القصة الكاملة لاتحاد الإمارات كما رواها محمد بن راشد

عودة لرواية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في العام 2011 عن الاتحاد

بقلم نوره الشحي 

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط 

في أحد أيام الصيف الحارة من ستينات القرن الماضي، بين كثبان صحراء الإمارات الذهبية التي لسعتها أشعة شمس يوليو، كانت هناك خيمة من الشعر منصوبة وسط الرمال.

جلس رجلان يحتسيان القهوة العربية ويتناقشان الأفكار بعيداً عن مسمع العالم وأعينه. وسبب اختيارهما لمنطقة عرقوب السديرة النائية عن ضوضاء المدن على التخوم الفاصلة بين دبي وأبوظبي، أن الأفكار التي كانوا يقلّبونها بينهم لم تكن بالعادية، بل كانت على مستوى تخطيط استراتيجي لبناء دولة لم تكن موجودة حتى ذلك الوقت وأراضيها مُقسّمة ومُحتلة.

الرجلان نفسهما لم يكونا من المستوى العادي أيضاً، لا بالفكر ولا بالفعل. ولكم أن تتخيلوا فقط أن من كان يقدم لهما القهوة في ذلك اليوم، كان الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حاكم إمارة دبي الحالي، لتعرفوا أهمية الرجلين وخطورة تلك المرحلة.

وللتاريخ، كان اجتماع الصحراء الثنائي الأطراف نواة بدء تجميع إمارات الساحل المُتصالح لتكوين دولة باتت اليوم أيقونة في الشرق الأوسط ورائدة في العديد من المجالات حول العالم.

والرجلان كانا الشيخ زايد بن سلطان آل النهيان، حاكم أبوظبي الذي أصبح لاحقاً رئيس الإمارات، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم إمارة دبي ولاحقاً نائب رئيس الدولة رحمهما الله

قصة هذا الإجتماع والعمل الدؤوب لتكوين دولة الإمارات والتخلص من نير الإستعمار البريطاني وقتها، ننقلها لكم بكلمات الشيخ محمد بن راشد  الذي عاصر تلك الأحداث المصيرية خطوه بخطوة بدءاً من تلك الخيمة الصغيره وسط الصحراء، وكما نقلها لشعوب المنطقة والعالم في محاضرة عن روح الاتحاد في عيد تأسيسه الأربعين في العام 2011.

وبحسب السرد التاريخي لأحداث تلك الفترة، والتي كشفت عن جوانب هامّة من تاريخ تأسيس الإمارات لم يتم الإضاءة عليها من قبل، يذكر الشيخ محمد بن راشد أن والده والشيخ زايد اللذان كانا يلتقيان دورياً بحكام الإمارات الباقية، لم يكونا مرتاحين لهذه الإجتماعات، بل رأوا فيها مضيعة للوقت والجهد. وبالاضافة لذلك، فإن كاتب جدول أعمال مجلس الشيوخ كان ممثل دولة الحماية (بريطانيا) التي كانت تعمل جاهدةً لمنع قيام الأتحاد.

18 فبراير 1968، المبادرة الأولى

بعد صلاة الظهر جلس الشيخ زايد والشيخ راشد يتبادلان أطراف الحديث. وما إن غربت الشمس خرج الشيخان من الخيمة وتصافحا على كلمة الشيخ راشد: على بركة الله أنت الرئيس“.

رد الشيخ زايد: على بركة الله، وضعنا حجر الأساس وبنبني الجدار إن شاء الله”. 

صور تجمع الشيخين زايد آل نهيان (يمين) و راشد آل مكتوم (يسار) خلال معرض صور.

كانت تلك كلمات شرفٍ بين الشيخين ولم يستطع أحد أن يدخل بينهما ليمنع ولادة الاتحاد واستمراره، حتى بعد مرور 46 عاماً

وتم إعلان اتحاد يضم إمارتيّ أبو ظبي ودبي كبداية لاتحاد أكبر وأشمل.  

حاول الإنجليز بشتى الطرق القضاء على هذا الإتحاد قبل أن يكبر ويقوى، من دون جدوى.

في تلك الفترة لم يكن في الإمارات سوى ٤٥ خريجاً جامعياً منهم الشيخ محمد بن راشد الذي كان قد تخرج من أكاديمية مونز العسكرية في بريطانيا، ولذا قام الشيخ زايد بتعيينه وزيراً للدفاع لاحقاً في العام 1971، ليصبح بذلك أصغر وزيرٍ للدفاع في العالم عن عمر ناهز 22 عاماً.

وقد حاول الإنجليز اللعب على وتر قلة الخبرات في الإمارات وحداثة الاتحاد. وبحسب الشيخ محمد بن راشد فقد قام أحد المسؤولين الإنجليز بزيارته قائلاً: يا محمد أنتم لا تفهمون شيئاً ولا تعرفون كيف تتعاملون مع الأوضاع”، ومن ثم قام نفس المسؤول بتعيين “البريغادير دو بايتس” مستشاراً عسكريا عليهم مع أوامر ألّا  يشتروا الأسلحة أو يقوموا بأي عمل إلا بأمر من المستشار الجديد.

أثار هذا الأمر حفيظة الشيخ محمد بن راشد، بيد أنّه لجأ للحيلة من أجل تجنيب مرور أي معاملة عبر مكتب المستشار الإنجليزي الجديد.

وبفطنته، أمر الشيخ محمد الأعوان بفصل مكتب فخم وكبير للمستشار، وعيّن على بابه حراس يؤدون التحية العسكرية له عند دخوله وخروجه، مما جعل المستشار يظن بأنه يتحكم بزمام الأمور والحراس مُعيّنين لحمايته، لكنه لم يكن يعلم بأن كل هذه المظاهر كانت بهدف تعمية عينيه عن حقيقة أن الحراس موجودين لمنع أي معاملة أو ورقة من الوصول إليه قبل أن يراها الشيخ محمد أولاً، وهذا ما ساهم في منع الإنجليز من التدخّل في أمورهم.

25 اكتوبر 1968 الإتحاد التساعي والبلبلة القطرية

تم دعوة حكام باقي الإمارات بالإضافة إلى قطر والبحرين للإنضمام إلى هذا الإتحاد وتم توقيع اتفاقية أولية للأتحاد التُساعي، ولكن لم يتم الإعلان عنه رسمياً، وتم تعيين الشيخ زايد رئيساً للدولة والشيخ راشد نائباً له والشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، ولي عهد قطر آنذاك والذي أصبح حاكماً لقطر في العام 1972 في إثر انقلاب أبيض على ابن عمه، رئيساً للوزراء.

وفيما كان يمر الإتحاد بفترة عصيبة بسبب معارضة البعض ومحاولات التفرقة التي كانت تقوم بها بريطانيا، تلقى الاتحاد صفعة قوية مِن قبل الشيخ أحمد بن علي آل ثاني، أمير قطر في ذلك الوقت.

فقد اقترح الشيخ أحمد تسمية ( أبوظبي، دبي، قطر والبحرين) دولة الإمارات، بينما يُطلق على باقي الإمارات ( الشارقة، عجمان، أم القيوين، رأس الخيمة، والفجيرة) تُسمى بولايات إمارات الساحل العربي، ويرأسها ولاة.

امتعض جميع الحكام وخاصة الشيخين زايد وراشد اللذان قررا تجاهل المقترح الذي يُفرّق بين الإمارات بدلاً من أن يجمعها.

وبعد مرور سنتين من النقاش لوضع القوانين ودستور الدولة الوليدة انسحبت البحرين وقطر من الإتحاد التُساعي.

أمير البحرين الشيخ عيسى آل خليفة (يمين) مع الشيخ زايد آل نهيان في ثمانينات القرن الماضي. ويبدو وزير دفاع الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في خلفية الصورة (منتصف آخر صف). -رويترز

2 ديسمبر 1971: قيام الإتحاد

في الثاني من ديسمبر من العام 1971، اتحدت ست من السبع إمارات هي أبوظبي، دبي، الشارقة، عجمان، أم القيوين، الفجيرة، تحت مسمى دولة الإمارات العربية المتحدة.

وتم التوقيع على الدستور المؤقت وانضمت إمارة رأس الخيمة للاتحاد بعد ذلك ببضعة أشهر، وتحديداً في 10 فبراير 1972، من منطلق وحدة المسار والمصير والروابط العائلية بين كافة الإمارات.

Facebook Comments

Website Comments

Post a comment