المخاطر الجيوسياسية تدفع المستثمرين نحو الذهب كملاذ آمن

حسين السيد، 

 كبير استراتيجيي الأسواق في FXTM

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

عاد الذهب مجدّداً ليُظهر اختيار الناس له كملاذ آمن. فقد بدأ التوجه الكلاسيكي نحو الذهب كملاذ آمن بعد أن فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعريفات جمركية مرتفعة على عدد من السلع الهامة في مارس/ آذار الأمر الذي هدد باندلاع حرب تجارية شاملة. وقد حصل تسارع في هذا التوجّه بعد أن ارتفع منسوب التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط مجدّداً، مع وجود مخاوف من نزاع عسكري في سوريا الأمر الذي جعل المستثمرين يشعرون بالقلق ويبقون في حال من الترقب.

وقد اتّخذت المواجهة منحى أسوأ بعد أن هدّدت روسيا بإسقاط أي صواريخ تطلقها الولايات المتحدة الأميركية إضافة إلى مهاجمة المنصات التي تطلق منها هذه الصواريخ. والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن هو: هل بوسع الولايات المتحدة الأميركية وروسيا تجنّب الدخول في صراع أوسع نطاقاً؟ 

أعتقد بأنّ أيّاً من الطرفين لا يرغب بالدخول في مواجهة في هذه المرحلة، لكنّ الخطر يظل قائماً، والمستثمرون غير مستعدّين جدّاً لهذا السيناريو. ورغم أنّ هذه التطوّرات تعتبر داعمة جدّاً لأسعار الذهب، إلا أنّ هناك عوامل أخرى تدعم الرأي القائل بأنّ الذهب سيتفوّق في أدائه خلال 2018.

ودعونا هنا نراجع هذه المحفّزات واحداً تلو الآخر. أولاً، هناك المخاوف من حرب تجارية والتي تصاعدت في أواسط شهر مارس/ آذار عندما فرضت إدارة الرئيس ترمب تعريفات جمركية مرتفعة على الفولاذ والألمنيوم واتبعتها باقتراح تعريفات جمركية مباشرة على السلع الصينية. وعوضاً عن اتخاذ إجراءات انتقامية، وعد الرئيس الصيني شي جين بينغ بخفض التعريفات الجمركية على المستوردات وتعهّد بالمزيد من الانفتاح في اقتصاد بلاده. وقد أسهم ذلك في تهدئة مخاوف المستثمرين من تصاعد التوترات التجارية الأميركية الصينية. لكن لم يكن هناك أي جديد في خطاب الرئيس شي. فالصين كانت تعمل باضطراد على خفض التعريفات الجمركية في إطار الانفتاح على الاقتصاد العالمي، لكن ترمب بحاجة إلى خطة عمل أسرع. فعلى الرغم من أنّ التوترات التجارية تراجعت نوعاً ما، إلا أنّ العلاقات المعقّدة بين الصين وأميركا ستظل مصدراً للمخاطر في المستقبل المنظور. 

كما وأن تشديد السياسة النقدية من الاحتياطي الفدرالي الأميركي لا يبدو كأنّه يُبطئ حالة الرالي والانتعاش التي يشهدها الذهب. فإذا ما نظرنا إلى الوراء، نجد بأنّ الذهب كان متفوّقاً في أدائه خلال أربع دورات من أصل آخر ست دورات تشديد للسياسة النقدية. ورغم أنّ تشديد السياسة النقدية عادة ما يُتوقّع أن يترك أثراً هابطاً على المعدن النفيس، لكنّ العوامل الضمنية الأخرى أثرت بقوة في آخر سنة ونصف السنة. فوجود فترات من الضعف في الدولار الأميركي، ووجود بعض عدم اليقين بخصوص النمو في أميركا مقابل المستويات المرتفعة لديونها لا يزالان يدفعان المستثمرين إلى التمهّل والميل نحو الملاذات الآمنة.

تُعتبرُ التقلبات في أسواق الأسهم مصدراً آخر للقلق. فحتى 11 أبريل/نيسان، كان هناك 28 يوماً من التداولات التي حصلت فيها تغيّرات لا تقل عن 1% في مؤشر (S&P 500) هذا العام، علماً أنّ هذا الرقم كان لا يزيد على 7 في 2017 بأكمله. وبما أنّ التوقعات تشير إلى أن التقلبات ستظل مرتفعة في 2018، فإنّ هناك أسباباً إضافية للاحتفاظ بكميات أكبر من الذهب في محافظ المستثمرين. 

أخيراً وليس آخراً، يبدو أن التضخّم قد عاد إلى الارتفاع. فقد وصل مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي في أميركا إلى المستهدف الذي يريده الاحتياطي الفدرالي عند 2%. ورغم أنّ ذلك لا يشكّل مشكلة جدّية حتى الآن، إلا أنّ حصول عدّة ارتفاعات مفاجئة سيدفع العالم إلى البدء بالشعور بالقلق من عودة التضخّم، وهذا الأمر سينعكس على الأغلب في أسعار الذهب.

وبالنظر إلى المستقبل، فإنّ الذهب قد يستمر في تسجيل أداء متفوّق على أساس أنّ أربعة من المحرّكات الأربعة الأساسية التي تتسبّب بارتفاع أسعار الذهب ستظل قائمة، وهنا أقصد العوامل الجيوسياسية، والتوترات التجارية، والتقلبات، وعودة التضخّم.

Facebook Comments

Leave a Reply