المقاومة: حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات(BDS)، ويهود الشتات

ستانلي كوهين

تم تعريب هذه المقالة وإعادة نشرها لصالح نيوزويك الشرق الأوسط بموافقة الكاتب

إن تقييم حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، يشبه تقييم الحركة التي تسبقها في جنوب أفريقيا منذ عقود مضت، فتقييم نجاح هذه الحركة ضد إسرائيل اليوم ذو صلة حتماً بالتوتّر بين الدعاية الإسرائيليّة وواقعها باعتبار ذلك أداة منظّمة فعّالة ضدّها في جميع أنحاء العالم.

وعلى الرغم من أن إسرائيل قد ادعت مراراً أنّ الحركة قد أثبتت أنها مشروع فاشل، فهو نزاع كبير جداً في البحث اليائس عن الحقيقة؛ ففي الواقع لا يحتاج المرء إلّا إلى إلقاء نظرة على مئات الملايين من الدولارات التي أنفقتها إسرائيل على الجهود المختلفة المبذولة لمكافحة حركة المقاطعة؛ وذلك ليدرك الجميع أن تأثيرها ليس كبيراً فقط، بل إنها تشكل تهديداً فعّالاً لوضع الدولة السابق.

لماذا إذاً تستمر إسرائيل في استثمار مبالغ كبيرة، بل في الواقع، مبالغ متزايدة من الأموال ضد حركة تؤكّد عدم تأثيرها بشكل واضح على سياساتها أو مستقبلها؟!

من المؤكّد أن إسرائيل قد أنفقت مبالغ طائلة من الأموال على جماعات الضغط المناهضة لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، كما أنفقت أيضاً على الدعاية، وعلى جيش فعليٍّ من متصيّدي وسائل التواصل الاجتماعيّ المستخدم للترويج للوهم باعتباره احتواء يائس ضد حجّة حقيقة بن لادن الجذّابة والصادقة، ونتائج حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات.

وقد وسّعت إسرائيل نطاق استخدامها للعلاقات العامة وشركات المحاماة في جميع أنحاء العالم، في محاولة لإسكات الحركة من خلال الهجمات على الحريّة الأكاديميّة وأعضاء هيئة التدريس والطلاب، وعن طريق تشريع المرسوم الذي يهدف إلى تجريم ومعاقبة وردع الأشخاص أو الجماعات التي تشارك في دعم جهود حركة المقاطعة.

لدرجة أن جماعات الضغط الإسرائيليّة المؤيّدة مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكيّة الإسرائيليّة (AIPAC) تمكنت من شراء بعض التشريعات والقوانين المناهضة للحركة على مستوى الولايات والمستوى الاتحادي في الولايات المتحدة، فإنهم سيثبتون في نهاية المطاف أنها انتصارات ظاهرية ومكلفة، حيث ستلغي المحاكم هذه التشريعات والقوانين باعتبار أنه من غير الدستوريّ التعدي على حريّة التعبير وتكوين الجمعيّات.

ويمكن العثور على أدلة أخرى على إنجاز حركة المقاطعة من خلال الزيادة الكبيرة التي شهدتها إسرائيل في استخدام حظر السفر والهجرة؛ لتخفيف وطأة النقاش حول جدول أعمالها المحليّ والسيطرة عليه.

وفي الآونة الأخيرة، مُنع الآلاف من اليهود المشاركين في حركة المقاطعة في جميع أنحاء العالم من السفر إلى إسرائيل. وتظهِر هذه الخطوة غير المسبوقة مخاوف إسرائيل من حركة المقاطعة باعتبارها حركة عالميّة قويّة، والتي يمكن أن تؤثر على مناقشتها للسياسة المحليّة إذا سُمح للناشطين اليهود بدخول الدولة. وفي النهايّة، فإن قمع الأفكار المثيرة للجدل هو أفضل دليل على أن رسالة هذه الأفكار نفسها هي أكثر ما تخشاه الرقابة.

بطريقةٍ أخرى، فإن خوف إسرائيل المُعلّل/الوجيه من حركة المقاطعة واضح. وبالتالي، فإنه في حين كانت آليّة الرقابة لديها مخبأة لفترة طويلة وراء تعويذة الأمن القوميّ للسيطرة على نشر ما يسمى بالنشاط العسكريّ، فقد توسعت هذه الآلية بشكلٍ هائل لتشمل الآن معلومات عن نمو وفعالية حركة المقاطعة في جميع أنحاء العالم. 

في الواقع، أصبحت محاولات إسكات مناقشة نجاح حركة المقاطعة منتشرة بشكلٍ متزايد في عالم وسائل التواصل الاجتماعيّ الواسع؛ سواء من خلال الامتثال “الطوعيّ” للشبكات الاجتماعيّة، أو من خلال تشريعات وقوانين الكنيست. هنا أيضاً تسعى إسرائيل إلى التقليل من إنجاز حركة المقاطعة، حرفيّاً، في اللحظة ذاتها التي توسّع فيها الحركة هجومها عليها.

ولا يتطلب الأمر الكثير من الملاحظة لرؤية الفصل الواضح بين ادّعاءات إسرائيل الحمقاء بأن حركة المقاطعة لا تشكل تحديّاً لمسار إستراتيجيتها المحليّة، والواقع الملموس الذي تعتبره صوتاً متصاعداً لحركة المقاطعة التي أصبحت تشكل تهديداً كبيراً لتلك السياسات ذاتها.

إن الردّ الإسرائيليّ اليائس وغير المحسوب على مقاطعة دوليّة سلميّة تماماً يتحدث بقوة عن نجاحها في كشف ليس فقط الرواية الإسرائيليّة الكاذبة والمصمّمة خصيصاً للحركة، ولكن أيضاً لكشف تأثير الحركة الكبير على الجوانب المختلفة للمجتمع الإسرائيليّ بما في ذلك المعايير الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة.

كما يصبّ الكثيرون من مفتعلي الحرائق البنزين على ألسنة اللهب في الوقت الذي يصرخون فيه قائلين: حريق، حريق، حريق!!، فإن محاولات إسرائيل لإسكات الحوار والنقاش السياسيّ الداخليّ حول حقوق وحرية الفلسطينيّين من خلال السعي لكبت أولئك اليهود الذين يختارون المشاركة فيه، محكوم عليها بالفشل.

وفي الحقيقة، لن يؤدي ذلك في النهاية إلّا إلى اتساع المعارضة للسياسات الإسرائيليّة بين أعداد متزايدة مما يسمى بــ “يهود الشتات” الذين كانوا تاريخيّاً يخدمون جدول أعمالها بشكلٍ أعمى.

إذا كانت حركة المقاطعة تظهر أيّ ضعف حتى الآن، فالأمر هو أن بعض مؤيديها قد خلطوا بين المشاركة في الدعم الجغرافيّ السياسيّ لجهود المقاطعة والتمكين الشخصيّ؛ سعياً لتحديد طبيعة المقاومة على أرض الواقع، في فلسطين المحتلّة، والذي يكون في بعض الأحيان بإملاء الأوامر.

وهكذا استخدم الناشطون الأفراد -خاصةً بين المؤيّدين اليهود وبعض الحركات- منبراً لحركة المقاطعة، للقول بأن مقاومة القمع الإسرائيليّ في فلسطين يجب أن تقتصر بالضرورة على الأعمال الفرديّة لنبذ العنف أو الاحتجاج الجماعيّ السلميّ وحده.

وللتنازل من أجل “إضفاء الشرعية” على وتشجيع شكل واحد من أشكال المقاومة، واستبعاد جميع الأشكال الأخرى؛ يقلب الذين يدافعون عن مثل هذه العقائد الصحيحة سياسيّاً، ويضعفون فعلاً القصد الأساسيّ من حركة المقاطعة – أي تلك الحركة الدوليّة التي تهدف إلى الضغط على إسرائيل، باعتبار ذلك مساعدة للمقاومة في فلسطين، على النحو الذي يحدّده ويقرّره الفلسطينيّون أنفسهم فقط.

وكان القصد من حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات أن تكون بمثابة حركة دوليّة للضغط من الخارج على دولة إسرائيل المتعنّتة وكيانها السياسيّ، غير أنها تطورت، بالنسبة إلى البعض، لتوفير “الاستحقاق” باعتبارهم شركاء كاملين ومتساوين في عملية صنع القرار، فليس لهم حق المشاركة، فما بالك باتخاذ القرار!

وكما هو الحال في جميع حركات ونزاعات حقوق الإنسان الدوليّة، فإن هذا الفصل ليس من النوع الذي لا يمكن إصلاحه، وسيتمّ التغلب عليه في النهاية مع استمرار نموّ ونضج حركة المقاطعة.

يهود الشتات

اليوم، يعيش في مدينة نيويورك ضعف عدد اليهود الذين يعيشون في أي مدينة في إسرائيل، وبشكلٍ عام، يعيش المزيد من اليهود خارج إسرائيل أكثر من داخلها.

تاريخيّاً، دَعَمَ كل يهود العالم تقريباً إسرائيل على أنها أحد طقوس الانتقال من مرحلة الطفولة، وذلك عندما بدأ الآباء والأمهات والأجداد منذ فترة طويلة يتحدثون بثناء متحمس عن دولة يهوديّة مبنيّة على العمل الجادّ القائم على المبادئ، وتستند إلى المثاليّة الديمقراطيّة.

كانت كذبة؛ كذبة كبيرة ومفسدة؛ كذبة شقّت طريقها بنجاح وفي صمت بين يهود الشتات الذين لم يعرفوا سوى العائلات والحياة التي بُنيت إلى حد كبير على التقاليد والمعتقدات، معزولين ومفصولين عن الواقع المروّع لدولة إسرائيل البعيدة المأخوذة من الأرض العتيقة والتاريخ الذي كان ولا يزال، فلسطين.

إذا كانت الحقيقة هي المحور الأساسيّ للحريّة، بالنسبة إلى البعض، فقد أثبت الكذب المقصود أنه تحوُّل محرز بين الحقيقة التاريخيّة المتلاعب بها والبقاء السياسيّ الجائر. ولا يظهر ذلك بوضوح، أو يمكن إثباته، بقدر ما يظهر فيما يتعلق بالبيع الكبير لإسرائيل.

في هذه الرواية، توفّر إسرائيل لليهود الأمل في مكان لزيارته أو العيش فيه يوماً ما، لقضاء بعض الوقت والمرور بجانب أولئك الذين يحملون “الاعتقاد المشترك” أو، في وقت الحاجة، للعثور على ملجأ من تاريخ يبدو متكرراً ووحشيّاً سعى لمعاقبتهم في العديد من الأماكن، ليس لأكثر قليلاً من كونهم يهوداً.

باع الصهاينة بنجاح لعقود من الزمن رواية الدولة المستنيرة تحت الحصار، التي وُلدت في وقت كانت فيه الآية المسيطرة والمعدة خصيصاً لأغراض معينة هي قاعدة تكنولوجيا اليوم. بركة صغيرة ومثاليّة يحيط بها عدد هائل من الأعداء المفترسين العازمين على تدميرها.

بالنسبة إلى الأطفال في المدارس العبريّة في جميع أنحاء العالم، من أولئك الذين ينتمون إلى أكثر الأسر الأرثوذكسيّة إلى أولئك الذين اعتنقوا اليهوديّة الإصلاحيّة، إلى الآخرين الراسين في مكانٍ ما بينهما، أصبحت فكرة العلاقة بالولادة القويّة بينهم وبين إسرائيل هي التحفيز أو التوجيه التمهيديّ لكل يوم.

في المهرجانات السنويّة، سعت الصلوات لربط عائلات اليوم من يهود الألفيّة البعيدة مع أولئك الذين يعيشون حياة تحدّدها الدولة اليهوديّة في إسرائيل بشكل أساسيّ، وهي العائلات التي انتقلت بعيداً عن الأساس اللاهوتيّ لولادتها.

من هذه الطقوس الدينيّة الصهيونيّة، كان من المتوقع، في الواقع، أن يُصبح المبدأ الحتميّ تقريباً هو أن اليهود خارج إسرائيل ملزمون بتقديم صوت الطاعة والدعم المعنويّ والماليّ لدولة لا يعرفون شيئاً عنها سوى الرسالة التي صيغت بعناية من جيل إلى جيل.

وجاءت الحروب وذهبت مع شخصيات إسرائيليّة ارتقت إلى مكانة مميّزة بُنيت من أكثر بقليل على عدد الجثث التي وزعوها، وبنيَّ حبهم على المدنيّين العُزّل بشكل كبير.

بمرور الوقت، ومع تصدر غموض اللغة، لم يتعدى الاعتداء حدود السلوك غير المقبول. وأصبح الاحتلال الوحشيّ خطوة أمنيّة ضروريّة، لكنها مزاجية. وقد أصبح التمييز العنصريّ بادرة يُساء فهمها لتمكين اليهود والفلسطينيّين من البحث عن هويّاتهم الفريدة وإيمانهم وتعزيزهما فيما بينهم، في أمان. وأصبح حظر الغذاء والدواء والماء، وهو الحد الأدنى من متطلبات الحياة لمنع إدخال أسلحة الإرهاب. وهكذا تسير الأمور، مراراً وتكراراً، فهي دولة مؤسسيّة تعيد بنجاح صياغة القصة التي تحددها وتسيطر عليها منذ فترة طويلة.

كما هو الحال مع كل الأساطير، يبتلع الواقع عاجلاً أو آجلاً هذه الصورة الذهنية المنحوتة عن الشخص أو الدولة في لحظة. وفي هذه الحالة، بالنسبة إلى يهود الشتات، فإن حساب الحقيقة المؤلمة كان سيأتي، وينمو الآن، يوماً بعد يوم، وخاصةً بين جيل الألفيّة الذي توقف عن تقديم الدعم المتوجّب عليهم لمكان أسطوريّ، وزمن لم يكن وليس له وجود.

بالنسبة إلى جيل من اليهود وُلد ضد غطاء الأعمال الوحشيّة في دير ياسين ومئات من القرى الفلسطينيّة القديمة الأخرى التي دُمرت، أثبت فيلم هوليوود الكلاسيكي “إكسودوس” أنه الإغراء المثاليّ. بعد كل شيء، من يمكنه مقاومة وسامة وجاذبيّة بول نيومان أو سال مينيو.

بالنسبة إليهم، كانت الرحلة اليائسة من كبح الإبادة الجماعيّة إلى الأذرع المرحّبة والآمنة لــ “وطنهم” حكاية ترددت في جميع المجتمعات اليهوديّة في أيامنا بقليل من تغيير الرأي والتحديّات، وكان القيام بذلك يصل إلى حد الهرطقة.

بالنسبة إلى من جاء منّا في زمنٍ لاحق، في وقت الحقوق المدنيّة الأمريكيّة المتشدّدة والحركات المناهضة للحرب، أثبتت الرحلة من الهتاف المطيع إلى التحدي الجامح أنها قفزة إيمان جوهريّة نقلت الكثيرين من الرضا إلى المواجهة. وبالنسبة إلى بعض اليهود في ذلك الوقت، فإن دائرة التحدي كانت تعني بالضرورة نظرة جديدة للمفاهيم الخاطئة التي استقرت منذ فترة طويلة حول ما كانت إسرائيل عليه، في الواقع ما كانت دائماً عليه. لم تكن صورة جميلة.

بالنسبة للبعض منّا، فقد بدأنا في فحص مدى الحياة وتعثرنا في كثير من الأحيان لأننا رغبنا في عيون جديدة أو معلومات موثوق بها. ففي العقود الماضية قبل الهواتف المحمولة، واليوتيوب، والإنترنت، ومصادر الأخبار البديلة، كنّا منْقادين إلى حدّ كبير بالمعلومات التي تُلقى على مسامعنا، ولكن حفنة التقارير المنظّمة داخل هوامش مقبولة تسيطر عليها بعض وسائل الإعلام الرئيسيّة.

في الواقع، عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، لم يكن جيلنا هو الجيل الذي تأثر بحقيقة التفجيرات أو الاغتيالات أو العقاب الجماعيّ الذي كُشف عنه في الوقت الفعليّ ليراه الجميع. بل على العكس من ذلك، فقد غذّوا عقولنا قسراً بالإغراء الحالم بالكيبوتزيم (مزرعة جماعيّة لليهود) الاشتراكيّ، الذي سيجعل الأرض القاحلة تثمر، ولم نعرف إلّا لاحقاً، لأن قاعدتها الرملية لم تكن مبنية سوى على  قشرة رقيقة حملتها الرياح من فوق أنقاض القرى الفلسطينيّة المدمرة ورفات عظام الأطفال.

وحتى لا يكون هناك أيّة ذكرى للفشل أو إخلاصاً من جانبنا، فإن عشرات الآلاف من الناجين من المحرقة يأتون مرة واحدة في السنة إلى نصب تذكاريّ في إسرائيل للذين أُعدموا هناك، ثم يعودون بعد ذلك إلى ظلام فقرهم المدقع. ومن يستطيع أن ينسى ابتسامة غولدا مائير التي تشبه الجدة وهي مغطاة بمريلتها تُعدّ الكعك المحشوّ للضيوف لتعلن في وقتٍ لاحق فقط “ليس هناك شيء يسمى فلسطينيّ، [ليس] الأمر كما لو أنه كان هناك شعب فلسطينيّ … وجئنا نحن وألقينا بهم خارجاً وأخذنا منهم بلدهم … لم يكونوا موجودين أصلاً”.

واليوم، فإن الطائفة اليهودية في الولايات المتحدة تختلف كثيراً عن الطائفة التي ترعرعت فيها. لقد جاءت الأجيال وذهبت حيث حلّت حقيقة الفحص المنفتح الصادق محل السرد المجمّل الذي استمر لفترة طويلة، وخاصةً بين الشباب اليهود الأمريكيين، لدولة بُنيت على السرقة الوقحة للأرض والتطهير العرقيّ، دولة تحتفظ بكيانها عن طريق الاحتلال والتمييز العنصريّ يتخلله سلسلة انفجارات علنيّة جدّاً متكررة من الموت الطائش والدمار اللعين.

في عصر الإنترنت، لم يعد ببساطة من الممكن قمع أو إعادة صياغة فظاعة الحياة الفلسطينيّة تحت السيطرة الوحشيّة لدولة إسرائيليّة طالما ظلت خارجة عن متناول القانون الدوليّ أو الإنسانيّ، في محاولتها لتطهير فلسطين من مجموع سكانها الأصليّين. واليوم، يُنقل هذا الواقع بجيل شباب الشتات بأساليب إلى حقوق الإنسان الأساسيّة والعدالة الاجتماعيّة التي تجاهلها آباؤهم وأجدادهم أو يبررونها.

وإذا كان هذا هو الواقع بالنسبة إلى متنزهي اليهود الذين تجاهلوا غزة، أو اليهود الذين يهتفون لكل قنبلة فسفوريّة تنفجر على المدنيّين بالأسفل، ووفاة الرضّع بسبب نقص الطاقة في الحاضنات، والسجن الجماعيّ للأطفال الفلسطينيّين دون توجيه تهمة رسميّة أو محاكمة، وقتل العُزّل المتظاهرين و”المستوطنين” الذين يهتفون الموت للعرب أو الفلسطينيّين المنتخبين، و”الإسرائيليّين” الذين طُردوا من الكنيست لتجرأهم على تحدي الثورة السياسيّة للأغلبيّة اليهوديّة. إن الكابوس اليومي هو فلسطين، والذي يتردد صداه بشكلٍ متزايد مع غضب ومقاومة يهود الألفيّة الثالثة الذين يصرخون “ليس بإسمنا”.

على مدى عقود كانت إسرائيل تعتمد على اليهود في الشتات للدعم السياسيّ والاقتصاديّ والمعنويّ الذي تمّ تقديمه كأمر مسلم به بدون صعوبة باعتباره كشف هوية مبدئيّ. لقد مضت تلك الأيام، ففي المظاهرات وقاعات الاجتماعات والأوساط الأكاديميّة، ومن خلال التحالفات مع جماعات العدالة الاجتماعيّة الأخرى، رفض جيل جديد من اليهود المستنيرين والغاضبين فكرة الدولة اليهوديّة التي بُنيت على خلفية معاناة وظلم فلسطينيّين لا نهاية لهما. في الواقع، ليس بعددٍ قليل تحدى شرعيّة دولة إسرائيل.

وفقدت فكرة الدعم غير المشروط للدولة اليهوديّة الاستبداديّة مكانها الآمن الذي حظيت به لوقتٍ طويل، حيث ترى أعداداً متزايدة من يهود الألفية الثالثة، وهذا بحق، الصمت استعداداً للتواطؤ.

استمر إغلاق غزة إلى الآن لأكثر من عقد من الزمن، حيث يحتجز الملايين باعتبارهم رهائن يوميّاً، مع هجوم قاسٍ ومنهجيّ على وجودهم. دام الاحتلال لأكثر من خمسين سنة، وفي جميع أنحاء فلسطين، لا يمر يوم دون غضب إسرائيليّ جديد وعلنيّ.

بالنسبة إلى اليهود في الشتات، فإن المعركة ضد الهيمنة الإسرائيليّة التي لا ترحم لن تكون سهلة أو مؤلمة. في بعض الأحيان، سوف يتردد صداها مع الدعوة الحازمة والسلميّة لحركة المقاطعة، وسنجذب البعض إلى حاجز المقاومة المسلّحة، وربما يُدفع ثمناً رهيباً لتلك الخطوة. ومع ذلك، فإن البعض الآخر سيُبشَر بالأمور غير المؤكدة من خلال النثر أو الشعر الذي يتردد صداه مع قصائد الحريّة العذبة.

تتطلب المقاومة تنوعاً محدداً. إنها طويلة. إنها صعبة. إنها مكلّفة. فبالنسبة إلى 11 مليون فلسطيني بلا وطن، ليس هناك بديل حتى يتمّ تحقيق العدالة.

Facebook Comments

Leave a Reply