اللبنانيون يتنشقون رائحة الموت.. من حرق النفايات

نيوزويك الشرق الأوسط، هيومان رايتس واتش

بعد مرور عامين على انطلاق أزمة النفايات الحقيقية في لبنان، وبعد صدور تقارير عدة تحذر من خطورة التلوث على حياة اللبنانيين، لم تسعَ السلطات اللبنانية جاهدة لوقف المجزرة البطيئة التي تطال كل المواطنين اللبنانيين، بحيث يتنشق اللبنانيون حرفياً موتهم، من خلال حرق النفايات، التي ينبعث منها مواد سامة جداً.

ولهذه الغاية، أشارت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تقرير نُشر اليوم الجمعة إلى أن عدم اتخاذ السلطات خطوات لإنهاء حرق النفايات في الهواء الطلق في مختلف أنحاء لبنان يُعرّض السكان المجاورين لمواقع الحرق لمخاطر صحية، وينتهك حقهم بالصحة.

يخلُص تقرير “’كأنك تتنشق موتك‘: المخاطر الصحية لحرق النفايات في لبنان”، المؤلف من 53 صفحة، إلى أن عدم اتخاذ السلطات اللبنانية إجراءات فعالة لمعالجة انتشار حرق النفايات في الهواء الطلق، وغياب المراقبة المناسبة أو المعلومات حول الآثار الصحية لهذا الحرق، ينتهكان التزامات لبنان بموجب القانون الدولي.

حرق النفايات في الهواء الطلق خطر، لكن يمكن تجنبه، وهو نتيجة عقود من عدم تعامل الحكومة مع النفايات الصلبة بطريقة تحترم القوانين البيئية والصحية المصممة لحماية الناس. وثّقت دراسات علمية المخاطر التي يشكلها دخان حرق النفايات المنزلية في الهواء الطلق على صحة الإنسان. الأطفال والمسنون مهددون بشكل خاص. على لبنان إنهاء حرق النفايات في الهواء الطلق وتطبيق استراتيجية وطنية مستدامة لإدارة النفايات، تتماشى مع أفضل الممارسات في مجاليّ البيئة والصحة العامة ومع القانون الدولي.

وقال نديم حوري، المدير المؤقت لمكتب هيومن رايتس ووتش في بيروت: “مع كل كيس نفايات يُحرق، يزداد الضرر بصحة السكان المجاورين، لكن السلطات لا تقوم بشيء تقريبا لاحتواء الأزمة. قد يظن البعض أن أزمة النفايات بدأت في 2015، لكن الوضع مستمر منذ عقود، إذ تتنقل الحكومة من خطة طوارئ إلى أخرى متجاهلةً ما يجري خارج بيروت ومحيطها”.

كيف بدأت أزمة النفايات؟

برز سوء إدارة لبنان نفاياته الصلبة في 2015 بعدما تكدست في شوارع العاصمة، لكن وجدت هيومن رايتس ووتش أن أزمة صامتة كانت تؤثر على باقي أنحاء البلاد لعقود. لا يملك لبنان خطة لإدارة النفايات الصلبة للبلد بأكمله. في التسعينات، نظّمت الحكومة تجميع النفايات والتخلص منها في بيروت وجبل لبنان، بينما تركت باقي البلديات تتدبر أمورها بدون ما يكفي من مراقبة أو دعم مادي أو خبرات تقنية. فكثرت المكبات المكشوفة وازداد الحرق في الهواء الطلق عبر البلاد. بحسب باحثين في “الجامعة الأميركية في بيروت”، 77 % من النفايات إما تُرمى في مكبات مكشوفة أو تُطمَر، مع أنهم يقدّرون أن 10 إلى 12 % فقط من نفايات لبنان لا يمكن إعادة تدويرها أو تحويلها إلى سماد عضوي.

أجرت هيومن رايتس ووتش مقابلات مع أكثر من 100 شخص من السكان المجاورين لمكبات مكشوفة، خبراء في الصحة العامة، مسؤولين حكوميين، أطباء، صيادلة، وناشطين. كما زار باحثون مواقع يتم فيها الحرق واستخدموا طائرة من دون طيار لتصوير 3 مكبات كبيرة. أظهرت الصور آثارا سوداء من عمليات حرق حديثة ورواسب رماد تشير إلى عمليات حرق كبيرة سابقة. كما وثقت المنظمة 3 حالات حرق في الهواء الطلق مجاورة لمدارس وواحدة بجوار مستشفى.

حصلت هيومن رايتس ووتش من وزارة البيئة و”برنامج الأمم المتحدة الإنمائي” على خريطة لـ 617 مكبا للنفايات الصلبة البلدية في جميع أنحاء لبنان لا تخضع للرقابة، أكثر من 150 منها تُحرَق أسبوعيا على الأقل. وبحسب الدفاع المدني، ازداد حرق النفايات في الهواء الطلق في بيروت وجبل لبنان بعد انهيار نظام إدارة النفايات في هاتين المنطقتين في 2015، مع زيادة 330 % في جبل لبنان. أظهرت الخريطة أن الحرق في الهواء الطلق يزداد في المناطق الأكثر فقرا بطريقة غير متناسبة.

الضباب يغطي البلدة بأكملها!

أبلغ أغلب السكان الذين تمت مقابلتهم عن آثار صحية ردّوها إلى حرق النفايات المفتوح وتنشق الدخان المنبعث منه، منها مشاكل تنفسية مثل الانسداد الرئوي المزمن، السعال، تهيج الحلق، والربو. تتفق هذه الأعراض مع التعرّض إلى حرق النفايات في الهواء الطلق، الموثّقة آثاره في العديد من المؤلفات العلمية.

قال عثمان (نذكر هنا اسمه الأول فقط) من كفر زبد: “كأن الضباب كان يغطي البلدة بأكملها. نسعل دون انقطاع، غير قادرين على التنفس، وأحيانا نستيقظ ونرى الرماد في بصاقنا”.

قال السكان المجاورون للمحارق المكشوفة إنهم لا يستطيعون إمضاء الوقت في الخارج، ويعانون من صعوبة في النوم بسبب تلوث الهواء، أو اضطروا إلى الرحيل وقت الحرق. وقال بعضهم إنهم انتقلوا نهائيا لتجنب الآثار الصحية المحتملة.

قالت أسر إن عدم اليقين بشأن ما إذا كان الحرق سيؤدي إلى آثار صحية أكثر خطورة عليهم وعلى أطفالهم، مثل السرطان، كانت له آثار نفسية. في جميع الحالات تقريبا، قال الذين تمت مقابلتهم إن بلدياتهم لم تقدم أي معلومات حول مخاطر الحرق في الهواء الطلق أو احتياطات السلامة. قالت هيومن رايتس ووتش إن على الحكومة اللبنانية تقديم معلومات حول مخاطر الحرق في الهواء الطلق والاحتياطات التي يجب أن يتخذها السكان لحماية أنفسهم من الدخان.

كما عبّر السكان عن إحباطهم من أنه رغم الشكاوى المتكررة لدى البلديات حيث يتم الحرق، لم يُحاسَب أحد. قال مسؤولون في بلديات خارج بيروت وجبل لبنان إن الحكومة المركزية لا توفر الدعم المالي أو التقني الكافي للتعامل مع النفايات كما يجب، وإنها تأخرت في توزيع مستحقات “الصندوق البلدي المستقل” في السنوات الأخيرة.

ما رأي وزارة البيئة؟

تقول وزارة البيئة إن حرق النفايات في الهواء الطلق يخرق القوانين اللبنانية لحماية البيئة. عدم اتخاذ الحكومة إجراءات فعالة لمعالجة هذه القضية ينتهك التزامات لبنان بموجب القانون الدولي، بما فيها واجب الحكومة احترام الحق بالصحة وحمايته وتحقيقه. يبدو أن وزارة البيئة تفتقر إلى الموظفين والدعم المالي اللازمين للمراقبة البيئية الفعالة.

وافق مجلس الوزراء على مشروع قانون في 2012 من شأنه إنشاء مجلس موحّد لإدارة النفايات الصلبة ترأسه وزارة البيئة. من المفترض أن يكون هذا المجلس مسؤولا عن اتخاذ القرارات ومعالجة النفايات على المستوى الوطني، بينما يترك مهمة جمع النفايات للسلطات المحلية. غير أن البرلمان لم يوافق عليه بعد.

وقالت المنظمة إن على لبنان تبنّي خطة طويلة الأمد لإدارة النفايات في البلد بأكمله، تأخذ بعين الاعتبار الآثار البيئة والصحية المرافقة.

تركزت محادثات أخيرة بشأن خطة طويلة الأمد لإدارة النفايات في لبنان حول استخدام المحارق. وفي حين لا تتخذ هيومن رايتس ووتش موقفا من المقاربة التي على لبنان اتباعها لإدارة النفايات، يعترض بعض خبراء الصحة العامة والناشطين في لبنان على استخدام المحارق، مشيرين إلى مخاوف تتعلق بالمراقبة المستقلة والانبعاثات المحتملة والكلفة المرتفعة.

وقال حوري: “أحد أسوأ أوجه هذه الأزمة هو عدم تقديم معلومات للسكان حول مخاطر العيش قرب مواقع الحرق. يحق للناس معرفة أي مخاطر محتملة في بيئتهم وعلى لبنان قياس أثر أزمة النفايات على سلامة الهواء، التربة، والمياه، ونشر النتائج”.

Facebook Comments

Post a comment