النمو العالمي المتزامن يلفظ أنفاسه الأخيرة

كريستوفر دمبيك

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

شهدت نهاية عام 2017 توافقاً عالمياً حول مفهوم ’النمو/الانكماش العالمي المتزامن‘، وبعد مضي ثلاثة أشهر، لا يزال المحللون يسعون جهدهم لتحديد الأسباب التي أوجبت ارتفاع معدلات التضخم، وبدأوا يدركون أن النمو العالمي المتزامن وهمٌ لن يتحقق.

ولم تدم آمال الانكماش طويلاً بالرغم من مخاوف اندلاع حرب تجارية. وبالنسبة لدول مجموعة السبع الكبار، فقد استقرت معدلات التضخم عند 1.7% على مدار العام الماضي؛ بينما شهدت مجموعة دول ’بريكس‘  (البرازيل والهند والصين وروسيا وجنوب أفريقيا) وإندونيسيا – والتي تشهد عادةً قدراً أكبر من الضغوطات التضخمية – تقارباً واضحاً لمعدلات تضخمها مع الدول المتقدمة. ويشهد التضخم في البلدان الناشئة أدنى مستوياته منذ الأزمة المالية العالمية بمعدل لم يتخط 3.2% على أساس سنوي.

من ناحيةٍ أخرى، تظهر العديد من المؤشرات أن النمو العالمي ربما وصل إلى ذروته. وإذ بدأت حركة التباطؤ بالفعل في الصين، مع تراجع الدافع الائتماني منذ بداية عام 2017؛ فقد بلغت نسبتها حالياً -2.11% من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أن بلغت أدنى مستوياتها منذ 2010 في الربع الأول من العام الماضي.

ونعتقد بأن تخفيض الاعتماد على الدين في الصين خطوة متعمّدة ستخضع في المستقبل لمراقبة وانغ كيشان، وهو من الحلفاء المقرّبين للرئيس الصيني شي جين بينغ، وتم تعيينه في منصب نائب الرئيس خلال مارس بعد نجاح حملته التي شنّها ضد الفساد. وبالرغم من أن مؤهلاته فوق مستوى التساؤلات، إلا أن جدار الدين الصيني قادر على تحويل مسار عملية تخفيض الاعتماد على الدين في أي وقت.

وتتمثل أبرز نقاط الضعف في القطاع العقاري الذي تمت تغذيته بشكل غير متناسب من تدفق القروض على مدى السنوات القليلة الماضية. ونظراً لدور الدوافع الائتمانية الصينية في قيادة أسعار المنازل بنسبة ثلاثة أرباع على النحو الذي يظهر أدناه، يمكننا توقع المزيد من الضغط الهبوطي على الأسعار خلال العام.

وتتجلى المهمة الصعبة للصين في تخفيض الأسعار دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار الأسواق، مما قد يدفع نحو إضعاف النظام المصرفي والمالي بالكامل. ويشهد اعتماد البنوك على القروض العقارية مستويات مرتفعة بشكل خطير: على مدى السنوات العشرين الماضية، ارتبطت العقارات والمصارف بعلاقات وطيدة قاربت 0.90.

وفي أجزاء أخرى من العالم، لم تكن التوقعات الاقتصادية أكثر تفاؤلاً. وهناك مؤشرات قليلة على أن إصلاحات ترمب الضريبية ستمتد لفترة أطول خلال دورة الأعمال. وبالإضافة إلى ذلك، لا تنظر التوقعات بتفاؤل حيال نتائج الناتج المحلي الإجمالي للربع الأول: حيث شهدت بداية العام انخفاض السلع العملية المعمرة وعمليات البيع بالتجزئة، ولم يظهر أي مؤشر حتى الآن على ازدهار الإنفاق الرأسمالي نتيجة الفاتورة الضريبية. ويتمثل الأمل الوحيد في حصول معجزة في الإنتاج، وهو أمر مستبعد تماماً.

وتشير جميع مؤشراتنا الرئيسية – من الانكماش في الدافع الائتماني بالولايات المتحدة الأمريكية؛ والنمو المنخفض للقروض التجارية والصناعية دون أن يصل بعد إلى المستويات السلبية؛ وتسطّح منحنى العائدات (مع شبه انقلاب فرق السعر بين القروض الأمريكية المستحقة بعد 10 سنوات و30 سنة) – إلى اقتراب الولايات المتحدة الأمريكية من نهاية الدورة.

ولكن بالطبع، تأتي أكثر المفاجآت غير السارة من منطقة اليورو. وتمتاز تلك المنطقة بزخم نمو أكثر قوة ووضوحاً قياساً بمعظم الدول الأخرى في المنطقة؛ ولكن يبدو أن البيانات الجديدة من ’ماركيت‘ و’المفوضية الأوروبية‘ تشير إلى احتمال أن يكون النمو قد وصل بالتأكيد إلى مرحلة استقرار. وتعرض مؤشر سيتي للمفاجآت الاقتصادية في منطقة اليورو إلى انهيار خلال الربع الأول، مما أضاف مزيداً من الضغوطات الهبوطية على الأسهم الأوروبية. ووصل حالياً إلى أدنى مستوياته بين الدول الصناعية الكبرى العشر عند -57.9.

ولا تزال منطقة اليورو شديدة الاعتماد على التصدير، فيما لا تزال مستويات الطلب ضعيفة جداً. وبالإضافة إلى ذلك، ما زالت الأزمة جاثمة على صدر منطقة اليورو ولم تنته بعد: وبالنظر إلى الميزان التجاري لكل من إسبانيا وإيطاليا، نلاحظ أن معظم معدلات التحسن تعود لارتفاع الطلب في منطقة اليورو الإضافية وضعف العملة. وما زالت استعادة القدرة التنافسية عملاً قيد الإنجاز في العديد من الدول الأوروبية. وتقع مستويات النمو الأضعف في أسوأ الأوقات لأن المخاطر تكشف كل شيء. ونواجه مزيجاً فريداً من المخاطر السياسية الناشئة، وارتفاع مستوى الحمائية العالمية، فضلاً عن تضييق السياسة النقدية.

وتعتبر الحمائية مسألة أكثر تعقيداً مما يبدو عليه الأمر إذ تعيش الأسواق حالة نفور من المخاطر منذ أن أعلن ترمب لأول مرة عن فرض رسوم جمركية على الفولاذ والألمنيوم في 1 مارس. ووصل مؤشر المخاطر السياسية إلى أعلى مستوياته الشهرية في مارس عند 286 منذ حرب العراق عام 2003. وفضل المستثمرون الملاذات الآمنة مثل الذهب على حساب أسواق الأسهم. وتراجعت أسواق البورصة بشكل حاد نتيجة لكونها الأكثر عرضة للتجارة الدولية مثل مؤشر نيكاي الياباني.

وبالرغم من ذلك، من الصعب التنبؤ باندلاع حرب تجارية حقيقية على المدى الأطول بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وتقدير تكلفتها (هذه هي المشكلة الحقيقية، وليس الدائر حول المخاوف من حرب تجارية بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا!). ونستبعد تحقق هذا السيناريو في الوقت الحالي، علماً أنه لا بد من توخي الحيطة والحذر نظراً لصعوبة التنبؤ بقرارات ترمب.

وبالتأكيد، يعتقد ترمب أن الولايات ذات الأصول الفائضة ستكون الخاسر الأكبر في حرب تجارية، ولكن علينا افتراض براغماتيته بما فيه الكفاية لتجنب وقوع مواجهة مباشرة مع بكين. وسواء أعجبه ذلك أم لا، فإنه يحتاج إلى الصين لتمويل الديون الأمريكية ودعم عملية الحوار مع كوريا الشمالية.

وحتى الآن، لم تكن التدابير الحمائية سوى ضباب وانعكاسات غير حقيقية. وهدفت بشكل رئيسي لإرضاء الشركات الأمريكية عبر اعتماد نبرة عدائية ضد انتهاك الصين لحقوق الملكية الفكرية دون اتخاذ أي تدابير من المرجح أن تثير غضب بكين.  ومن جانبها، لا تبدو الصين مهتمة بخوض حرب تجارية. ولم يمض وقت طويل على نجاح الرئيس شي جين بينغ في تعزيز سلطته، وينبغي عليه التعامل مع إعادة ضبط الاقتصاد المحلي.

ومن المستبعد أن يسعى إلى تفجير الأسواق المالية بمحاربة الدولار الأمريكي أو سندات الخزانة الأمريكية في الوقت الراهن. وفي الواقع، سيتمثل الانتقام الصيني الأذكى في تحديد ضربات غير متماثلة على شركات أمريكية رئيسية مثل ’جنرال موتورز‘ و’بوينج‘. وعلى سبيل المثال، سيكون من الأكثر سهولة وفاعلية بالنسبة للصين إرسال مفتشي النظافة إلى المصانع الحساسة في سلسلة الإنتاج الأمريكية وإغلاق بعضها لأسباب مختلقة لمدة أسبوعين وربما أكثر.

وخلاصة القول، ليس أمام الصين والولايات المتحدة الأمريكية خيار سوى التوصل إلى اتفاق حول المسائل التجارية العالقة / حقوق الملكية الفكرية. ينبغي النظر للأخطاء السياسية بكونها المشكلة الحقيقية الملحّة ما يثير مخاوفنا حقاً على المدى الطويل هو خطر وقوع خطأ في السياسة ناجم عن تطبيع السياسة النقدية. وعانت الأسواق منذ عام 2008 من تقلبات دورية بين فترات الهدوء والصدمة. وفي اثنتين من كل ثلاث حالات، نجمت فترات الصدمة عن مصارف مركزية (تعديل إدارة التوقعات، وسوء تفسير التوجيهات المركزية، وعدم اليقين بشأن التضخم …).

وحتى الآن، ما زالت الظروف المالية العالمية ملائمة تماماً، وحققت عملية التطبيع التي أطلقها بنك الاحتياطي الفدرالي شيئاً من النجاح. ومع ذلك، فإن قدرة المصارف المركزية على رفع أسعار الفائدة يتعرض بشكل متزايد لقيود ناجمة عن تأثير سحب السيولة على التقلبات، والائتمان، والشركات الوهمية بينما يفقد النمو زخمه في دول أساسية. ويمكن أن تعاني الأسواق من انخفاض كبير في الأسعار نتيجة لإحدى الصدمات التي قد تبدو قليلة الأهمية في البداية. والأمر الملفت أن عدداً كبيراً من المستثمرين يتوقعون حدوث هذا السيناريو في أي وقت قريب.

والسؤال الأبرز: هل سيكون من الممكن اجتياز معدل أسعار فائدة الاحتياطي الفيدرالي لعتبة 2% أو 2.5%؟ ومتى سيتخطى العائد على السندات الحكومية الأمريكية المستحقة بعد 10 سنوات نسبة 3.5%؟ لا أحد يعلم … ونحن بحاجة لليقظة التامة في مثل هذه الظروف.

Facebook Comments

Leave a Reply