القطبة المخفية لعملية “قض المضاجع”، ولبنان “ليس غوانتنامو”

');

مارلين خليفة

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

أكد مصدر أمني رفيع لمجلة نيوزويك الشرق الأوسط عدم وجود أي تفاوضٍ مباشر ما بين الجيش اللبناني والمسلحين الإرهابيين في جرود عرسال، خاصّةً أنه يُوجد جنود لبنانيين لا يزالون مفقودين.
كلام المصدر الأمني جاء عقب نقاش سياسي حادّ انتقل أمس الى مجلس الوزراء اللبناني حول إمكانية التنسيق مع النظام السوري في ملف النازحين، وبعدما أثارت وفاة ٤ نازحين سوريين قيد التحقيق تشكيكاً من قبل بعض الناشطين حول ظروف إعتقالهم والتحقيق معهم عقب عملية “قض المضاجع” التي قام بها الجيش اللبناني في منطقة عرسال فجر يوم الجمعة، ٢٩ يونيو.
وكان بيان لقيادة الجيش أشار إلى أن النازحين الأربعة، والذين كانوا من ضمن ٣٥٠ موقوفاً من مخيمي القارّية والنور في منطقة عرسال، قد توّفوا لـ”أسباب صحية.”
إلّا أنّ هذا الأمر لم يُقنع بعض الناشطين على مواقع التواصل الإجتماعي، خصوصاً المؤيدين للمعارضة السورية والذين شنّوا حملات تشكيكية بظروف الوفاة.

البداية من عرسال

يبلغ تعداد سُكّان مدينة عرسال اللبنانيين ٤٠ ألف نسمة، يستقبلون في رقعة جغرافية محدودة قرابة ١٠٠ ألف نازحٍ سوري، ما يعني مرّتين ونصف عدد سُكّان هذه البلدة اللبنانية الحدودية.
وتضمّ المدينة ١١٠ مخيّمات للنازحين السوريين، وتقع ضمن رقابة الجيش اللبناني، وقد سمحت المؤسّسة العسكرية اللبنانية لجميع المنظمات الإنسانية الدولية واللبنانية تزويد هذه المخيمات بكلّ المستلزمات التي يحتاجها النازحون. ولا يتدخّل الجيش اللبناني في هذه المخيمات البتّة.

لكن ثمّة منطقة تحوي ١١ ألف نازحٍ وتقع في الجرد وهي خارج نطاق رقابة الجيش، وهنالك توقعات بأنها تضمّ مسلحين، وقد سمح الجيش اللبناني بدخول المنظمات الإنسانية لنقل الأغذية والمواد للقاطنين فيها لكن بشروط معينة تخدم أمن السكان المدنيين.

ويقول المصدر الأمني الرفيع إن “حياة المدنيين هي أولوية للجيش، وليس جميع النازحين مسلحين أو متّهمين، ولغاية اليوم فإن المخيمات كلها تحت السيطرة لكن أي خلل أمني سيضعنا أمام هاجس وجود ١١ ألف شخصٍ مختلطين ما بين مدنيين ومسلحين، وسيكونون عائقاً أمام أية عملية عسكرية إضطرارية لملاحقة إرهابيين محتملين.”

يُذكر أن منطقة عرسال كانت قد شهدت محاولات هجوم عنيفة عدّة نفّذها إرهابيو داعش والنصرة، كان أكثرها عنفاً في العام ٢٠١٤، عندما حاولت أرتالٌ من الإرهابيين السيطرة على ثكنة للجيش وتصدى لهم قائد كتيبة تلة ٨٣، العقيد نورالدين الجمل، الذي إستشهد مع عدد من رفاقه بعدما تم إستهدافهم بصواريخ حديثة مِن قِبَل الإرهابيين.

العين الساهرة: جندي من الجيش اللبناني يقف عند مرتفعٍ يُشرف على بعض مخيمات النازحين في منطقة عرسال، والتي يتخلل بعضها مسلحين وإرهابيين يروّعون أمن المخيمات والقرى اللبنانية المحيطة. الصورة: رويترز

أول الخيط

ويروي المصدر الأمني أنه منذ قرابة أربعة أشهر، وإثر متابعة حثيثة لعدة خيوط، وصلت معلومات إلى مخابرات الجيش اللبناني تفيد عن وجود تحركات أمنيّة مشبوهة في مخيّمي قارّية والنور في عرسال.

وحاول الجيش اللبناني القيام بعمليات مخابراتية عادية لجلب متهمين فلم يفلح نظراً إلى كثافة عدد سكان المخيمين، فاتخذ قراراً بتطويقهما من الخارج، وتم الطلب إلى السكان الخروج لفصل النساء والأطفال والشيوخ عن الشبان، وبالتالي عن مقاتلين محتملين أو إرهابيين، بغية الدخول لتفتيش المخيمين.
وعوض الحصول على ذخائر وأسلحة كما جرت العادة، فوجئت القوى المداهمة بإنتحاريين يفجرون أنفسهم بالعسكر وبالمدنيين.

فعند ساعات الصباح الأولى من يوم الجمعة، قامت وحدات تابعة لفوج المجوقل بعمليات دهمٍ للمخيمين المذكورين تخللها قيام ٤ إنتحاريين من سُكّان المخيمين بتفجير أنفسهم ما أدى إلى وفاة طفلة نازحة. وأسفرت العملية الأمنية عن جرح ١٩ جندياً من الجيش اللبناني بعضهم يرقد في المستشفيات في حالٍ حرجة، منهم ثلاثة معرّضين لخسارة بصرهم. كما أسفرت عن توقيف عشرات الإرهابيين الخطرين والمطلوبين في المنطقة، بعضهم من المتعاملين مع جماعات إرهابية.

وإثر التفجيرين الإنتحاريين الأوليين، فاجأ إنتحاري ثالث الجيش بتهديده بتفجير نفسه قرب عائلة نازحة بأكملها، مما يعني أنه إتخذ من هذه العائلة دروعاً بشرية.

إرهاب على مرأى العين: مسلحين من تنظيم جبهة النصرة الإرهابي، وهو ذراع القاعدة في بلاد الشام، يستعرضون خلال عملية لتبادل الأسرى مع الجيش اللبناني في منطقة عرسال في ديسمبر من العام ٢٠١٥. الصورة: رويترز

وبعد مفاوضات شاقة مع الجيش وافق الإنتحاري على إخلاء سبيل العائلة، وفيما همّ عسكري من الجيش بحمل فتاة صغيرة من العائلة تمهيداً للخروج بها بعيداً، وإذ بالإنتحاري يفجّر نفسه في تلك اللحظة، لتسقط الطفلة صريعةً ويُصاب العسكري بجراحٍ بليغة.

وأتت حصيلة التفجير الإنتحاري الرابع لترفع من عدد مصابي الجيش إلى ١٩ موزعين على ٧ مستشفيات.

وفيما تمّ نقل جثث الإنتحاريين الأربعة إلى المستشفيات المتخصصة، تمّ التعرّف على هوية ٣ منهم، وتسليمهم إلى ذويهم بالتعاون مع بلدية عرسال وبأمر من القضاء وتحت إشراف الصليب الأحمر اللبناني. أمّا الإنتحاري الرابع، فقد بقي مجهول الهوية وقد خصصت البلدية أمكنة لدفن جثث الإنتحاريين.

توقيفات ووفيات

وبنتيجة المداهمات، أوقف الجيش اللبناني ٣٥٠ شخصاً للتحقيق معهم، وتم إطلاق سراح نحو مئة منهم بعد التحقيق معهم. وتم توزيع الموقوفين على ٩ مراكز، بحسب المصدر الأمني ذاته، الذي لفت إلى أن ظروف إعتقال الموقوفين إحترمت المتطلبات الصحية وحقوق الإنسان والمعايير الدولية. وفي أثناء التوقيف الإحتياطي، الذي يمتد بحسب القانون إلى ٤ أيام للتحقيق، تعرض بعض الموقوفين لوعكات صحية نتيجة لوجود أمراض كامنة لديهم تضافرت مع إرتفاع درجات الحرارة التي وصلت في البقاع الى ٤٣ درجة آنذاك مما استدعى لنقلهم للمستشفيات المدنية وليس العسكرية. وتوفي لاحقاً ٤ أشخاص في مستشفى زحلة الحكومي ومستشفى رفيق الحريري الحكومي حيث كانوا يخضعون للمعالجة.

يُذكرأن جثث المتوفين كان قد تم عرضها على الطبيب الشرعي الذي قال في تقريره بأن الوفاة طبيعية.

ويقول مصدر عسكري آخر لنيوزويك الشرق الأوسط: “لو أردنا تعذيبهم، لما قمنا بنقلهم إلى المستشفيات من أول يوم. بعض الموقوفين كان مريضاً ونحن حوّلناهم للمستشفيات كي لا يُقال أننا منعنا عنهم العلاج.”

ويستطرد: “أستغرب لوجود سيل من الإتهامات التي تنتقص من مناقبية الجيش في وقت يقبعون فيه هم بأمان فيما ١٩ من جنود الجيش يرقدون في المستشفيات وثلاثة منهم على شفير العمى لكي يحموا البلد من تفجيرات لولا لطف الله وتحرك الجيش لكانت حصدت المئات.”

وتستمر عملية التحقيق مع بقية الموقوفين، وهو أمرٌ يحتاج إلى وقت، في ما أصدرت قيادة الجيش- مديرية التوجيه بياناً اليوم الأربعاء ٥ يوليو، جاء فيه أنه “وبعد التحقيقات التي أجريت مع عدد من الموقوفين السوريين الذين أوقفوا خلال مداهمة المخيمات في عرسال لغاية تاريخه، تمَّ إخلاء سبيل ١٥ سورياً لتجولهم على الأراضي اللبنانية بصورة قانونية، فيما أحيل ٨٥ آخرين الى المديرية العامة للأمن العام لتجولهم على الأراضي اللبنانية بصورة غير قانونية.”

في المقابل، شدد المصدر الأمني الرفيع على  أنّه “ليس لدينا في لبنان معتقل غوانتانامو” بل مراكز توقيف بإشراف القضاء اللبناني.

Facebook Comments

Website Comments

Post a comment