دعتْ صحيفة ذات اتجاه كمالي إلى عدم السماح بتواجد القوات الأمريكية في قاعدة إنسيرليك رداً على الدعم الأميركي للجماعات الكردية.
وبالنسبة للكماليين تعتبر أضنة وضواحيها ذات أهمية خاصة؛ ففي هذا المكان كما يوضح مُتحف التاريخ المحلي بفخر، ظهرَتْ لدى مصطفى كمال الشرارة الأولى لفكرة القتال من أجل خلق الجمهورية التركية من أنقاض الإمبراطورية العثمانية.
وفي عام 1943 وبالقرب من أضنة، استقبل الرئيس إسماعيل إينونو – خليفة كمال- رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل. وفي العام نفسه وضعَتْ تركيا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة الأساس لإنشاء القاعدة بعد الحرب.
وكانت التوترات في إنسيرليك عقب محاولة الانقلاب معقدة بسبب وجود ما لا يقل عن 40 سلاحاً نووياً تكتيكيا أمريكيا في القاعدة وفقاً لتقارير إعلامية.
وفي رد مكتوب على استفسار بشأن وجود أسلحة نووية في القاعدة، كتبت المتحدثة باسم البنتاغون ميشيل بالدانزا تقول: «إننا لا نناقش مواقع أسلحتنا النووية». وقال مصدر مقرب من القيادة المركزية الأمريكية إنه في ضوء التوترات الإقليمية تم إزالة الأسلحة النووية بهدوء.
ويعتقد بعض الأميركيين أيضاً أنه في سياق أحداث يوليو/ تموز 2016، قد حان الوقت للعثور على موطن جديد للأصول الجوية الأمريكية في تركيا. وفي مقالة رأي، كتب تشارلز ولاد، قائد القوات الجوية السابق وقائد القاعدة الجوية، يقول: «لقد حان الوقت لإيجاد بديل لـ إنسيرليك، الحل الأفضل هو بناء مهبط طائرات جديد في العراق – على وجه التحديد، في الأراضي التي تسيطر عليها حكومة إقليم كردستان». كما دعا ولاد أيضاً إلى إغلاق القاعدة الأمريكية في العُديد.
مثل هذا التحرك سوف يكلّف كثيراً. إذ تبلغ تكلفة الخدمات اللوجستية والعمليات أكثر من 5 مليون دولار في اليوم من إجمالي مبلغ 13.2 مليون دولار أمريكي يتم إنفاقه يومياً في المعركة على داعش. ومن الممكن أن يسهم نقل الأصول الجوية الكبيرة من قاعدة إنسيرليك إلى ميدان عمليات آخر أن يزيد هذه التكاليف.
وبالنسبة لأصحاب المتاجر على أطراف إنسيرليك فإن مسألة نقل القاعدة هو أمر لا يمكن تصوره.
وبدلاً من ذلك فإنهم يتطلعون إلى اليوم الذي يُعاد فيه فتح البوابة، والعديد منهم يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي للبقاء على اتصال مع أصدقائهم الأمريكيين.
وبالإضافة إلى متجر بوبس للمصنوعات الجلدية، لا يزال هناك عدد قليل من المحلات التجارية مفتوحة، بينما الحانات الصغيرة، ومحلات الحلي الرخيص، ومحلات الخياطين قد أَغلقت أبوابها. ولا تزال بعض واجهات المحال التجارية الفارغة مغطاة بملصقات تشير إلى الوحدات العسكرية الأمريكية المختلفة التي زارت الموقع. وفي هذه الأيام بات يُسمح فقط للجنود الأتراك بالخروج من القاعدة، ومع ذلك فإن معظمهم يختارون التسوق من مجتمعاتهم المحلية بدلاً من «الزقاق».
يقول أسيكغوز: «لقد سبق بالطبع وتم إغلاق البوابة لمدة ستة أشهر خلال حرب الخليج عام 1991 ولكن الآن مضى عامان على إغلاقها، ولم يحدث من قبل أن يستمر إغلاق البوابات طوال كل هذه المدة، ولا نعرف ما إذا كانت أعمالنا ستصمد أكثر من ذلك أم لا». كما أن البائعين قلقون من إنه عند فتح البوابة، يمكن أن يكون هناك انخفاض حاد في حركة الأعمال التجارية؛ لأن المعالين من الجنود الأمريكيين تم إعادتهم إلى بلادهم في عام 2016.
ويمثل شفق الجيل الثاني من العمل في متجر بوبس للمصنوعات الجلدية؛ إذ بدأ العمل في المتجر في أواخر فترة الستينيات من قبل والد أسيكغوز، ياشار. حيث كانت إنسيرليك في ذلك الوقت أكثر قليلاً من قرية، بينما تعتبر اليوم إحدى ضواحي مدينة أضنة -خامس أكبر مدينة في تركيا من حيث عدد السكان. وقد حرص والد شفق عند فتح المتجر على أن يتعلم ابنه اللغة الإنكليزية للمساعدة في تنمية الأعمال التجارية.
وكان الطيارون الأمريكيون هم العملاء المستهدفين للمتجر، وفي يوم جيد، يمكن أن يبيع المتجر ما يصل إلى عشرة سترات جلدية.
يقول شفق «يستغرق الأمر ست ساعات وعمل ستة عمال لصناعة كل سترة». وأخذ شفق يشرح بشكل تفصيلي عمليات القطع، واللصق، والخياطة، والكي، وتنظيف المنتج النهائي الذي تمر بها كل سترة.
ويقول: «إن كل العاملين في هذه المنطقة يحبون الأميركيين، وأعتقد أن هناك تقارب معين بين الشعب الأمريكي والشعب التركي». ويعتقد شفق أن أحداث عام 2016  قد طُويت صفحتها منذ فترة طويلة من قبل الحكومة التركية، وأنه من غير المرجح أن تتسبب في عرقلة مستقبل القاعدة.
يقول شفق: «إن إغلاق البوابة بسبب المخاوف الأمنية لا يؤثر إلا على أصحاب المحلات التجارية، وليس على العلاقات الأمريكية – التركية، ولكن إذا استمرت الولايات المتحدة في تسليح إرهابيي وحدات حماية الشعب فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى تدهور خطير في العلاقات الأمريكية التركية»، وتجدر الإشارة إلى أن الدولة التركية تنظر إلى المجموعات الكردية في سوريا على أنها منظمة إرهابية.

Facebook Comments

Leave a Reply