المملكة والشباب والتغيير الإيجابي

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

خلال رحلتي الأخيرة للرياض لتغطية القمتين العربية-الإسلامية-الأميركية، والخليجية-الأميركية، إبّان زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة، كنت أحمل في رأسي ألف هاجس وسؤال.

أولّ الهواجس تعلّق بترتيبات التغطية واللباس الرسمي، وإذا ما كنت سأجد أحداً ليساعدني في تسهيل المقابلات، في جوّ كنت أظنّ أنه سيكون فوضوي.

وكنت أظنّ أنني كإمرأة صحافية سأعاني من خلاله الأمرّين للوصول إلى أي معلومة.

وكنت شبه متأكدة أنه قد ينتهي بي الأمر في المقاعد الخلفية لأي قاعة مؤتمر أو حوار، ليس فقط بسبب الأعداد المهولة للصحافيين، بل أيضاً بسبب كوني إمرأة.

استقطبت زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمملكة العربية السعودية مئات الصحفيين لتغطية القمتين العربية الاسلامية الأميركية، والخليجية الأميركية. -نيوزويك الشرق الأوسط

أقول كنت أظنّ، لربما بسبب طرق التعاطي مع الاعلاميين والاعلاميات في الماضي، والسرد الذي لا ينتهي عن قمع الجنس اللطيف في مملكة تفصلني عنها مئات الكيلومترات، لكن علاقتي بشعبها لم تكن يوماً سوى ممتازة وجهاً لوجه. كنت أتمنى لو أن كل السعوديين والسعوديات مثل أصدقائي الذين تعرفت عليهم في نطاق عملي.

وأقول كنت أتمنى لو أن كل السعوديين هكذا لأن العديد ممن يدّعون أنهم سعوديون على وسائل التواصل الإجتماعي لا يمثلون بلدهم الأم بسبب تدني لغة الحوار (ولا أعتقد أنه يمكن تسمية الشتيمة حواراً) عندهم.

ما علينا، كنت أظنّ، والحمد لله خابت جميع ظنوني. ولعلّها من النوادر التي أتمنى فيها أن يخيب ظنّي على أن يصدق حدسي.

لن أقف عند مستوى الترحيب الراقي، منذ هبوط طائرتي، مِن قِبَل أفراد سعوديين لم يتركوا في نفسي أثراً سوى الإحترام والود.

ولن أتكلم عن التنظيم العالي المستوى لناحية التسجيل الإعلامي والأمني لدى وصولي للفندق.

ولن أتكلم عن التعامل المحترف مع الإعلاميات والإعلاميين الذين تقاطروا من أنحاء العالم المختلفة إلى الرياض لتغطية هذا الحدث البارز.

وقد أعرج على مسألة الإزدحام المروري في الرياض الذي يُقَزِّمُ إزدحام شارع الشيخ زايد من دبي باتجاه الشارقة يومياً ما بين السادسة والثامنة مساءً.

لكن في هذه الرسالة سأتكلم عمّا شاهدته بأمّ عيني في الرياض.

سأتكلم عن صبايا وشباب في عمر الزهور يرطنون بأكثر من لغة ويتعاونون مع بعض، (إيه قريتوا صح. إختلاط حضاري بعيداً عن الأفكار السوداوية للبعض بالنسبة لمسائل الإختلاط، وبعيداً عن تغامز الأجانب عن الفصل بين الجنسين في المملكة).

شباب السعودية، ممن صادفتهم، كلّهم، من دون استثناء، كانوا طالبات وطلّاب جامعيين أو خرّيجين جدد، يلاقونك ببسمة تنبع من القلب، ويحاولون حلّ أي مسألة تواجهك، ومساعدتك بقدر ما يستطيعون لكي تقوم بعملك بكفاءة.

وأقول أن ابتساماتهم تنبع من القلب لأنني شهدت مواقف عدّة عن بُعد لصحفيين أجانب حاولوا “التذاكي” والتعامل بطريقة شبه فوقية مع شباب السعودية من المتطوعين، ربما لاستثارتهم او لتسجيل موقف، لكن رجاءهم خاب فما استطاعوا أن يُخرِجوا أبناء هذا الجيل الجديد في السعودية عن طوره. بل بالعكس، انقلبت الآية إلى اضطرار المبعوثين الاعلاميين الأجانب إلى التراجع والتعامل باحترام مع أولئك الشباب.

وحصل لي موقف إعتقدت أنني لن أتمكن بسببه من حضور مؤتمر مغردون /مسك/ وذلك أن طائرتي حطّت في الرياض الثامنة والربع مساءً يوم السبت فيما كان التسجيل للمؤتمر قد أُغْلِقَ في السابعة مساءً.

إبنة الرئيس الأميركي، إيفانكا ترمب، خلال مؤتمر مغردون في الرياض. -نيوزويك الشرق الأوسط

ما يهمّ أنني توجهت صباح الأحد من فندقي للفندق الذي فيه تسجيل حضور مؤتمر مغرّدون علّني أصل لنتيجة. عشرات الصحفيين يقفون بالدور للحصول على بطاقاتهم التي تسجلوا من أجلها في الوقت المحدد، وخفت أن لا أحصل على تصريحي الخاص بالدخول.

ثلاث فتيات سعوديات لاقينني، وسألنني عمّا أريد. وشرحت لهنّ موقفي وكيف أنني وصلت بعد موعد إقفال التسجيل، فردّت إحداهنّ مبتسمة بأنه لا مشكلة و “الأمر محلول بإذن الله”. وتم تحويلي لزميل لهنّ في الجانب الآخر من القاعة، قام مشكوراً بتسجيلي بعد التأكد من البطاقتين الأمنية والإعلامية اللتين أحملهما. لم يكن على لسانه غير كلمتين: “ولا يهمّك،” ومن ثمّ المزاح معي بأنني “أخر بطاقة يتم تسجيلها للمؤتمر. أنتي محظوظة.”

طريقة التعامل نفسها وجدتها في الفندق الثالث حيث توجّهت لحضور مؤتمر مغرّدون. تغيّرت الوجوه الشابة التي ساعدتني في أول مرحلتين، ولم تتغير الإبتسامة ولا مستوى الحماس في تسهيل أمور الجميع.

أستطيع القول إن التغيير الإيجابي في المملكة بدأ، لأن أي تغيير يجب أن يبدأ من أساس الهرم، من الشباب. الثقافة والوعي والحماس هي المكونات الأساس لأي تغيير إيجابي في أي دولة تريد النهوض بشعبها واقتصادها وبناء مستقبلها. ولمن لا يعرف، فإن السعودية تحتل المرتبة الثالثة عالمياً لناحية مؤشر نسبة السكان الشباب دون ٢٩ عاماً، بنسبة تزيد عن نصف عدد السعوديين في المملكة، مما يُظْهِر مدى أهمية التركيز على هذه الفئة من الجنسين للنهوض بالبلد.

هذا التحوّل سأعزوه للقيادات الشابة في السعودية التي استطاعت أن تستثمر شبابها في هذا الوقت القصير. سمعنا الكثير عن الخطط المستقبلية في المنطقة العربية. وسمعت شخصياً الكثير عن رؤية المملكة ٢٠٣٠.  لكن طريقة تنفيذ الأمور في معظم دول منطقتنا تجعلني، كصحافية، أشك دوماً بصحة تنفيذ أي وعود ومخططات.

على أنّ ما رأيته في الرياض، يمحو ظنوناً عدّة ويؤسس لأماني كثيرة. من يعرف، فقد نصل ليومٍ يقود فيه شباب عالمنا العربي منطقتنا نحو مستقبل أفضل مما هدمته لنا الأفكار الرجعية، والعديد من العادات الدخيلة والمتوارثة التي أوقفت نمو أمتنا في كثير من الأحيان.

Facebook Comments

Post a comment