القصر المسكون: من حكايا الجن للتماثيل المشوهة، ما هي حقيقة هذا المكان؟

بقلم وتصوير نوره الشحّي

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

أصوات صرخات نساء في منتصف الليل؛ وجوه أطفال تُطل من النوافذ؛ أضواء تظهر تارة وتختفي تارةً أخرى؛ تُحفة معمارية يُقدّر ثمنها بنصف مليار درهمٍ، لم تُسكن إلا لليالٍ معدودة قبل أن يهجرها أصحابها تاركين وراءهم قصراً مسكوناً… أو على الأقل هذا ما يُشاع.

إنها ليست قصة من وحي الخيال أو سيناريو لفيلمٍ سينمائي، إنما واقعٌ يعيش أحداثه سُكان دولة الإمارات وإمارة رأس الخيمة تحديداً.

القصر المسكون يملكه الشيخ عبد العزيز القاسمي، وهو فرد من أفراد الأسرة الحاكمة في إمارة رأس الخيمة.

تم بناؤه قبل خمسة وعشرين عاماً تقريباً، ويتمتع بموقع استراتيجي فوق هضبة مرتفعة تُتيح له إطلالة بانورامية على الإمارة.

يحوي القصر على ما يزيد عن خمسمئة لوحة فنية تشمل تصاوير لنِساءٍ جميلاتٍ وأطفال يلعبون وحيوانات؛ ونحو مئة تمثال لوحوش البريّة وطيورها؛ مع الملاحظة أن رؤوس الطيور قد قُطِعت بشكل لا يمكن تفسيره.

كما ويتفرد المنزل بهرم زجاجي يتوسط إحدى غرف الطابق الثاني، تعلوه طاقة (منور) تربطه بغرفة في الطابق الثالث، التي تنفرد برسومات للأبراج الفلكية.

هذه الغرفة الأخيرة تعلوها نوافذ كبيرة تُضيء الرسومات وينسكب ضوءها عبر الطاقة إلى الهرم في الطابق الثاني لتنيره بشكل طبيعي.

في الخارج نافورة قد جُفّت مياهها وجدران بيضاء تشهد التفسخات وتقشر دهانها الأبيض على عوامل طقس لا يرحم وزمن لا ينتظر أحداً، بالرغم من اعتماد المالك الأساسي على أجود أنواع مواد البناء في تشييد هذا الصرح العمراني.

أما في الداخل، فتبهرك الرسومات الجميلة التي تُزين أسقف وجدران معظم غرف القصر بألوانها اللامعة وبلاطها المصقول ونقوشها المذهبة.

حكايا الجن

في هذا المكان، ومن على رأس التلة المشرفة على منطقة الظيت، انتشرت روايات عن قبائل الجان التي تسكن المكان، واللصوص الذين يحاولون سرقته، وأمور أخرى لا يألفها الخيال؛ لتصل الشائعات للغرب، جاذبة معها قوافل من المغامرين الحشريين وأولئك الباحثين عن الإثارة أو البعض ممن لا يصدق الأقاويل ويريد إثبات زيفها للعالم.

وما بين الحقيقة والخيال، يقف حارس القصر بالمرصاد ليمنع العابثين من دخوله ليلاً؛ فالقصر يحوي تحفاً فنّية بعضها نادر وقيّم.

يقول سُكّان الحيّ المجاور للصرح المسكون إن أهم أسباب هجر أصحابه له هو وجود التماثيل والمجسمات واللوحات الغريبة، التي وفقاً للتعاليم الإسلامية، يُكره تعليقها في المنازل.

وبحسب المعتقدات المحلية، فالجن قادر على لبس التماثيل والتشكل فيها.

بالتالي، يؤمن العديد من الأشخاص أن تلك اللوحات والمجسمات مستلبسة وتمنع دخول الملائكة للمنزل.

وفيما تسترسل المعتقدات العربية في تصنيف الجان بين من يسكن الصحارى والوديان أو المزابل والأماكن الخالية، بات من شبه المؤكد لمن يؤمن بذلك أن بقاء البيت فارغاً لفترة طويلة أفسح المجال للجن لاتخاذ القصر منزلاً لهم.

ويُقال إن أصحاب المبنى قاموا بقطع شجرة معمرة في مكانٍ خالٍ كان يسكنها قبيلة من الجن، قبل أن تعمر تلك المنطقة؛ وبالتالي، وبعدما استعدى الإنس على منزلهم وبنوا القصر على أرضهم، رفض الجن ترك المكان واستوطنوا البيت ليهرب بعدها سكانه بسبب الأصوات المرعبة.

ويشتكي سُكان المنطقة والبيوت القريبة من القصر أنه ما أن يأتي الليل حتى يسمعوا أصوات صرخات نساءٍ ومعازف لا يعلم أحدٌ مصدرها.

وعلى الرغم من المحاولات المتعددة لطرد هذه المخلوقات من القصر، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل.

ويُقال أنه عندما تم إحضار أحد أكبر مشايخ الدين من مصر ودخل لمباركة المكان وتطهيره، لم يجد نفسه إلا أنه ملقى في الخارج، وسط دهشة أصحاب البيت وشيخ الدين نفسه.

ومنذ ربع قرن، لم يتجرأ أحد على السكن في هذا القصر، الذي ظل مهجورا تماما، حتى قررت إحدى الجامعات البريطانية استئجاره لتحويله إلى معهد للتعليم.

إلا أن حظ البريطان لم يكن أوفر من حظ مالكي القصر؛ فلم ينقض وقت طويل حتى تم إغلاق الجامعة، ولم تُعرف الأسباب، وإنْ بقي الأمر مثار تأويلات حتى يومنا هذا.

واستناداً لما دوّنه بعض المغامرين من ذوي القلوب الشجاعة ممن قرر استكشاف المنزل ليلاً أو عند الغروب -ولا نعلم إذا ما كانت رواياتهم عمّا حدث لهم هو من نسج خيالهم أم حقيقة خارقة- فإن القصر يبعث في النفس رهبة لضخامته ودهشة من جمالية تصميمه ويحتمل كل الإشاعات التي تتناقل عنه.

مغامرون مع وقف التنفيذ

يقول أحد المغامرين ممن زار القصر إن ممتلكاته تعرّضت للتخريب، وحين سأل الحارس سبب بعثرة الأثاث أجابه هذا الأخير بأنه في كل مرة يتم ترتيب المنزل يجدوه مبعثراً في اليوم التالي.

واستعجب المغامر من غرابة بعض اللوحات التي تُصَوِّر غزالاً مذبوحاً ورجلاً شبه عارٍ إضافة إلى حقيقة أن جميع تماثيل الطيور في القصر قد قُطِعَت رؤوسها.

ويُقال أن أحد الأشخاص الذين لا يؤمنون بوجود الجن، وكان يدّعي أن كل ما يحدث هو مجرد خزعبلات وخيال، قد قرر دخول المكان واستكشافه؛ وما إن وصل إلى باب القصر حذره الحارس من الدخول، لأن كل من حاول ذلك خرج في حالة من الذهول والخوف.

ورغم التحذير دخل المغامر القصر ولم يأخذ بكلام الحارس على محمل الجد.

وبينما هو يمشي في الممرات ويجول في الغرف، شعر بأن أحداً ما يقوم بمراقبته، وأن التماثيل تتبع خطواته، واللوحات تُرسل في نفسك شعوراً غريباً بالرهبة، كما وجد حيوانات وطيور حيّة وتعجب من كيفية دخولها للمكان.

يقول بأنه شعر بالخوف عندما رأى اللوحات المعلقة على الجدران قد تحولت للبياض وأصبحت فارغة.

وما إن خرجَ من القصر محاولاً التقاط أنفاسه، حتى ظهر الحارس في وجهه قائلاً إن قبيلة من الجن تسكن هنا ولا أحد يستطيع تحديها أو العبث معها.

القصر كما بدا من بعيد بعدسة الزميلة نورة الشحي

وفي رواية أخرى، قررت إحدى المراسلات المبيت في القصر لليلة كاملة، وروت كل ماحدث لها خلال إقامتها القصيرة، والمرعبة.

كانت قد تجولت في الغرف المكسوة بالغبار، وتعثرت بلوحة ملطخة بالدماء عليها رسم غزال وكومة من عظام الفئران. أما المكان فكان كمختبر مهجور، تفوح منه رائحة جثث متعفنة ومادة الكحول الطبية؛ وبشكل عام، كان الجو مثيراً للأعصاب كفيلم رعب.

تقول بأن كل شيء داخل إحدى القاعات من صورٍ وتماثيل مقطوعة الرأس ذكرها بمصاص الدماء الشهير الكونت دراكولا.

وافترشت أرض القاعة الحصى المبعثرة بشكل غريب فظنّت المراسلة أن أطفال الحي الأشقياء هم من قاموا برميها لإخافة زوار القصر.

وما أضاف إلى جو الرعب وجعل المراسلة تهرول نحو الغرفة الأساسية لتأوي إلى كيس نومها خائفة ، كان رؤيتها لجملة مكتوبة بخط رديء في حمام الطابق السفلي تقول ” عش الحياة واعشق الموت“.

تقول إنها استيقظت بشكل فجائي فجراً دونما تفسير.

وكانت غير قادرة على التفريق بين الحلم والواقع.

فالحيوانات كانت تنزف وتعود للحياة والثريا تومض بشكل متكرر؛ وما لبث أن بدأ سيل من الحصى ينهمر عليها، فيما لعلع صوت أطفال يقهقهون من مكان ما.

وما كان منها إلا أن أغمضت عينيها وانتظرت أول إشراقة شمس لتهرع نحو الخارج وعلامات الخوف والتعب مرسومة على وجهها.

سألها الحارس كيف كانت ليلتها، فاشتكت من أطفال الحيّ الذين لم يتركوها تنام بسلام، وهنا كانت المفاجأة المرعبة؛ إذ أخبرها الحارس بأنه لا يوجد أطفال في الحيّ ويبدو أنهم ليسوا إلا أطفال الجن.

المراسلة لم تنتظر طويلاً حتى هربت من المكان دون أن تلتفت للوراء.

يؤمن البعض بأن ما حدث ويحدث لأهل القصر هو عمل حاقد وحاسد ركن إلى السحرٍ الأسود والشعوذة ، بسبب الغيرة.

ويظن آخرون أن تصميم المهندس وخاصة وجود الهرم، ساهمت بجلب طاقة سلبية للمكان.

فالشكل الهرمي كشكل هندسي قد يستجمع، بحسب البعض، قوى خاصة و يمتص الجاذبية الأرضية ويوجهها للأعلى، في خط مستقيم.

يظن البعض أن ما يحدث في القصر وما يشاع ليست إلا أكاذيب لفقها الحارس بهدف إبعاد الزائرين عنه ومنعهم من الدخول ليخلو المكان له ولمصالحه الشخصية.

ويأبى الحارس إدخال الناس للقصر مدّعياً أن هناك شيخ دين يسكنه حالياً.

وبحسب سكّان الحي لا يسكن أحد في القصر وهو فارغ.

وتظل هذه الروايات حول القصر مجرد قصص يتناقلها أهالي المنطقة فيما بينهم لحل لغز الأصوات الغامضة؛ خاصة أنه لم يُعرف إلى الآن السبب الرئيسي لترك أصحابه له، خالياً من البشر ومليء بالتماثيل والتحف النادرة دون حتى أن يأخذوا شيئاً منها. كما لم تقم الجهات المعنية بإيجاد حل لهذا القصر المهجور الذي يمكن أن يكون مرتعاً للمخالفين والمتسكعين.

Facebook Comments

Leave a Reply