الغواص الأصغر في العالم: لبناني!

مصطفى رعد

تصوير المركز اللبناني للغوص

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

كان علي مليئاً بالشغف منذ القفزة الأولى إلى عالم مليء بالدهشة.

اعتقدنا، نحن الغواصون الجالسين إلى جانب بعضنا البعض في المركب، أن علي بيطار (13 سنة) الفتى اللبناني الذي رمى بنفسه إلى مياه بحر صور العام الماضي، وهو يرتدي عدة الغوص، لن يكرر فعلته مرة أخرى.

إلا أنه كان ما يزال هناك، بعد عامٍ كامل من التدريب، ليستحق بجدارة لقب الغواص الأصغر في العالم، الذي يصل حتى عمق 40 متراً في أعماق البحر.

اعتقدنا خطئاً أن الطفل الطويل بملامحه السمراء، راكب الخيل، لن يجذبه سحر البحر وعنفوانه في عمر مبكر، كما فعل بنا في عمر متأخر قليلاً.

حشرية طفل

جذبه غموض البحر منذ وطئت قدماه المياه. شاهد أسماكاً وحيوانات بحرية لطالما نالت نصيباً وافراً من المعتقدات السيئة التي تناقلها الأجداد عن عدوانيتها.

علي أثناء الغوص في بحر شرم الشيخ. تصوير المركز اللبناني للغوص

اكتشف أن البحر، عالم صامت مثله، يسأل متى دعت الحاجة إلى السؤال عن فكرة لا يعرفها.

في المرة الأولى التي صادفت فيها علي مع والده عباس، كان الصغير يسأل بدقة كبيرة وحقيقية، عن دور كل أداة في عدة الغوص.

تراه يحمل المنظار الزجاجي ويسأل كيف يمكننا إفراغ المياه منه، تحت المياه، وكيف يزيل ضغط الأذنين، وكيف يحرك رجليه، وكيف يستخدم لغة الإشارات الموحدة التي يستخدمها الغواصون حول العالم، والأهم كيف يوفر أنفاسه، من أجل قضاء وقت أطول تحت الماء.

قام علي في تدريباته العملية بأكثر من 100 غطسة في البحر، كما وحصل على شهادة غواص محترف من المركز اللبناني للغوص.

علي مع مدربه يوسف جندي في بحر شرم الشيخ.

كان مدرب الغوص في المركز يوسف جندي يحدق في ملامح علي، وهو يستمع بجدية إلى الدروس النظرية التي كان يشرحها عن الغوص.

أثبت علي، التزاما كاملاً بمبادئ الغوص وقوانين هذه الرياضة، وهو ما نقله إلى مستوى مختلف عن زملائه الغواصين.

وصل علي إلى عمق 40 متراً، حينما قرر الغوص نحو فوارات المياه العذبة في مدينة صور، جنوب لبنان.

كان مندهشاً من رؤية المياه العذبة، وهي تخرج من فوهة صخرية، لتحفر نفقاً في عامود المياه، من دون أن تمتزج مع المياه المالحة.

شاهد فرسان البحر، وأسماكاً ملونة وحقولاً من التنوع البيولوجي التي لم يشاهدها من قبل في المياه الضحلة.

فرادة علي في أسئلته وإجاباته، كانت مميزة، وهذا ما جعله بطلاً في عيون مدربه، ليخوض تجربة جديدة في بحر شرم الشيخ.

بين حطام السفن

في البحر الأحمر، وجد علي نفسه، بين ألوان كثيرة. مرجانٌ ملونٌ، بأحجامٍ وأصناف عدة، وأسماكاً كبيرة غير عدائية، وقروش، وغيرها من المخلوقات التي لم يعهد علي رؤيتها في بحر لبنان، لأسباب طبيعية، واختلاف طبيعة البحر الأبيض المتوسط عن البحر الأحمر.

علي مع والده عباس بيطار في بحر طرابلس-شمال لبنان

يعدد الفتى اللبناني أسمائهم باتقان، ويذكر أحجامهم والأعماق التي يعيشون فيها، وما طبيعة نظامهم الغذائي، وذلك نتيجة جهد دراسي، لم يطلبه منه أحد، إلا الشغف الذي تملكه.

في بحر شرم الشيخ، غاص علي نحو سفينة يولاندا الغارقة في محمية رأس محمد.

سفينة الشحن القبرصية التي تحطمت في 1 أبريل 1980، أصبحت على مدى الأعوام الخمسة اللاحقة موقعاً شعبياً للغوص على عمق 30 متراً، إلا أنها سقطت في الوادي إلى عمق 160 متراً، على إثر عاصفة بحرية، غيبتها 20 عاماً قبل أن يكتشفها غواصون في العام 2005.

ولكن بقي مستوعباً واحداً على عمق 30 متراً، يحمل أدوات صحيّة، مثل المراحيض، وأحواض الاستحمام والأنابيب.

المنظر الذي شاهده علي، يصفه بالمضحك، أن تجد كمية كبيرة من المراحيض في قاع البحر، ولكن هذه المرة، يستخدمها السمك لبخ بيوضه فيها وبينها، بدلاً من أن يستخدمها الإنسان لإفراغ حمولته.

استعجل علي التخلي عن رياضات أخرى، يحبها رفاق مدرسته، مثل كرة القدم وكرة السلة ورياضات أخرى، حينما تجاوز مدة تدريبه عاماً كاملاً.

علي أثناء القفز من المركب في بحر صور-جنوب لبنان

يحاول ممارسة نوعين من الرياضة، ركوب الخيل، والغوص، ولا تعنيه رياضات أخرى.

شغفه بالبحر جعله يمارس الأفضل والأصعب. ينتظر علي وفريق المركز اللبناني للغوص أن تبرد الشمس، حتى يتسنى لهم ممارسة الغوص الليلي.

هناك يدخل الغواص في عالم لا ضوء فيه. عالم تكتشف فيه مخلوقات جديدة تخرج من خلال ضوء المصباح الصغير إلى العلن، وقد تبقى مختبئة في بيوتها الصخرية أو الرملية.

حيث لم يذهب طفل قبله

كثيرون في سن علي، وربما أصغر، حصلوا على هذا اللقب، لكنهم لم يغامروا إلى أعماق أكثر عمقاً من سطح المياه.

الطفلة شارلوت بيرنز (12 عاماً) حصلت على لقب أصغر غواصة في العالم وكان ذلك  في العام 2013، إلا أنها لم تتجاوز في غوصها  عمق 20 متراً.

وقبلها حصل الطفل الهندي بارتز سنغهافي (10 سنوات) على لقب الغواص الأصغر في العالم عن عمق 15 متراً، في العام 2010.  ومؤخراً هذا العام حصلت الطفلة كالا شاربلس (12 عاماً) على اللقب، ولكنها أيضاً لم تتجاوز 15 متراً.

البحث عن السلام

يطمح علي بيطار أن يصبح مساعد مدرب، أو ربما أصغر مدرب غوص في العالم، خلال السنوات الخمس المقبلة.

ومن خلال ذلك، ينصح علي جميع الذين يهابون هذه الرياضة، أن يجربوها مرة واحدة، ولن يستطيعوا الفكاك من دهشتها بعد ذلك.

يقول علي أن اللغة التي تجمعنا تحت الماء، هي نفسها التي نتواصل من خلالها فوق الماء، لغة السلام والحب، التي نحن بحاجة إليها في عالمنا.

علي الباحث عن السلام في أعماقه وأعماق البحر.

لغة واحدة جعلت الغواصين يعيشون في عالمهم المنفصل عن عالم اليابسة.

العالم الصامت في عمق البحر مليء بكل ما يثير الدهشة، ويجذب كل من يملك حس الفضول.

ولا يستطيع الغواص غالباً أن يصف عالمه، لعدم اتساع مشاعره في كلام مناسب، بسبب العالم الرائع والمختلف الحافل بألوان حياة تعقد ألسنة الغواصين، الذين لا يجدون الكلمات المناسبة للتعبير عن شعورهم وعمّا رأوه هناك في أعماق البحر.

إسألوني أنا، لأنني وبالرغم من السنوات التي أمضيتها في الغوص، ما زلت أجد العبارات تخونني في وصف حالة السكون والسلام والدهشة والفرح والترقب كلما غصت نحو القاع.

يظن البعض أن في سكون هذا العالم، مكاناً مرعباً، مليئاً بمخلوقات مخيفة.

إلا أن الحقيقة منافية ومجافية لكل التأويلات والكلام الذي يطالنا ويطال عالمنا وبيتنا الثاني.

هذا العالم مسالم، حينما لا نمد أيدينا إليه لنؤذيه.

فإن وجدتمونا على اليابسة يوماً، أرجوكم أعيدونا إلى المحيط.

فريق المركز اللبناني للغوص في بحر طرابلس-شمال لبنان

Facebook Comments

Post a comment