الفتى الكسول… منذ نجاحه وحتى اليوم، كان ترمب كسولاً للغاية

أليكساندر نازاريان

نيوزويك

كان ذلك خلال الأسبوع الذي بدأ في 8 أغسطس 2011، إذ كان الرئيس باراك أوباما في خضم ما وصفته صحيفة نيويورك تايمز بأنها «الفترة الأكثر كآبة في مدته الرئاسية».

فقبل ذلك بأيام، تمكن الكونغرس أخيراً من التوصل إلى اتفاقٍ بشأن رفع سقف الدين، ما كان من شأنه تفادي التخلف الكارثي عن مدفوعات الدين القومي. ولكن العملية كانت طويلة وشائنة، تماماً مثل شجار عائلي قبيح وقع أمام الجيران.

وفي يوم الجمعة، الخامس من نفس الشهر، قررت وكالة ستاندرد آند بورز تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها، معللةً قرارها بالافتقار إلى «القدرة على التنبؤ بصناعة السياسة الأمريكية والمؤسسات السياسية».

وقد حاول أوباما تهدئة الأمة بخطاب بعد ظهر يوم الاثنين، أعلن فيه أن المشاكل الاقتصادية في البلاد «قابلة للحل بشكلٍ كبير»، ولكن الأسواق المالية كان لها رأيا مختلفاً، حيث سجل متوسط داو جونز الصناعي انخفاضاً قدره 635 نقطة في ذلك اليوم.

وكان هناك حديث عن الركود المزدوج، وشعور بالغضب تجاه سياسات أوباما، الذي رأى أن نسبة استحسان سياساته قد انخفضت إلى 40%، وهو أدنى مستوى لها خلال مدة رئاسته. وفي محاولة للحصول على استراحة من كل ذلك، ذهب أوباما لممارسة الغولف يوم السبت التالي، وذلك قبيل انطلاق «الجولة الاقتصادية» في الغرب الأوسط.

وفي يوم الاثنين التالي، أي 15 أغسطس، جاءت تغريده دونالد ترمب، ضيف برنامج ذا أبرنتيس (المتدرب)، والذي كان قد أصبح آنذاك بطلاً لليمين من خلال إصراره على أن أوباما قد يكون وُلد مسلماً وخارج الولايات المتحدة.

لم تكن أول تغريده له تناكف أوباما، لكنها كانت الأولى في موضوع سيعود إليه ترمب مراراً وتكراراً وهو: حب الرئيس لممارسة الغولف.

فقد كانت إحدى تغريداته كالتالي «باراك أوباما لعب الغولف بالأمس،» وأخرى قال فيها «الآن يتوجه (أوباما) لقضاء عطلة لمدة 10 أيام في جزيرة مارثاز فينيارد. أخلاقيات عمل لطيفة». (كان أوباما قد لعب الغولف بالفعل قبل يومين، ولم يكن من المفترض أن تبدأ عطلته حتى نهاية الأسبوع).

وعلى مدى السنوات الخمس التالية حرص ترمب على الضرب بقوة على هذا الوتر، حتى مع التحسن الذي شهده الاقتصاد، وإقرار قانون الرعاية الصحية، المعروف بإسم أوباما-كير، الذي وفَّر خدمات الرعاية الصحية للملايين بأسعارٍ معقولة، وانتهاء الحرب في أفغانستان.

في كل مرة كان يتوجه أوباما إلى نادي الغولف، كان ذلك بمثابة دليلٍ لا يقبل الجدل على أنه غير قادر على أن يشعر(أو يعالج) آلام المواطنين الأمريكيين العاديين.

أوباما، كما قال ترمب في تغريده له في عام 2011، «يلعب الغولف للهروب من العمل، في حين أن أمريكا تهبط للحضيض».

وجاءت تغريدته الأخيرة حول هذا الموضوع في صيف العام 2016، عندما كان ترمب بالفعل المرشح الجمهوري للرئاسة.

جاءت تغريدة ترمب لتحمل معنى أنه لو تمكن من الوصول إلى البيت الأبيض، فإنه لن يرتكب نفس الخطأ الذي كان يفعله أوباما منذ العام 2011. إذ قال لمؤيديه في أغسطس 2016: «سأعمل من أجلكم. لن يكون لدي الوقت للعب الغولف».

والآن بعدما أصبح ترمب رئيساً، كثيراً ما نجده يغادر البيت الأبيض ليقضي عطلة نهاية الأسبوع في ممارسة رياضة الغولف في منتجع مارالاغو الذي يملكه في جنوب فلوريدا، أو في النادي الريفي بادمينستر الذي يملكه في ضواحي نيوجيرسي.

إستجمام رئاسي: ٤٠ يوماً من العطلات في أول ٦ أشهر من الحكم، معظمها كان للعب الغولف، في منتجع يملكه، وعلى حساب الشعب الأميركي… ببساطة دونالد ترمب خالف وعده لناخبيه بأنه سيعمل بجد من أجلهم ولن يكون لديه وقت للعب الغولف. -الصورة: رويترز

إنه سرعان ما تنصل من الوعد الذي قطعه على نفسه قبل عام، وربما يدفعنا ذلك للتساؤل عما إذا كان يتذكر أصلاً أنه قد أدلى بهذا الوعد في يومٍ ما.

وقد أجرت مجلة بوليتيكو تحقيقاً في هذا الأمر وتوصلت إلى التالي: لم يلعب جورج بوش الغولف في الأشهر الخمسة الأولى من رئاسته، في حين بقي أوباما بعيداً عن رياضته المفضلة لمدة أربعة أشهر بعد تنصيبه. بينما ترمب لم يتحمل ذلك لأكثر من أسبوعين.

وقد زار ترمب نادي الغولف فيما مجموعه 40 يوماً على الأقل منذ توليه منصبه في يناير، وفقاً لموقع ترمب غولف كونت المعروف، والذي يقدّر أن مغامرات ترمب كلّفت دافعي الضرائب الأمريكيين 55 مليون دولار. بينما كشف تحقيق آخر عن ترمب أجرته صحيفة نيويورك تايمز، أن عدد أيام زياراته إلى الأماكن التي تحمل العلامة التجارية ترمب بلغ 56 يوماً، أي نحو ثلث المدة التي قضاها حتى الآن في منصبه.

ويقول أصدقاء ترمب إن لعبة الغولف مهمة لصحته، تماما كما أن ركوب الدراجات أو تسلق الصخور هي ألعاب ضرورية لأباطرة الأعمال من الشباب الأصغر سناً في وادي السيليكون.

وقد قال لي روجر ستون الابن، وهو أحد الأصدقاء المقربين لترمب منذ فترة طويلة: «إنه يعمل دائماً، حتى في أثناء نشاطه عبر مواقع التوصل الاجتماعي، أو لعب الغولف، أو السفر. فهو يسأل باستمرار، ويدون الملاحظات، ويجري المكالمات الهاتفية».

«ربما إذاً يكون السؤال الأفضل هو: هل سبق له أن استرخى حقاً؟»

 «في الحقيقة لا».

هكذا يرى سام نونبيرغ، وهو أحد المساعدين السابقين المقربين من ترمب، والذي تم استبعاده من حملته الانتخابية في العام 2015.

يقول نونبيرغ: «لم يسبق لي أن عملت مع رئيس يعمل بجدٍّ طوال اليوم وعلى مدار الأسبوع أكثر من ترمب. مع العلم أنني عملت مع كثير من أصحاب المليارات.»

أما بالنسبة للعب الغولف، فإن نونبيرغ يصر على أن ترمب يعمل بينما يلعب، فيقول: «لديه جدول زمني. لا تنسوا أنه ارتاد المدرسة العسكرية»، في إشارة إلى الخمس سنوات من التعليم الثانوي التي قضاها ترمب في أكاديمية نيويورك العسكرية.

ويضيف: «إنه يعرف جيداً كيف يُبقي موظفيه في كامل نشاطهم».

بينما ينظر منتقدوه الكثيرون إلى الأمر بطريقةٍ مختلفة.

فإذا كان الغولف يزعجهم، ويحكمون على الأمر من خلال عدد المواقع الإلكترونية المخصصة لرصد نزهات ترمب، فذلك فقط لأنهم ينظرون للأمر على أنه رمز لنهجٍ متراخٍ في ممارسة مهام الرئاسة.

يقول لورانس أودونيل، مضيف شبكة «ام.إس.أن.بي.سي»: «إنه الرئيس الأكثر تراخياً، والأكثر جهلاً في التاريخ».

بالتأكيد، سوف نأخذ رأي شبكة «ام.إس.أن.بي.سي» ببعضٍ من التشكيك الموضوعي، ولكن أولئك الذين يشاركون أودونيل اعتقاده بأن ترمب هو أكثر شاغل للمكتب البيضاوي تراخيا في تاريخ الأمة، وعلى سبيل المثال عدم مشاركته على نحوٍ فعال في الجهود التشريعية للكونغرس، يعتمدون على الأرقام، تماماً كالأطباء الذين يدرسون نتائج مختبرية صارمة: فهو عقد مؤتمر صحفي منفرد واحد فقط منذ تنصيبه (عقد مؤتمرات صحفية مشتركة مع رؤساء الدول الأجنبية، عادةً ما يرد بعدها على أسئلة الصحافة)، وجولة واحدة فقط في منطقة غرب المسيسيبي منذ توليه منصبه (وكان ذلك من أجل حشد انتخابي). ولم يقم بزيارة العراق ولا أفغانستان.

خلال الأشهر الستة الأولى من رئاسته، وجد ترمب الوقت لإرسال 1029 تغريده. وقد شملت هذه التغريدات اتهامات لأوباما «بالتنصت على المكالمات» في برج ترمب تاور، وتهكمات على زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، وتلميحات بالية حول آل كلينتون مقتبسة من فوكس نيوز، وشكاوى حول النائب العام جيف سيشونز، وشكاوى أخرى حول «الجمهوريين»، ونحيب لا نهاية له حول «الأخبار الكاذبة»؛ الكثير منها تعقبه تأكيدات غير صحيحة على نحو مثير للسخرية.

بالطبع، العديد من المنتقدين يريدون لترمب أن يفشل. وبالنسبة لهم، قد تكون التقارير عن عدم كفاءته هي الخبر السار الوحيد الذي يخرج من البيت الأبيض. وهو الأمر الذي أشار إليه ستيف تشابمان، كاتب المقال الافتتاحي في جريدة شيكاغو تريبيون، إذ قال في مايو الماضي: «الناس الذين يخشون من كون ترمب يسعى لتخريب الديمقراطية، واضطهاد المسلمين، وتفكيك سيادة القانون يمكنهم أن يطمئنوا، لأنه لا ينوي بذل الكثير من الجهد حيال هذا الأمر».

من يُسكته؟ يبدو أن ترمب يقضي وقته في نشر اتهامات باطلة والتذمر على التويتر حيث أحصى الإعلاميون أكثر من ١٠٠٠ تغريدة له في الأشهر الأولى من رئاسته. -الصورة: رويترز

ولكن عقب انتصار ترمب خلال الأيام الأولى لفصل الخريف، كان هناك بصيص أمل في أن يكون هناك «محور» يبدأ من الوعود والتهديدات التي اشتملت عليها حملته الانتخابية، ويصل إلى تلك النزعة العملية الواقعية التي يدّعي البعض أنها موجودة أسفل هذا المظهر السطحي. لقد كان هناك، على سبيل المثال، خطة للبنية التحتية بقيمة تريليون دولار. فما هو مصيرها؟ يبدو أنه حباً بلينكولن، طلب منه أحدهم أن ينسى أمر التخفيضات الضريبية وحظر المسلمين. إنه يجب أن يكون بالخارج هناك يرصف طريق I-95، ويضع الطلاء الجديد على جسر خليج تشيزابيك.

ولكن بدلًا من ذلك، ها هو يلعب الغولف ويصارع شبكة سي.أن.أن عبر تغريداته. وعندما تنتهي عطلة نهاية الأسبوع، يعود ترمب إلى مستنقع العاصمة بحماس يشبه حماس أمين مكتب يتسكع نحو حجرة مكتبه الصغيرة صباح يوم الاثنين. وبعد ستة أشهر فقط من تنصيبه، يبدو ترمب «أشقى محارب على الإطلاق»، على حد وصف مايكل دي أنطونيو، كاتب سيرة حياة ترمب، والمعلق في شبكة سي.أن.أن. فذلك التجهم الذي لا يفارق ملامح وجهه، والأسلوب الرتيب الذي يستخدمه لإصدار التصريحات الرسمية، كل هذا يجعله يبدو كبطة عرجاء من الدرجة الثانية يحلم باتفاق مربح لمرحلة ما بعد واشنطن.

كان من المفترض أن تكون هذه الأوقات من حياة ترمب هي الأكثر إشراقاً. فقد تمكن في نوفمبر الماضي من تحقيق أكبر انتصار سياسي يمكن تخيله، موقِفاً بذلك تتويج هيلاري كلينتون الذي كان يُنظر إليه على أنه «حتمي».

فقط يبدو أن ترمب لم يدرك تماماً أن الحملة كانت بداية العمل الشاق، وليست نهايته. لم يدرك أن مؤيديه سوف يذكّرونه مرةً أخرى بما قاله في سيدار رابيدز أو هاريسبورغ قبل عامين، ويسألونه عما إذا كان يعني حقاً ما قاله بشأن محاكمة كلينتون، أو جعل المكسيك تدفع تكاليف إقامة جدار حدودي.

إذاً فهو يجلس ويغمره الشعور بالقلق، مثل شخصية «آل بندي» بائع الأحذية، بطل المسلسل الكوميدي «ماريد ويذ تشلدرين» (متزوج ولديه أطفال)، وهو مسلسل يدور حول السخط العام حيال الأوضاع، وقد عكس المسلسل شخصية ترمب على نحوٍ أفضل من أي عالم أو خبير سياسي. وترتكز فكرة المسلسل على حالة عدم الرضا عن العمل، وجحود الأبناء، وتهاوي الأمة إلى الحضيض. بينما يحلم بندي بالأيام الخوالي عندما كان نجماً لكرة القدم في المدرسة الثانوية؛ فهل يحلم ترمب بصخب ليلة انتخابه عبر منطقة الوسط الغربي العليا!

لكن ذلك كان منذ فترة طويلة. أما الواقع هنا فهو تدخل غير مرحب به لنجم تليفزيون الواقع العجوز. هذا «الواقع» الذي كان في يومٍ ما مجرد مزحة، ولكنه ليس كذلك هذه المرة.

فهذه المرة هناك محامٍ خاص هو روبرت مولر، يحوم ككلب بوليسي حول شؤون ترمب المالية الشخصية، ورئيس الأغلبية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل، الذي يثرثر طوال الوقت بشأن تسوية الميزانية، أياً كانت، والناقدة آن كولتر من الجناح الأيمن، التي توبخه عبر تويتر بسبب الهجرة غير الشرعية. وعلى شاشة التلفزيون، هناك دوماً ممثل ولاية كاليفورنيا آدم شيف، الذي يتحدث عن وجود تواطؤ مع روسيا ويبدو غاضباً.

هل حلَّ يوم الجمعة أخيراً؟ منهك ومحبط…

قبل يومين من تنصيب الرئيس، نشر ترمب عبر تغريدة، صورة لنفسه جالساً في مكتب، وأمامه قلم فوق كومة من الأوراق. بينما تعلو وجهه نظرة بعيدة لرجل عظيم غارق في تفكيرٍ عميق: كأنه بيركليس يرثي شهداء أثينا في الحرب، أو تشرشل يتفقد لندن بعد الحرب. بينما كشف النص المصاحب للصورة أن الرئيس المنتخب كان يؤلف خطاب التنصيب في منتجع مارالاغو، الذى كان يصفه بالفعل على أنه «البيت الأبيض الشتوي».

كان من المفترض أن تُظهِر التغريدة القيادة في العمل، لكنها كشفت بدلاً من ذلك عن المسافات الطويلة التي يجب أن يقطعها ترمب ليتمكن من تعزيز صورة القيادة الدؤوبة. لم يستغرق الأمر مجهوداً كبيراً من فريق خبراء الطب الشرعي الرقمي في وكالة المخابرات المركزية لاكتشاف أن جدار البلاط الإسباني خلف ترمب في الصورة يطابق ذلك الموجود في منطقة الاستقبال في منتجع مارالاغو. وسرعان ما ظهرت صورة تُظهِر امرأة شابة في نفس المكتب، وتبدو وكأنها مستعدة لتأكيد حجز العشاء الخاص به. وبمزيدٍ من التدقيق – أي النقر على رمز العدسة المكبرة – ظهر أن الأوراق على المكتب كانت فارغة على ما يبدو، في حين أن آلة الكتابة في يد ترمب بدا أنها قلم تظليل، لا يصلح بشكلٍ خاص لكتابة خطاب مطول. لقد أراد أن يبدو وكأنه رئيس الدولة، لكن بدلاً من ذلك إنتهى الأمر بترمب ليبدو وكأنه كونسيرج (مسؤول خدمات النزلاء) تحت التدريب.

تمثيل فاشل: نظرة حالمة وأوراق فارغة وعلى مقعد طاولة رُدهة الإستقبال في منتجعه مارالاغو… لم يفلح ترمب في خداع الشعب أنه كان يعمل عندما نشر هذه الصورة في تغريدة. الصورة: من حساب ترمب

لم يكن هذا هو الدرس الأول لترمب في مخاطر تزوير الأمر، ولم يكن كذلك الأخير. إذ كانت حملته الانتخابية أحد أكثر المشاهد استحواذاً على الانتباه في تاريخ السياسة الأمريكية.

فقد كانت مسلية على نحوٍ مرعب، لدرجة أن الكثيرين فشلوا في استيعاب مدى تمكنها من الجمهور، إلى أن بدأت نتائج الانتخابات في ولايتي فلوريدا وكارولينا الشمالية في الظهور يوم 8 نوفمبر. ومع ذلك، فقد أصبحت الفترة الرئاسية لترمب مجرد تكملة فاترة بلا طائل، فالرجل على ما يبدو لم يعد مهتماً بدوره القيادي.

وقد سبق أن أثرت قضية أخلاقيات العمل الخاصة بترمب مع السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض سارة هاكبي ساندرز. وكان ردّها كالتالي: «الأمر برمته قصة مختلقة تماماً».

وأضافت: «أن الرئيس يركز على خلق فرص العمل، وتأمين الحدود، وحماية الأمريكيين، وتنمية اقتصادنا، ويعمل على هذه القضايا كل يوم».

كل يوم؟

 في أبريل، استخدمت إلين غودفري من مجلة ذا أتلانتيك تقارير إخبارية عن عادات ترمب المسجلة، وتوصلت إلى أنه يقضي حوالي خمس ساعات يومياً في مشاهدة التلفزيون. وهذا يجعله مواطن أمريكي متوسط؛ بغض النظر عما إذا كان هذا يجعله رئيس أمريكي فعال بما يكفي أم لا، فهذه مسألة أخرى. ويبدو أنه يثق في برنامج فوكس آند فريندز أكثر من ثقته في أعضاء مجتمع الاستخبارات الذين يطلعونه على موجز للأخبار كل صباح. إنه بالتأكيد يجد الحل الأول أكثر إقناعًا. وقد لخّصت جريدة بوليتيكو الأمر من خلال نظرة واحدة إلى داخل البيت الأبيض، إذ ذكرت أنه «يشعر بالملل ويحب مشاهدة التلفزيون».

ويبدو أنه لكون ترمب يدرك أنهم ينعتونه بالكسول، فقد وصف نفسه عبر تويتر في 12 مايو بأنه «رئيس نشط جداً حقق الكثير من الأشياء»، الأمر الذي جعله يبدو كمراهق يبلِّغ والديه أنه بالتأكيد قام بأداء واجباته المنزلية.

وقد قرر كاتب صحيفة واشنطن بوست إجراء تحقيق في الأمر، وباستخدام سجلات متاحة للجمهور، خلصت الصحيفة إلى استنتاج أن جدول ترمب كان «خفيف لأبعد حد… ولتفسير ذلك فإنه ليس أمامنا سوى أحد هذين الافتراضيين: إما أن ترمب يخفي الكثير من أعماله الرئاسية عن الجمهور، أو أنه لا يفعل الكثير على الإطلاق».

وبدورها وجدت رويترز أنه خلال أول 100 يوم في منصبه، فإن ترمب «ظهر بعيداً عن مظاهر الرئاسة عدد مرات أقل من أسلافه الثلاثة المباشرين»، حاصراً نفسه في معظم الأحيان بين البيت الأبيض ومنتجع مارالاغو.

قد يكون ترمب منهكاً. أذكر أنه عندما كنت أتدرب لأصبح معلماً، قال لي المعلمون المخضرمون إن الطلاب سيستخدمون الملل لإخفاء عجزهم عن القيام بالعمل. فهل هذا ما يحدث هنا؟

حسناً، لاستخدام النموذج الترمبي، بعض الناس يقولون ذلك. وأحد هؤلاء الناس هو دونالد ترمب. ففي أواخر أبريل، اعترف الرئيس بأنه يشعر بأنه منهكاً ومحبطاً على حدٍ سواء.

وقال «لقد أحببت حياتي السابقة، كان لدي الكثير من الأمور لأفعلها. يوجد لدي الآن عمل أكثر مما كان في حياتي السابقة. لقد اعتقدت أن الأمور ستكون أسهل». وقد يكون ذلك الاعتراف الأكثر إذهالاً الذي يدلي به رئيس أمريكي في السلطة. فقد كانت خيانات كلينتون وجنون العظمة لدى نيكسون عيوب معتادة من الأقوياء. ولكن الاستخفاف بالسلطة بسبب تولي مقاليد الحكم أصعب من التظاهر بتولي السلطة في برنامج تلفزيوني واقعي؟ هذا هو البندي يعود إلى المنزل بعد يوم بائس آخر من العمل في متجر نيو ماركت مول، لكي يفتح زجاجة بيرة ويتساءل متى سينتهي كابوسه بالعمل الشاق في بيع الأحذية.

الملل الملكي

الآن، يأتي دور الأعذار. قال ترمب في فبراير «لا يوجد شخص كان يعرف أن الرعاية الصحية يمكن ان تكون معقدة جداً». حقاً، ولكن الجميع كان يعرف ذلك. وهذا هو السبب الذي جعل أوباما يقضي أشهر في شرح قانون الرعاية بأسعار معقولة للأميركيين. ولكن ترمب لم يعقد على الإطلاق لقاء مفتوحاً ليشرح خطته الصحية «الرائعة»، والتي تحولت بشكل غامض إلى فخ أعده الجمهوريين بالكونجرس. ولم يقم بحملة من أجل ذلك ايضا، ولم يفعل شيئاً لإعادة صياغة التشريعات الباهتة حسب رؤيته الرائعة.

كانت هناك تغريدات من الرئيس. دائماً ما توجد تغريدات. ولا شيء غير ذلك. وقد أهان اقتراح مجلس النواب واصفاً إياه بأنه «لئيم» وعرض اقتراحاته الخاصة على نحو عرضي عبر تويتر للتنافس مع ماكونيل في مجلس الشيوخ. في نهاية المطاف، خلص هؤلاء الجمهوريين أنه سيكون أكثر فعالية بشكل مطلق لصياغة مشروع القانون وحشد الدعم بدونه.

ونشرت صحيفة ديلي بيست أن «مسؤولين في البيت الابيض اعترفوا بشكل خاص بأن الأمر يكون أفضل فعلاً للجمهوريين عندما ينفصل الرئيس بشكل تام عن كونه مفاوضاً في السياسة» حيث يتجه نظام الرعاية الصحية الجمهوري إلى كارثة متوقعة. ومن الصعب أن نتصور أنهم يرغبون في إشراكه في مسائل تشريعية معقدة مرة أخرى. ويقول د. أنطونيو، مؤلف كتاب السيرة الذاتية «الحقيقة عن ترمب»: «فكرته عن العمل هي فكرة عمل هوليوودي». فهو يعمل «بالطريقة التي يعمل بها الملك».

إن السمة الأكثر إثارةً للإعجاب في أسطورة ترمب ليست مجرد أنها تبتعد عن الواقع، ولكن كيف أنها تخالف حقيقة يمكن تأكيدها بسهولة تماماً بل وبقوة. فبينما هو يتصرف كملك، فإنه في الواقع ملك الديون، وربما لا يزال مديناً بما يصل إلى 1.8 مليار دولار. وقد أُغلقت الكازينوهات المملوكة له وأفلست شركة الطيران. ولكن حتى مع تراكم الفشل والدعاوى القضائية والديون، تمكن ترمب من تحويل اسم «ترمب» إلى معنى مرادف للنجاح. لقد كانت الحروف مصنوعة من البلاستيك لكنها طُلِيَت بالذهب.

وفي مقابلة مع مورين داد من صحيفة نيويورك تايمز في شهر مايو ، أوضح كاتب السيرة الذاتية لترمب، تيموثي أوبراين، أنه بعد إنشاء برج ترمب تاور في وسط مانهاتن في العام 1983، «لم يعد يبالي أبداً»، فكان معجباً بذلك النصب المتآلف الذي يرضي غروره. ويقول أوبراين لداد: «إنه كسول في الأساس. فهو يقوم بالكثير من العمليات المجانية التي لا يعرف شيئا عنها. كان يفعل ذلك في عالم الأعمال، ويفعل ذلك الآن في عالم السياسية».

مغامرة ترمب في السياسة ستكون ضرباً من المستحيل بدون برنامجه التلفزيوني «المتدرب»، الذي قدمه إلى أمريكا الوسطى، في المرة الوحيدة التي تحول فيها من ملك الديون فوُلِد من جديد ليصبح مديراً تنفيذياً قادراً على التعامل بصلابة وفكرٍ ثاقبٍ على نحوٍ استثنائي.

ولكن ذلك كان وهماً أيضاً، كما ذكر مؤخراً كلاي أيكين، المغني والمتسابق الشهير الذي ظهر مرة واحدة في برنامج المتدرب. فعلى قناته الخاصة كشف أيكين الشهر الماضي عن أن ترمب استخدم شعار العرض الشهير «أنت مرفوض!» – بتعليمات من الآخرين. لقد كان القائد العظيم للرجال، على الأقل في رأي أيكين، مجرد دمية. وقال في تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست «أن منتجي العرض من محطة «أن.بي.سي» قاموا بتزييف هذه المكالمات»، وذلك بإعطاء تعليمات لترمب من خلال شاشة تلقين عن بُعد موجودة على مكتبه وتشبه الهاتف.

يجب أن يُقال شيء هنا دفاعاً عن ترمب. إن الكسل هو السمة التي نطلقها كثيراً على السياسيين الذين لا نحبهم.

قال روجر آيلس، رئيس فوكس نيوز السابق وموجه ترمب، وكاتب السيرة الذاتية لأوباما: «كم مرة يلعب كرة السلة والغولف؟ أتمنى لو كان لدي هذا النوع من الوقت … إنه كسول، ولكن وسائل الإعلام لن تقول ذلك». ولم يكن الليبراليون بشكل خاص لطفاء مع جورج دبليو بوش، بسبب ممارسته التمرين أكثر من اللازم أو بسبب الخلود إلى الفراش في 9 مساءً أو لتهيئة الاماكن في البيت الريفي بتكساس عندما كان لا يجب أن يقوم بذلك… وتمت تغطية طلعاته من البيت الأبيض بنفس القدر كما كان يحدث مع أوباما، ويحدث الآن، مع ترمب.

وقد طلبت من تومي فيتور، وهو كان عضواً في حملة أوباما منذ فترة طويلة وموظف في البيت الأبيض، أن يقارن بين جدول أعمال ترمب وأوباما.

يقول فيتور: «لا يبدو أنه يعمل بجد». ولكن «الأهم من ذلك، إنه لا يبدو وكأنه هناك أي نظام مُتبع في يومه. وهذه مشكلة كبيرة. فالأمر يحتاج انضباطاً للحفاظ على نفسك لتجنب الانحراف عن المسار خلال الأحداث التي تقع طوال اليوم».

من الصعب تحديد أنشطة ترمب لأن جدوله اليومي يتضمن «وقت الراحة»، الذي لا يقدم له وصفاً تفصيلياً في البيت الأبيض. وقال هابيرمان من صحيفة نيويورك تايمز لمحرر صحيفة نيويوركر ديفيد ريمنيك أن أداء الرئيس مثل «الكأس المقدسة لإعداد التقارير» عن ترمب.

هابيرمان، الذي ربما يعرف ترمب أفضل من أي صحفي آخر، لا يزال يبحث عن أجوبة.

كانت هناك أدلة. قام مارك ليبوفيتش، وهو مراسل سياسي لمجلة نيويورك تايمز، بزيارة للبيت الأبيض مؤخراً، ووصل «لمفاجئته الكبيرة، إلى «غرفة طعام صغيرة قبالة المكتب البيضاوي» للقاء الرئيس. وكان ذلك بعد ظهر يوم من أيام الأسبوع. وكان ترمب وحده، يشاهد حلقة مسجلة من برنامج فوكس والأصدقاء.

دونالد، ليس رونالد

بعدما قضى ترمب فترة رئاسية استمرت ستة أشهر، قام مايك بينس، النائب المخلص لرئيسه، بهذه المناسبة بكتابة افتتاحية لمجلة فوكس نيوز. وباعتباره يبذل قصارى جهده في تنفيذ التقليد السوفييتي «أباتشيك»، كتب بنس أن «إنجازات الرئيس ترمب لا تعتبر أقل من كتابة التاريخ».

متطلبات المقعد الرئاسي أكثر صعوبة مما كان يتصورها ترمب… على ما يبدو. الصورة: رويترز

حتى من خلال المعايير الفضفاضة بشدة للخطاب السياسي، هذا غير صحيح. على الرغم من أن ترمب وقع على 42 قانون منذ توليه منصبه، إلا أنها في الغالب أشياء صغيرة، بينما يعتقد أنصاره أنه ستكون إنجازات هائلة. وكشف تحليل أجرته شبكة «سي.أن.أن» أن 15 قانوناً من هذه القوانين هي عبارة عن «إعادة للقواعد واللوائح الصادرة في عهد إدارة أوباما، وكانت ثمانية منها تتعلق بتعيين شيء ما أو العمل على إنشاء مبادرة جديدة، وخمسة تجري تغييرات أو توسيع نطاق التشريعات القائمة، و11 قانوناً مرتبطاً بالتمويل أو العمليات الحكومية» وقانونٌ واحدٌ أعاد تسمية المحكمة إلى محكمة فرد طومسون، السيناتور الجمهوري. وبصرف النظر عن الحظر المفروض على المسافرين من بعض الدول ذات الأغلبية المسلمة، فإن أوامره التنفيذية الـ 42 كانت أيضا بسيطة، مما يلغى إرث أوباما بدلاً من أن يخلق الإرث الخاص به.

وتبقى المبادرات الكبرى التي وعد بها ضرباً من الخيال. ولا يزال فن عقد الصفقات الذي يدعي أنها يتقنه مقيداً. الأمر لا يقتصر على ترمب فقط. بل البيت الأبيض بأكمله في حالة من الفوضى. وقد صرح المستشار السياسي للبيت الابيض ستيف بانون متفاخراً في وقت سابق أن إدارة ترمب ستقوم «بتفكيك الدولة الادارية» إلا أن السيطرة على انكماش الحكومة الفدرالية سيحتاج إلى تركيز أكبر بكثير من الفوضى المرهقة التي تحدث الآن. وقد وجدت صحيفة «واشنطن بوست» على سبيل المثال أن ترمب لم يفعل شيئا يذكر بخصوص شَغل «المناصب الرئيسية» في إدارته، حيث لم يتأكد إلا 50 منصباً حتى الآن. وقد تم ترشيح 165 آخرين، وفي الوقت الذي سيلقي فيه البيت الأبيض اللوم على الديمقراطيين ويتهمهم بوضع «العراقيل»، فإن الديمقراطيين ليسوا سبباً لعدم وجود مرشحين ليشغلوا 357 منصب.

وقد عقد ترمب عدة اجتماعات على غرار الاجتماعات التي كان يعقدها خلال الحملات منذ أن أصبح رئيساً. فهو يجيد إجراء ذلك، ويتمتع بفعله، كما يفعل أنصاره المتحمسين.

حتى الأحداث التي تتبع الحملة، مثل ظهوره في جمعية شباب الكشافة الأمريكية مع الكشاف جامبوري في أواخر يوليو، تميل إلى تذكيرنا بمحاربة رونالد ريغان للشيوعية أكثر من محاربة دونالد ترمب لهيلاري كلينتون. وهذا الأمر ليس صدفة. فخلال الحملة الانتخابية عمل ترمب بجد، لأنه كان يعمل لمصلحته، وحشود الجماهير المتحمسة كانت تزداد حوله مباشرة، وليس حول مؤسسة حكومية تجريدية. ووصف نفسه بأنه الشخص الذي يمكنه القيام بالأشياء الخارجية  والذي يمكنه بناء هذا الجدار وإغلاق الحدود. ووصف خصومه بأنها خصوم ملتوية وكاذبة وتثبط الهمم وعاجزة وفاسدة ومجنونة. لقد كانت حملة تسويقية، ولعب تردد ترمب الواضح، دوراً جيداً للغاية.

لدى ترمب مدافعين أكثر تمسكاً بالمبادئ من معلقي هانيتي وفوكس نيوز. وأحدهم هو جريج إب، وهو معلق اقتصادي مشجع للأعمال التجارية في صحيفة «وول ستريت جورنال». في أواخر يوليو، اعترض إب على الادعاء بأن ترمب «رئيس لا يفعل شيء». وإذ يُسلم بأن ترمب لم يسجل أي هدف تشريعي، يزعم إب أن من اسند إليهم ترمب المناصب «بدوا بدفع الاقتصاد والبلاد في اتجاه أكثر تحفظاً وداعم للأعمال التجارية». ثم مرة أخرى، لم تكن سياسية ترمب تتحدث عن التدرجية أبداً. فقد كانت سياسة «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» سياسة للصدمة والرهبة، وليست مجرد مذكرات تنفيذية صغيرة يتم الاحتفال بها كما لو كان كل منها عن صفقة شراء لويزيانا.

على الرغم من أن ترمب لم يتمكن من الحصول على الفضل لإنجازات قام بها، فقد أدعى أحقية حصول من سبقه على ذلك. فقد تولى أوباما منصبه خلال الركود الكبير، عندما كان معدل البطالة 7.8 في المئة ويرتفع. وبعد مرور ثماني سنوات، في الوقت الذي كان يستعد فيه لمغادرة البيت الأبيض، انخفض إلى 4.7 في المئة، وهو أدنى مستوى في تسع سنوات.

ومع ذلك، يشير ترمب إلى «التقدم الاقتصادي الهائل للغاية»، كما لو كان هو الذي انقذ الأمة من أزمة حبس الرهن العقاري. وهو يتوق إلى إخماد تدفق المهاجرين الذين يدخلون الولايات المتحدة بشكل غير قانوني، ولكن في عهد إدارة أوباما، هبطت الهجرة غير القانونية إلى أدنى مستوى لها منذ 44 عاماً. ومع ذلك، هل تمكن ترمب من إبقاء السياح؟ هل أصبحت أمريكا عظيمة جداً، ألم يعد المسافرين الدوليين يأتون كالمعتاد.

إذا كنت من ملايين الأميركيين الذين يعدون الأيام حتى تنتهي فترة ترمب الرئاسية، فقد تبدو إخفاقاته مثل الانتصارات. إلا إذا كان هو رئيسك، ولا يوجد شخص يريد أن يعيش في أمة تنهار، قوة عظمى تتحول إلى أضحوكة.

وعلى الرغم من أن العديد من مقترحات ترمب هي إما غير قابلة للتطبيق أو غير محسوبة أو كارثية، لكن ذلك لا ينطبق على جميع أفكاره. فهناك البنية التحتية، وقبل كل شيء، البنية التحتية المباركة.

وكان إطلاق 59 صاروخ من طراز توماهوك على قاعدة شيرات الجوية في سوريا علامة على أن ترمب يعرف أن بشار الأسد مجرم يقتل الأبرياء ويجب التخلص منه. فلماذا لا يحشد الدعم الدولي للتخلص منه؟ ولماذا ينفق الجهد في منع اللاجئين الذين هم في الأصل ضحايا الأسد من دخول أمريكا؟

يقول جو والش، عضو الكونغرس السابق في حزب الشاي (تي بارتي) من إلينوي الذي يستضيف الآن برنامجاً إذاعياً عن أخلاقيات العمل لدى ترمب لا بأس بها». ومشكلته هي أنه يركز على الأشياء الخاطئة».

وشبه البعض أسلوب ترمب في الحكم بأسلوب الرئيس ريغان. ولا يتفق لو كانون، الذي غطى فترة رئاسة ريغان لصحيفة واشنطن بوست، وأصدر فيما بعد خمسة كتب عن ولايته في منصبه، مع أي محاولة لتلميع سمعة ترمب من خلال عقد مقارنات بينه وبين بطل المحافظين الأمريكيين الحديثين. يقول كانون: «لا يمكنني التفكير في سمة واحدة مشتركة بينهم.

فقد أخبرني كانون بثقة لقد كان الرئيس ريغان «أكثر جدية من الرئيس ترمب، في كافة الأمور». وتمتد هذا الجدية إلى الطريقة التي يعامل بها الآخرين، بمن فيهم موظفي البيت الأبيض والمعارضين السياسيين. وقال كانون «من الممكن ألا يعرف تفاصيل الصاروخ»، مشيراً الى مبادرة الدفاع الاستراتيجي لعام 1983، التي كثيرا ما سخرت منها الصحافة وأطلقت عليها اسم «حرب النجوم» بسبب رؤيتها المستقبلية للأمن القومي. «ولكن كان يعرف ما إذا كانت أم أحد المساعدين مريضة أم لا». على سبيل المثال، بعد وفاة والدته، تلقى كانون مكالمة تعزية قلبية من الرئيس: «كان لدى ريغان أسلوب إدارة واعية»، ويذكر المؤرخين. «أنه لم يكن كسولاً».

هاردينغ العصر الحديث

«حفل النبيذ في شيكاغو» كان عنوان الحلقة السابعة من الموسم السابع من المسلسل التلفزيوني ماريد ويذ تشلدرن. وقد تمت إذاعتها لأول مرة في يوم الأحد الموافق الأول من نوفمبر 1992. وفي يوم الثلاثاء التالي انتخبت الأمة وليام (بيل) كلينتون رئيساً جديداً لها.

وبعد خمسة أيام فقط، انتشر نوع من اليأس بالفعل، على الأقل وفقاً لتقرير غير مؤثر في صحيفة نيويورك تايمز.

وكتب ديفيد روزنباوم، «سلّم مؤيدي كلينتون بوضوح أن التغييرات السياسة التي وعد السيد كلينتون بتحقيقها يومياً خلال حملته الانتخابية لا يمكن أن تتم إلا تدريجياً وبشكل مؤلم».

كان بندي يشن حرباً سياسية من تلقاء نفسه. وتتضمن فرضية «حفلة النبيذ في شيكاغو» فرض ضريبة مقترحة على البيرة تساوي 2 سنت.

في منتصف الطريق تقريباً خلال الحلقة، ارتدى بندي بدلة بها أزرار ضد فرض ضريبة على البيرة، لتكون عنواناً ساخناً:

«لقد كانت الولايات المتحدة تُدار لفترة طويلة جداً بواسطة الأشخاص الذين يعرفون القضايا. أما الأشخاص الذين يشاهدون الأخبار على شاشة التلفزيون ويقرأون الكتب ويستمعون باهتمام بشكل عام. حسناً، كفى ذلك. «لأن هذا هو الوقت الذي يجب أن يكون لنا فيه رأي في مستقبل أمريكا. الأسرة، وآل بندي سوف ينتخبون رئيساً.»

لقد استغرق الأمر 25 عاماً، ولكنه اصبح لبندي الآن رجلٌ يجلس في المكتب البيضاوي. وعلى الرغم من أن انتخاب ترمب ربما كان بمثابة تحرك أصبع بواسطة الطبقة العاملة، إلا أنه كان أيضاً تعبيراً عن المظالم المشروعة والمنتشرة. وقد حول ترمب تلك المظالم لصالح حملته ببراعة، ولكن أهمية ذلك قد انتهت.

ترمب هو  شخص مقاتل، ولكن قبل 8 نوفمبر 2016، لم يقاتل إلا لنفسه. فهو لم يلتحق بالخدمة في الجيش أبداً. ونادراً ما تبرع للجمعيات الخيرية.

ويقول روبرت داليك، المؤرخ الرئاسي الشهير، إنّه لا يعتقد أن ثقل الرئاسة «لم يتبلور تماماً حتى الآن».

فقد أوضح ترمب من خلال إقالته لمدير مكتب التحقيقات الفدرالي جيمس كومي وإهانة النائب العام جيف سيشونز وتجاهله غير الرسمي لقواعد الأخلاق، أنه لا يرى البيت الأبيض أكثر من مجرد مكتب فرعي لأعماله التسويقية، ومنظمة ترمب.

كما أثبتت إقالة كومي السخيفة، أن ترمب لا يهتم كثير بفهم نطاق السلطة التنفيذية الخاصة بالحدود التي يحددها التقليد والدستور الأمريكي. وسوف يدافع دائما عن صورته المذهّبة، حتى عندما يجب أن يدافع عن الأهداف الأسمى.

سؤال وجيه: هل سيستمر ترمب بالتذمر من منصب لا يستحقه بنظر العديد من الأميركيين، أم أنّه سيُحسّن من أداءه ويتقبل الأمر الواقع ويعمل من أجل تحسين البنية التحتية في الولايات المتحدة على الأقل؟ الصورة: رويترز

فقد وردت تقارير لا حصر لها في الأشهر الأخيرة تفيد بأن مؤيدي ترمب «لا يهتمون» بالتحقيقات التي تتم بخصوص التواطؤ المحتمل لحملته الانتخابية مع القراصنة الروس والكرملين. ما يفتقده هذا البيان – الذي غالبا ما يعامل وكأنه وحي من السماء – هي حقيقة واضحة أن ترمب يهتم بعمق بتحقيقات روسيا. فإذا حكمنا من خلال حسابه على تويتر، كانت هناك أيام كثيرة لم يهتم فيها بأي شيء آخر سوى ذلك.

ويقارن داليك بشكل غير ملائم بين ترمب وبين رؤساء مثل ليندون بينز جونسون، الذي «تملق» المشرعين بلا كلل لتمرير مشاريع قوانين الحقوق المدنية ومكافحة الفقر. وبالنسبة لمهاراته في مجال عقد الصفقات، لم يظهر ترمب الكثير من القدرة على التفاوض مع الكونجرس، ربما لأنه يرغب في معرفة ما يريده أعضاء الكونجرس وما يرغبون فيه، وقبل كل شيء، ما يخافون منه. ويتطلب ذلك منه القيام بواجباته. فليس من السهل أن تهدد السناتور ليزا موركوسكي عن ولاية ألاسكا على تويتر. كما أن ذلك أقل فعالية بكثير.

ترمب يذكر داليك بالرئيس وارن جي. هاردينغ، الذي يطلق عليه «الرئيس الأقل فعالية» قبل الرئيس الحالي. يقول داليك عن الرجل المعروف باسم ووبلي وارن: «لم يكن لديه الصورة الكبيرة أو الصورة الصغيرة» و «لم يكن ذكياً للغاية».

ما يريده ترمب بوضوح هو أن يكون إرثه انعكاساً لهذا الشعار الموجود على قبعة البيسبول التي يرتديها مؤيديه.

فهو يرغب في أن يكون الرجل الذي أخرج أمريكا من مرحلة ما بعد الضيق الصناعي والحديث الصامت عن التدهور الوطني وصعود الصين. ولكنه لن يستطيع أن يفعل ذلك إذا ظل غارقاً في علله الموهنه، مثقلاً بأوجه القصور التي لديه فضلاً عن عدم رغبته في معالجتها.

وله الحق في الغضب عندما يتعرض للإهانة والهزائم. فقد غضب أخيل أيضا، ولكنه بعد ذلك قاتل ووضع الإهانات الشخصية جانباً ليهدم أسوار حصن طروادة. ولكن منهج ترمب هو منهج آل بندي.

بدأ بالغضب وانتهى به أيضا. فكل من الرئيس وبائع الأحذية تدفعه مطالبه غير المعقولة والمظالم التي يمكن حلها من خلال الجلوس على الأريكة، حيث يجلسون أمام التلفزيون ويقومون بالطهي.