العودة الشاقة إلى الديار… قصصٌ إنسانية ما بين الهند وباكستان

');

طابيش خان و سايمة بشير

نيوزويك الشرق الأوسط

يكافح عددٌ من الكشميريين ممن عبروا خط الحدود الفاصل في أوائل التسعينات إلى باكستان ومن ثم عادوا للجزء الهندي من كشمير، من أجل البقاء على قيد الحياة، وذلك بعد أن عادوا إلى منطقة وادي في ظل السياسة التي تتبعها الحكومة الهندية لإعادة تأهيل المقاتلين السابقين. وقد التقى مراسلو نيوزويك الشرق الأوسط في كشمير، طابيش خان وسايمة بشير، عدداً من تلك العائلات، وحاولوا الوقوف على الأسباب التي تقف وراء تلك الحياة البائسة التي يعانون منها بعد عودتهم لديارهم.

البؤس في الوطن غربة

يعيش قاضي بركات -56 عاماً- حياةً بائسةً بعد عودته إلى كشمير في العام 2014. وتأتي عودته في إطار سياسة الحكومة الهندية لإعادة تأهيل المحاربين السابقين.

وكان بركات، وهو من سكان منطقة دلينا فى حي بارامولا، في شمال كشمير، قد توجه إلى باكستان للتدريب على الأسلحة في التسعينات.

يقول: «إشتغلت كعامل إستخراج الجص لدى الجيش الهندي لمدة 12 عاماً قبل الذهاب إلى باكستان».

ورغبةً منه في تحرير كشمير من الهند كما يقول، قام قاضي بعبور خط الحدود الفاصل، والذى يعد أحد أكثر الحدود تسليحاً في العالم –حيث يقسم كشمير إلى قسمين أحدهما واقع تحت السيطرة الهندية، والآخر تحت السيطرة الباكستانية– وذلك للتدريب على إستخدام الأسلحة في الجزء الواقع تحت السيطرة الباكستانية من كشمير.

يسترجع بركات في حديثه مع نيوزويك الشرق الأوسط عن نوعية الحياة في باكستان، وكيف كان الوضع عليه قبل عودته مرة أخرى لكشمير.

« كانت الحياة في باكستان أفضل بكثير منها هنا»، يقول بركات، الذي إستقر الآن في روالبندي، وبدأ العمل في مجال التجارة.

ويضيف: « كانت الحياة بالنسبة لنا مترفة هناك (في باكستان)، وقد قدمت الحكومة (الباكستانية) دعماً مالياً للأسر الكشميرية، حيث كانت تمنح كل شخص 2000 روبية شهرياً من صندوق ماهاجان».

ويكمل بركات: « حينما عدنا إلى الوطن، أصبحت حياتنا بائسة». ويقوم بركات حالياً بإدارة مخبز صغير في ديلينا، ولكنه غير قادر على توفير الحياة الكريمة لأسرته.

وقد ثبت أن سياسة الحكومة لإعادة تأهيل المقاتلين السابقين الراغبين في العودة من كشمير الباكستانية قد باءت بالفشل.

وبالنسبة لبركات، أصبحت سياسة إعادة التأهيل سبباً لانقسام أسرته، فيقول: «جئت إلى كشمير مع زوجتي وابنتي الصغرى وإبني، بينما بناتي الكبريات تزوجن في مظفر آباد، ومنذ العام 2014، لم يُسمح لي بمقابلتهن». ويضيف مستنكراً: «أي سياسة إعادة تأهيل هذه التي تفصل الأب عن بناته؟»

وقد أصبح إبن بركات، وهو مهندس كمبيوتر، عاطلاً عن العمل.

يقول بركات: «إن مؤهله العلمي غير معترف به هنا، ولذلك فهو يقوم بأعمال تجارية في شيملا الآن، ولم يعد يعيش معنا سوى إبنتي الصغرى»، وقد أدى قرار بركات بالعودة لكشمير إلى تشتيت أسرته.

وتعاني العائلات التي عادت، مثل عائلة بركات، من إهمال الحكومة الهندية لها، بالإضافة لنبذ السكان المحليين لهم.

وقد حُرمت هذه العائلات حتى من الوثائق الأساسية مثل بطاقات الهوية الشخصية، وبطاقات التموين، وجوازات السفر، وبات هؤلاء العائدون يشعرون بالعجز مالياً، وكذلك عاطفياً.

 «تُوفيت أمي في العام 2012 عندما كنت في باكستان، وما زلت أتذكر كلماتها الأخيرة «عُد يا بركات، فأنا أريد أن أراك، أريد أن أتحدث إليك، وأريدك أن تكون بجانبي عندما أموت.»»

ولسوء الحظ، لم يستطع بركات تلبية الرغبة الأخيرة لوالدته، مما سبب له الكثير من الألم النفسي، وأرغمه على اتخاذ قرار العودة إلى الديار في العام 2014.

«بعد أن فقدت والدتي، قررت العودة وقضاء بقية حياتي مع إخوتي،» بحسب بركات.

قاضي بركات -56 عاماً

ترويع وتعذيب

وتتذكر غولشان، زوجة بركات، المعاناة التي تعرضت لها هي وأسرتها بعدما توجه زوجها إلى باكستان.

تقول غولشان: «لقد عانينا العذاب من الجيش (الهندي) لمدة خمس سنوات تقريباً بعد أن توجه بركات إلى باكستان».

وتضيف: «لقد كان أصهاري هم من يدعمونني خلال تلك السنوات، لكنني لم أكن أريد أن أصبح أنا وأطفالي عبئاً عليهم، فذهبنا للإقامة مع والدي، لكن الجيش (الهندي) جاء لتعذيبهم أيضاً».

وتذكر غولشان حادثاً عندما جاء إبن عمها لتقديم خروف إليها، وفي اليوم التالي، قام الجيش بتعذيب قريبها، متهماً إياه بأنه زوجها المقاتل الذي كانوا يبحثون عنه.

«وجّه أحد الجنود البندقية إلى رأسي واضعاً إصبعه على الزناد وبدأ في استجوابي، وقد أخبرتهم بالحقيقة، وهي أنه إبن عمي، وأن بركات لم يعد بعد» تقول غولشان.

لكنّ الأمر لم ينتهِ إلا بتدخل الجيران.

«لم يتركنا الجنود إلا بعد أن أقنعهم بعض جيراننا بأن بركات قد قُتِل، وأنني لم أكن على عِلمٍ بذلك».

إثر ذلك الحادث، ساعد والد غولشان إبنته في تحضير الأوراق للسفر إلى باكستان، إلا أن السعادة التي كانت تحلم بها عند اجتماع شمل الأسرة من جديد تحولت إلى مأساة.

تقول غولشان: «تُوفيَّ والدي ولم أتمكن من رؤية جثمانه».

وكانت غولشان قد تحدثت مع والدها عبر سكايب قبل يومٍ من دخوله للمستشفى.

وهي شرحت لنيوزويك الشرق الأوسط أن وفاة والدها وهي بعيدة عنه سبب لها عقدة ذنب.

تقول: «لقد أخبر والدي الأطباء بأن رغبته الأخيرة هي أنه يريد أن يراني، ولكن بسبب عدم توفر الكهرباء، لم نتمكن من رؤية بعضنا البعض، وأشعر بأن هذا الذنب سيلازمني حتى في قبري».

في باكستان وُلدت رضا قاضي، إبنة بركات وغولشان، وهي تبلغ اليوم 19 عاماً، ولكن كان من الصعب عليها التكيف مع الحياة في كشمير.

تقول رضا: « لقد أخذ المسؤولون في السفارة الهندية في نيبال وفي كشمير شهاداتي من الصف العاشر وحتى الثانوية. قيل لي إن الشهادات التي حصلت عليها غير معترف بها هنا، وبالتالي لم يتم قبولي في أي مدرسة طيلة عامٍ كاملٍ، وبالتالي، تم إهدار هذه السنوات الثلاث من الدراسة الثانوية التي تعبت فيها».

ووفقًا لما تقوله رضا، فإن التعليم في كشمير يختلف عنه في باكستان، حيث أن التعليم في باكستان كان باللغة الأوردية.

«لقد أمضيت طفولتي كلها في باكستان، أما هنا فأنا أشعر بالوحدة، حيث لا أصدقاء ولا أخوة»، تقول رضا بحسرة.

فرص ضائعة

صنع-الله دار، البالغ من العمر42 عاماً، وهو من المقاتلين الهنود السابقين الذين عادوا من باكستان للعيش مع عائلته في بارامولا.

وكان دار قد عبر الحدود إلى باكستان عندما كان في سن السابعة عشرة من عمره.

يقول دار: «قضيت نصف حياتي في باكستان، حيث كنت أعمل بائعاً».

وفي باكستان تزوج دار من فتاة باكستانية، وكان سعيداً بحياته وأسرته الصغيرة.

وعندما عاد إلى كشمير، وجد أن إخوته قد اختلسوا نصيبه من ميراث أبيه.

وفي هذا الصدد يقول دار، بينما تكسو ملامح الندم وجهه بسبب قراره بالعودة إلى كشمير: «كان يجب أن أرِث ممتلكات بقيمة ملايين الروبيات، ولكن بسبب أشقائي، فأنا أعيش في غرفةٍ مظلمة مع بناتي وزوجتي».

حتى أنه قدم شكوى إلى المسؤولين الحكوميين حول الأرض التي اختلسها إخوته في أثناء وجوده في باكستان، ولكن السلطات الهندية لم تتخذ أي إجراء.

ولم تكن الحياة سهلة كذلك بالنسبة لعائلة دار.

فبحسب زوجته عِمرانا البالغة من العمر 35 عاماً فإن طفلتها تواجه التنمّر في المدرسة بسبب إسمها وخلفية والدها.

مليكة تواجه التنمر

«إن معلمي إبنتنا مليكة وزملاء لها يضايقونها في المدرسة. إنهم يخبرون ابنتي بأن إسمها يُظهِر أنه سينتهي بها الحال كراقصة، ولقد قدمت شكوى ضد المدرسين في المدرسة، لكن لم يتم اتخاذ أي إجراء ضدهم»، تقول مليكة.

وتتذكر عِمرانا اليوم الذي وصلت فيه مع زوجها وإبنتها إلى كشمير، فتقول: «لقد صُدمنا عندما لم يسمح لنا أصهارنا بدخول المنزل، واضطررت لقضاء ليلة من ليالي تشيكاي كالان الباردة في الحديقة المغطاة بالثلوج».

ونتيجة لما تعانيه من إحباط في حياتها، فلقد حاولت عِمرانا الإنتحار، وتقول: «إن الله سبحانه وتعالى أنقذني، ربما من أجل عائلتي».

وبالنسبة للنساء الباكستانيات، تتوجه إليهن عِمرانا بالنصح قائلة: «لا تأتين إلى كشمير، فلن تنلن أي احترامٍ هناك»، وتضيف: «أنها تريد العودة إلى باكستان لهذا السبب».

طريق مسدود

وكان باشارات بخاري البالغ من العمر 48 عاماً، ابن غلام محمد من بير موهالاه، في كريري الكشميرية، من المقاتلين السابقين الذين عادوا إلى كشمير مع عائلاتهم في إطار سياسة إعادة التأهيل الحكومية.

ذهب بخاري إلى باكستان في التسعينات، وتزوج من فتاةٍ باكستانيةٍ من روالبندي تدعى صفينة بيجوم.

وعاش الإثنان حياةً سعيدةً في باكستان، وفي العام 2012، عاد بخاري إلى كشمير مع أسرته المكونة من خمس بنات وإبن، ليزوّج إبنته الكبرى بشرى إلى إبن أخيه.

وكان بخاري قد خطط للبقاء في منطقة وادي لمدة 15 يوماً.

إلا أن الحكومة لم تسمح له ولأسرته بالعودة إلى باكستان، وعَلِقوا في كشمير.

وعندما بدأ البؤس يخيم على حياة الأسرة ، أشعل بخاري النار في نفسه وتوفي، تاركاً أسرته تعاني المزيد من البؤس.

منذ أن توفي زوجها، كانت صفينة تتوق للعودة إلى وطنها، باكستان.

وتقول: «بعد وفاته، بدأ الناس يلقون باللوم علينا»، وأصبحت الأسرة تعاني من ضائقةٍ ماليةٍ.

إبن صفينة البالغ من العمر 20 عاماً، والذي يعمل كبائعٍ، هو المعيل الوحيد للأسرة، التي تدهورت أحوالها من سيءٍ إلى أسوأ بعد أن طُلّقت بشرى، إبنة بخاري.

وتقول بشرى إن زوجها وأهله قد حولوا حياتها إلى جحيم.

وتكشف أن عائلة زوجها يلقون اللوم عليها لإنجابها إبنتين ولا طفل ذكر يرث إسمهم.

«إن أصهاري دمروا ثقتي بنفسي»، تقول بشرى، حيث أوضحت أنهم غالباً ما يضحكون عليها ويؤذونها بكلامهم.

واليوم لا تملك الأسرة أية جنسية.

كما انفطر قلب صفينة أم بشرى عندما توفي كِلاً من شقيقها وإبن أخيها في باكستان ولم تتمكن من رؤيتهما.

وكل ما ترغب فيه الآن لها ولأطفالها هو العودة إلى باكستان.

أمل في الرجوع

أما همزة، فهي سيدة باكستانية تزوجت من نظير أحمد شاه في العام 2000، وهو شابٌ كشميريٌ.

وكان نظير، الذي عمل سائقاً في روالبندي في باكستان، قد عبر خط الحدود الفاصل في التسعينات، وعاش نظير وهمزة وبناتهم الثلاث في سعادة في باكستان حتى يونيو 2012، عندما قرر نظير العودة إلى كشمير.

تقول همزة: « لقد عدنا بعد أن أعلنت الحكومة (الهندية) سياسة إعادة التأهيل، لكن أيّاً كان ما أُعلن بشأن هذه السياسة، فإنه لم يُنفَّذ على أرض الواقع».

وعندما عاد نظير، الذي جاء من مانيجام إلى كشمير، وجدت همزة أنه ليس لديهم حتى مكان مناسب للعيش.

وتقول بأنه، ولمدة عام ونصف، عاشوا في منزل إبن عم نظير، بعد أن زودتهم الحكومة الهندية بالأرض، فقاموا ببناء منزل سقفه من القصدير، وتعيش هذه الأسرة الآن في ظل هذا السقف.

همزة تواجه مجتمعاً لا يرحم

غير أن الحكومة لم تزود الأسرة بأي مستندات للأرض التي منحتها لهم، ونتيجة لذلك، لا تزال الأسرة تعيش هاجس الخوف من التشرد.

وبالنسبة لهذه الأُسر، فلقد أثبتت سياسة إعادة التأهيل الحكومية في الهند أنها مجرد وعود في الهواء.

تقول همزة: «وفقاً لسياسة إعادة التأهيل، كان من المفترض أننا سنحصل على فرص عمل ومساعدات حكومية، لكننا لم نحصل على أي شيء».

والواقع أن الأسرة لم تتلق حتى الوثائق الأساسية مثل شهادات ميلاد أطفالها.

وبحسب همزة: «أنا أريد فقط جواز سفرٍ حتى أستطيع أن أرى والداي»، وتستطرد مضيفةً: «خلال العطلات، تسألني بناتي لماذا لا يستطعن الذهاب إلى وطنهن الأم».

تقول بنات همزة إن الحياة في باكستان كانت أفضل بكثير.

وبالنسبة للحكومة فإن همزة لديها رجاءٌ واحد: «أرجوكم أن تعيدوا كل العائلات العائدة من الباكستان إليها، فلا أحد يريد البقاء هنا».