الفوركس: العالم يدير ظهره لجلالة الدولار!

 “التحولات الجيوسياسية تعكس حاجة ملحة لاستبدال الدولار الأمريكي بشيء آخر”

بقلم  جون جيه هاردي، كبير استراتيجيي الفوركس لدى ساكسو بنك*
خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

نقترب من الربع الأخير لعام 2017 في ظل توترات جيوسياسية لافتة، ونقلات اقتصادية، وأجواء انتخابية حافلة بالعجائب؛ حيث يعيش العالم تغيرات مؤثرة وقد يجد نفسه مضطراً للاستغناء عن شيء ما، وقد يكون هذا الشيء هو الدولار. 

وتشير التحولات الجيوسياسية الناجمة عن تعاقب الأجيال إلى ضرورة ملحة لاستبدال الدولار الأمريكي بـ”شيء آخر”، حيث تفقد هذه العملة بشكل متزايد كفاءتها كخيار للاحتياط العالمي، وسيكون البحث عن ماهية هذا “الشيء الآخر” التحول الأبرز في الأسواق العالمية على مدى السنين القليلة القادمة. وفي السطور التالية سنلقي نظرة على خلفية هذه التحولات والعوامل الجيوسياسية التي تفرض ضغوطاً مباشرة وغير مباشرة على دور الدولار في الاقتصاد العالمي:

  • تزداد أهمية الصين في التجارة العالمية والأسواق المالية، ولاسيما أن الأنظار متجهة إلى العملاق الأحمر متطلعة لمعرفة ما سيتمخض عنه المؤتمر الـ19 للحزب الشيوعي الحاكم – والذي سيقام في أكتوبر القادم- من منهجيات وأفكار ستنتهجها البلاد الصاعدة في إدارة سياساتها والتعامل مع الفقاعة الائتمانية دون التأثير سلباً على اقتصادها المحلي والاقتصاد العالمي.

  • سعي النظام الكوري الشمالي المحموم للحفاظ على مصداقيته وهيبته كقوة نووية، وكيف يؤثر هذا الأمر على العلاقات بين الولايات المتحدة والصين. بالإضافة إلى تعامل اليابان مع هذا التهديد في إطار سياساتها المحلية والخارجية.

  • تراخي الحلف الأمريكي-الأوروبي العابر للأطلسي، وكيف سيرسخ الاتحاد الاوروبي مكانته كقوة عظمى مستقلة، أو كقوة عظمى لها ملامحها الخاصة بعد الانتخابات الألمانية.

انطلاقاً من هذه المحاور الرئيسية الثلاثة بإمكاننا استخلاص الموضوعين العالميين اللذين قد يكون لهما التأثير الأكبر على حركة العملات الرئيسية، وهما تراجع الدولار أولاً والدافع المالي ثانياً؛ والمقصود بالثاني هو احتمال الابتعاد عن منهجية فصل السياسات النقدية عن السياسات العامة ذات الصلة بالتوسع المالي، مع تحول البنوك المركزية إلى مجرد عامل مساعد، وهو ما يدعى بـ”المروحة النقدية”.

 

الدافع المالي وصلته بالأوضاع الجيوساسية: لم يعد يخفى على أحد منذ سنين عديدة بأن السياسات النقدية مفرطة اليُسر تعتبر أداةً سيئة لتحفيز الطلب في أي منظومة اقتصادية، ففي حين قد تكون نافعة للحيلولة دون حدوث انكماش ائتماني فوري، إلا أنه من الواضح للغاية الآن بأنها تعود بآثار جانبية ضارة على المدى الطويل. أما أسعار الفائدة السلبية والفائدة الصفرية والتسهيلات الكمية فهي مفيدة للأثرياء أصلاً، بما أن التكلفة المنخفضة لإصدار الديون والاستفادة منها تعود بنتائج إيجابية على المقرضين والمقترضين من ذوي الأهلية الائتمانية ممن يستطيعون تحمّل مزيد من الديون، ولكن تحقيق النفع لمن هم أثرياء أصلاً يعتبر منهجية ضعيفة للنمو الاقتصادي، بما أن الأثرياء لا يميلون كثيراً إلى إنفاق أرباحهم الإضافية.

وفي هذه الأثناء يعاني اللاعبون الجدد في المنظومة الاقتصادية من عقبات صعبة أمام المساهمة في رفع أسعار الأصول، وقد يجدون أنفسهم على سبيل المثال عاجزين عن توفير ما يكفي من المال لتسديد الدفعة الأولى من ثمن منزل ما بسبب ارتفاع أسعار العقارات. كما أن سوء تسعير المال من قبل البنوك المركزية قد يؤثر سلباً على الإنتاجية بما أن اللاعبين الأضعف من حيث الأداء الاقتصادي قد يواصلون عملياتهم بخدمة مديونية رخيصة ناجمة عن التراكم الهائل للديون، بدلاً أن يضطروا للخروج من السوق تماماً. يضاف إلى ذلك أن نمو الإنتاجية الوهمية والتأثيرات التوزيعية” (وهو مصطلح ملطّف لوصف اللامساواة الفاضحة الناجمة عن أسعار الفائدة السلبية والصفرية والتسهيلات الكمية) قد أعاد استحضار الشعبوية متمثلة في البريكست والرئيس ترامب.

وعند معاينة الأمور من وجهة نظر السياسات السائدة، فإن صعود الشعبوية وتزايد الاختلالات الناجمة عن انعدام المساواة سيؤدي إلى تغييرات في السياسات المتبعة؛ إذ نتوقع موجة جديدة من الضعف الاقتصادي بدلاً من أن نرى البنوك المركزية تواصل القيام بما قامت به سابقاًـ كما نلمح هبوطاً شديداً يسبق تراجع الدافع الائتماني قبل حدوث أي تحوّل نحو الحلول المالية.

وعند أخذ ذلك في عين الاعتبار ضمن سردنا الجيوسياسي، نلمس احتمالاً لحدوث تحفيز مالي حتى قبل الاستجابة الحتمية على الركود الاقتصادي الذي سنبلغه في نهاية المطاف، والمنطقتان الأكثر ترجيحاً لتشهدا تحفيزاً مالياً ملموساً خلال الأرباع القادمة هما اليابان والاتحاد الاوروبي؛ ففي اليابان وجد رئيس الوزراء شينزو آبي نفسه مضطراً للدعوة إلى انتخابات نيابية مبكراً في أكتوبر، سعياً منه لتعزيز موقفه المتشدد حيال الجار النووي الكوري الشمالي الذي يصعب التنبؤ بما قد يُقدم عليه، ولاسيما أن الدستور الياباني يتسم بطبيعة سلمية إلى أبعد الحدود. ويسعى آبي إلى إعادة موازنة نظام التأمين الاجتماعي الياباني بهدف تحسين مستوى الرعاية المقدمة للأطفال وتلبية احتياجات سكان البلاد الذين يشكل المعمرون نسبة كبيرة ومتنامية بسرعة بينهم، وقد طلب من المسؤولين إعداد باقة تحفيز مالية بقيمة 2 تريليون ين ياباني (17.8 مليار دولار أمريكي) بحلول نهاية العام، مع العلم بأن الين الياباني قد يحظى ببعض الاستقرار إثر هذه الخطوة، لاسيما بحكم أن بعض التركيز سيكون متمحوراً حول الاستثمار ذي الطابع المحلي، ما يقلص بشكل جزئي تدفق الوفورات إلى وجهات خارجية. كما أن هذا الأمر قد يؤدي في نقطة ما إلى ظهور بوادر تضخم، ما سيدفع ببنك اليابان إلى رفع قدمه عن “دواسة الوقود النقدية” التي يستأثر بها لحد بعيد، غير أن الوقت ما زال مبكراً لتوقع أي نوع من الفرملة.

وعلى الجانب الأوروبي، فإن ديناميكيات الواقع الراهن تنبئ بتوسعات مالية بعد الانتخابات الألمانية فيما يسعى كل من ميركل وماكرون إلى إصلاح الاتحاد الأوروبي بهدف تجنب المخاطر طويلة الأمد للشعبوية، والتي استعرضت قواها في انتخابات مختلف الدول الأوروبية، علماً بأن اليسار المتطرف أيضاً اغتنم الفرصة ذاتها لاستعراض عضلاته. وعلى الأرجح سيتمحور التركيز الأولي للحوافز المالية حول الشؤون الدفاعية بحكم تراجع فعالية الناتو وتذبذب الحليف الأمريكي الذي يركز بالدرجة الأولى على شؤونه الداخلية. خاصة وأن موضوع السياسة الدفاعية المشتركة يعتبر ذريعة أولية نموذجية لاستصدار ديون متبادلة، وهي خطوة لا غنى عنها إذا ما كان الاتحاد الأوروبي يرغب في المضي قدماً نحو تأسيس اتحاد مالي.

المشهد الجيوسياسي، الصين، وتراجع الدولار عن عرشه: بصفتها الاقتصاد الأكبر ومالكة أقوى عملة احتياطية في العالم، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تجاوزت حدودها عندما صدّرت عملتها إلى بقية العالم على شكل ديون للخزانات، والآن تعمل الصين الصاعدة على جني ثمار جهودها لتعزيز دور عملتها بهدف الحد من قوة الدولار في التجارة العالمية.  ويتمحور تركيزها الأولي على قطاع النفط العالمي، حيث أعلنت السلطات الصينية عزمها شراء النفط باليوان مع السماح لشركائها التجاريين بتسوية هذا اليوان بالذهب، وتعتبر فكرة “التسوية بالذهب” طريقة عبقرية لضمان شعور الدول المصدرة بالراحة حيال إجراء المعاملات باليوان.  وبحكم مكانتها كأكبر مستورد للنفط في العالم، فإن الصين في حال نجاحها باعتماد اليوان في التعاملات النفطية مع المحافظة على استقراره ستكون قد أقدمت بشكل موفق على أول خطوة هامة نحو تعميق أسواقها الرأسمالية وتنشيط الطلب العالمي على عملتها. كما أن حركة كهذه من شأنها مساعدة الصين في تنفيذ إعادة التوازن والابتعاد عن الإفراط في الوفورات (وبالتالي الاستثمار) والاتجاه أكثر نحو الاستهلاك.

وسيكون من دواعي سرور روسيا وإيران – وهما من أبرز مصدري النفط- أن يشاركا في هذه الخطة نظراً لمعاناتهما من العقوبات المالية والتجارية الأمريكية، وقد يلعبان دوراً هاماً في توفير العتبة الحدية المطلوبة، غير أن الاختبار الأهم سيعيشه حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية مثل المملكة العربية السعودية، والذين سنرى مدى استعدادهم للمخاطرة بالقوة المالية الأمريكية إن وافقوا على تقاضي ثمن النفط باليوان. وفي المجمل يبدو بأن الظروف تصب في صالح الصين لتنفيذ هذه الخطة رغم المخاطر التي تنطوي عليها.

وثمة وجه هام آخر لهذه الخطة، ألا وهو حاجة الصين إلى إخراج ذاتها من فائض الفقاعة الائتمانية التي ساهمت في خفضها بشكل كبير، ولاسيما منذ الأزمة المالية العالمية؛ حيث قال هذا الطرح على مدى السنين القليلة الماضية بأنه يجب على الصين خفض قوة عملتها أمام نظرائها العالميين، ولكن القيام بذلك قد يفسد الخطط المذكورة أعلاه لتقوية اليوان على الساحة العالمية ورفع مستويات الثقة بالاستثمار في الصين. وبدلاً من ذلك، ربما ستأتي مناورة الصين على شكل تصدير العملة إلى الخارج حتى تنخفض قيمتها إلى المستوى المطلوب، وذلك بالمقارنة مع سلع مثل الذهب والنفط بدلاً من المقارنة مع عملات أخرى. وفي جميع الأحوال تلتزم الصين التزاماً استراتيجياً باستقرار عملتها، وسوف تبذل قصارى جهدها لإجراء هذا التخفيض بوسائل مختلفة.

وفي ما يلي نستعرض توقعاتنا بمزيد من التفصيل حول اتجاهات عملات الدول العشر الكبار خلال الربع الأخير من العام الجاري:

الدولار الأمريكي: نتوقع استمرار هبوط الدولار الأمريكي، ولو أننا نستبعد رؤية هبوط متواصل خلال الربع الأخير (كما حدث خلال أغلب الأرباع السابقة). وقد تؤدي أصداء سياسة ترامب أخيراً إلى إحداث تأثيرات ملموسة لتدعم العملة الخضراء بشكل هامشي فيما يسعى ترامب والكونغرس إلى إجراء الإصلاحات الاقتصادية واتخاذ إجراءات مالية متواضعة في 2018، ولكن ذلك بالتأكيد لا يرقى لمستوى وعود ترامب الجامحة أثناء حملته الانتخابية في 2016. وتجدر الإشارة إلى أن أحد العوامل التي تؤثر سلباً على الدولار ولا تحظى بالاهتمام المطلوب تتمثل في نمو عجز الميزانية الأمريكية، والتي من المرجح لوضعها أن يسوء أكثر في ظل التضييق الكمي الذي ينتهجه بنك الاحتياطي الفيدرالي. وبما أن الولايات المتحدة تعاني من عجز مزدوج، فمن سيموّل هذا العجز مع تراجع الدولار على الساحة العالمية، ولاسيما مع توقف بناء احتياطات العملات الأجنبية لدى كبار بناة هذه الاحتياطات في آسيا والدول المصدرة للنفط، والتراجع المطرد لرغبتهم في الاحتفاظ بالدولار؟

اليورو: نتوقع لليورو مزيداً من الأرباح مع مضي المركزي الأوروبي قدماً في تقويته، وتلويحه بتطبيع سياسة الأسعار. كما نتوقع أن يُقدم الاتحاد الأوروبي على إصدار السندات الأوروبية، ما سيسهم في ردم الفجوة بين الفوارق السعرية المحيطية ويدعم المسار الصاعد المتواصل في الاقتصاد الأوروبي.

الين الياباني: قد نشهد تطورات سياسية متسارعة ومؤثرة في اليابان خلال الربع الأخير بحكم السلوك المقلق لكوريا الشمالية، فهل من الممكن أن تتراجع معدلات التضخم مع هبوط قيمة الدولار ودخول الحوافز المالية حيز التنفيذ؟ ليس باستطاعة بنك اليابان سوى أن يواصل انتهاج مساره الحالي في الشراء، فيما يلوح في الأفق سيناريو مروحة نقدية ذات تأثير قوي.

الجنيه الاسترليني: من المفترض أن يكون الربع الأخير من العام الجاري الفترة التي ستشهد إكمال المملكة المتحدة لصياغة رؤيتها عن مرحلة ما بعد البريكست وملامح وجهتها التالية، وبالتالي قد نشهد ارتفاعاً في قيمة الجنيه الاسترليني أمام الدولار.

الفرنك السويسري: إذا أثمرت الانتخابات الألمانية عن أجواء تمهد الطريق نحو تعزيز ترابط وتماسك الاتحاد الاوروبي، فسنكون أمام سبب أضافي لتراجع الإقبال على الفرنك السويسري بصفته ملاذاً آمناً، لاسيما وأن انتظار خطوات المركزي الأوروبي الهادفة لتخفيف تدخله ستكون بمثابة دليل حول خططه على هذا الصعيد خلال الربع ذاته.

الدولار الاسترالي: سيكون الدولار الأسترالي بمثابة وسيط يعكس أي إشارات ترسلها السياسة الصينية بعد الاجتماع التاسع عشر للحزب الشيوعي الصيني أواسط أكتوبر؛ حيث أن ظهور أي دافع مالي جديد إثر الاجتماع، مع انتعاش الاهتمام بالأصول المادية، سيكون بمثابة دعم للاقتصاد الاسترالي.

الدولار الكندي: تلقى الدولار الكندي دعماً قوياً نتيجة اعتماد بنك كندا منهجية أكثر صرامة بالتزامن مع إمكانيات النمو التي يعد بها الحافز المالي لرئيس الوزراء جاستن ترودو  (هل سيكون ذلك بمثابة مثال يحتذى به للاقتصادات الأخرى؟)، غير أن السوق ربما قد تكون استبقت الأمور بتوقعها من بنك كندا أكثر مما تتوقعه من الاحتياطي الفيدرالي في 2018.

الدولار النيوزيلندي: ثمة مخاوف طويلة الأمد حول تقييم الكيوي، غير أن البنك المركزي يمسك بزمام الأمور.

الكرونة السويدية: تعتبر الكرونة السويدية رخيصة للغاية، غير أن ذلك ما يريده البنك المركزي السويدي ’ريكسبانك‘، وقد خاطر بالسلامة الاقتصادية طويلة الأمد عبر انتهاجه سياسة مريحة غير مدروسة، وتسبب بفقاعة إسكانية مزعجة.

الكرونة النرويجية: في ظل اعتزام الصين تقويض أساسات البترو-دولار وما سينجم عن ذلك من مشاكل في أسواق النفط، فإننا نرى بأن وضع الكرونة النرويجية سيكون إيجابياً خلال الربع القادم.

الأسواق الناشئة: بشكل عام تمثل المواجهات الجيوسياسية وارتفاع معدلات التقلب عاملين من المحتمل أن يؤثرا سلباً على الأسواق الناشئة وعملاتها من حيث السيولة، إذ يبحث المستثمرون عن ملاذات أكثر سيولة (مثل الين الياباني والدولار الامريكي واليورو) عندما تسود التقلبات على الأسواق، غير آن الأحداث الأخيرة تظهر بأن عملات الأسواق الناشئة أصبحت أقل عرضة للاهتزازات مقارنة بالدورات الماضية، وإذا ما تحققت توقعاتنا بخصوص تراجع قوة الدولار حتى في ظل ارتفاع التقلبات، فإننا سنشهد إقبالاً أكبر على شراء معظم عملات الأسواق الناشئة أملا في ارتفاع قيمتها، ولاسيما الروبل الروسي والليرة التركية.

*جون جيه هاردي، كبير استراتيجيي الفوركس لدى “ساكسو بنك”