النهاية قد تكون وخيمةً للغاية…

ستين جاكوبسن، كبير الاقتصاديين والرئيس التنفيذي لشؤون الاستثمار لدى ساكسو بنك

نيوزويك الشرق الأوسط

تشير التوقعات إلى أننا على أعتاب واحدةٍ من أكثر الفترات خطورة بالنسبة للاقتصاد العالمي منذ سقوط جدار برلين عام 1989. فقد اتسعت دائرة الحديث مؤخراً عن احتمال نشوب ’حرب تجارية‘ لم يكن من المرجّح أبداً وقوعها في مرحلةٍ سابقة؛ وقد أصبحت هذه الحرب موضوعاً رئيسياً يتصدر عناوين الصحف اليومية. ومن الملحوظ أن رؤية حكومات العالم تجاه تأثيرات هذه الحرب قاصرة على نحو غير مسبوق، وهذا باعتقادنا أمر يُنذر بخطر شديد على الاقتصاد العالمي بالنظر إلى تاريخ الحروب التجارية السابقة.

وثمة هناك 3 سيناريوهات محتملة في هذا السياق:

  1. أزمة ’متوسطة الشّدة‘؛ حيث تقرر كل من الولايات المتحدة والصين وأوروبا فرض مستويات أعلى من الرسوم الجمركية، لكنها لا تصل إلى حد إيجاد “عوائق” صريحة- الاحتمال: 25٪.
  2. أزمة أكثر حدّة، مع تصاعد التوترات التجارية قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي المقرر تنظيمها يوم 6 نوفمبر وما بعدها؛ (حيث يتوجب على الرئيس ترامب أن يفي بوعوده في الحصول على ’صفقات أفضل‘ للولايات المتحدة)- الاحتمال: 50%.
  3. اتخاذ خطوات على غرار قانون ’سموت- هاولي للتعرفة الجمركية‘ الذي تم فرضه على السلع المستوردة في يونيو 1930- الاحتمال: 25%.

ولاشك أن جميع هذه السيناريوهات ستؤدي إلى انحسار النمو العالمي؛ إذ يُجمع الكثيرون على أنه لا يوجد رابح أو مستفيد من نشوب حرب تجارية، ولكن الواقع يتجه في المسار الخاطئ لأن الأجندات القومية تقوّض المساعي الرامية إلى وضع أطر عملٍ مؤسسية عالمية أكثر كفاءة.

كما نتعلّم من مجريات التاريخ أن هذه الحروب التجارية ستفضي بلاشك إلى عواقب وخيمة بالنسبة للاقتصاد العالمي. وأسوأ مثال على ذلك كان قانون ’سموت- هاولي‘ الأمريكي الذي طُبّق عام 1930، والذي تسبب برفع قيمة الرسوم الجمركية بنسبة 45٪ على أكثر من 20 ألف سلعة مستوردة. وقد جاء هذا القانون كأحد الوعود الانتخابية لحماية المزارعين الأمريكيين الذين شكلوا 25٪ من سكان الولايات المتحدة قبل أزمة ’الكساد العظيم‘. وكانت تداعيات هذا القانون كارثيّة وفورية التأثير:

  • مايو 1929: إقرار قانون ’سموت- هاولي‘ في الكونجرس الأمريكي؛ انخفاض أسعار الأسهم إلى 191 نقطة.
  • 19 يونيو 1929: النوّاب الجمهوريون في الكونجرس يراجعون مشروع القانون؛ عودة الأسواق للارتفاع، لتبلغ ذروته عند مستوى 216 نقطة يوم 3 سبتمبر.
  • 21 أكتوبر: مجلس الشيوخ يقرّ إضافة رسومٍ جمركية على الواردات غير الزراعية؛ انهيار سوق الأسهم (الخميس الأسود).
  • 31 أكتوبر: مرشح الرئاسة هوفر يدعم مشروع القانون؛ الأجانب يبدؤون بسحب رؤوس الأموال.
  • 24 مارس 1930: مجلس الشيوخ يقّر مشروع القانون؛ الأسهم تنخفض مجدداً.
  • 17 يونيو 1930: الرئيس هوفر يوقع على مشروع القانون ليصبح نافذاً فعلياً؛ الأسهم تهبط إلى 140 نقطة في يوليو.

مؤشر داو جونز الصناعي، بين مارس 1928 وديسمبر1931:

انخفضت حركة التجارة العالمية بنسبة 65٪ في أعقاب تطبيق قانون ’سموت-هاولي‘. وتراجعت الصادرات الأمريكية من 7 مليارات دولار في عام 1929 إلى 2.5 مليار دولار عام 1932، كما انخفضت الصادرات الزراعية بنسبة الثلثين. وكان من المفارقة أيضاً أن أسعار الحبوب قد انهارت، مما ترك الملايين من المزارعين في حالة عوزٍ وفقرٍ.

وفي عام 1989، طرح الفيلسوف والمفكّر والاقتصادي السياسي فرانسيس فوكوياما كتابه الشهير ’نهاية التاريخ والإنسان الأخير‘، والذي تطرّق فيه إلى سياق الإمبراطورية السوفييتية المتداعية واحتجاجات ساحة تيانانمين الصينية، مؤكداً على أن انتصار الديمقراطية الليبرالية الغربية قد حدث لأن “التاريخ… بلغ ذروة الحرية؛ وهو ما يتجسّد على شكل حكومات منتخبة بإرادةٍ شعبية، وتركيز على حقوق الأفراد، وتطبيق نظام اقتصادي لنشر رأسمال والعمالة، مع إشراف متواضع نسبياً للدولة”.

ولكن تأثير حجج فوكوياما لم يدم طويلاً؛ فمع بزوغ عصر العولمة، بدأت تتكشّف الصدوع في النماذج الاقتصاديّة. ويرى معظم الخبراء أن العولمة جاءت مدفوعةً بنهضة التكنولوجيا؛ إذ أن الإنترنت أصبحت عابرة للحدود، وهو ما ساهم بالتالي في نشوء اقتصاديات الحجم، وتعزيز شفافية الأسعار. وتعلمنا من نظرية التجارة القياسية بأن التجارة تساعد في زيادة النمو والدخل الإجمالي، ولكن قد يُسفر عن ذلك أيضاً رابحين وخاسرين.

 وإذا كان الخاسر أحد الاقتصادات الكبرى أو سلطة سياسية قوية، فسيتم فرض مزيدٍ من القيود- على سبيل المثال رسوم جديدة- بهدف مواجهة العوائق والظروف التنافسية غير المواتية فعلياً.

“إن ما يجعل قضايا التجارة أكثر تحدياً اليوم هو أن العملات لم تعد تتبع المسارات التي تتطلّبها ديناميكيات الحسابات الجاريّة. إذ أن أي دولةٍ تحقق فائضاً في الحساب الجاري من المفترض أنها تتمتع بعملةٍ قوية أو أكثر ارتفاعاً؛ ولكن في غمرة عالم اليوم، تسعى جميع الاقتصادات، التي تتمتع بفائض في الحساب الجاري، إلى تجنب قوة العملة مقابل مستوى الدولار العالمي، وذلك للمحافظة على القدرة التنافسية وتلافي أي مخاطر انكماشيّة (والتأثير المخيف لذلك الانكماش على عالمٍ مُثقلٍ بالديون).

 في الواقع، يريد الرئيس ترامب أن يخبر العالم أجمع بأنه لن يقبل أبداً بالوضع الراهن، وبأن أطر العمل والاتفاقيات الحالية تعتبر غير منصفة للولايات المتحدة.

ترتكز رؤية ترامب على المعطيات التالية: “لقد ساعدنا أوروبا خلال فترة الحرب العالمية الثانية من خلال مشروع ’مارشال‘ الاقتصادي، وساعدنا كوريا واليابان بعد الحرب الكورية، والحرب العالمية الثانية، وحتى ساعدنا الصين عبر منحها إمكانية الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001؛ ولكن على ماذا حصلنا بالمقابل؟ لا شيء أبداً… باستثناء عجز اقتصادي لا يخفى على الجميع”.

 وقد اعتاد الرئيس ترامب طرح هذه الرؤية مراراً وتكراراً لجذب الناخبين، مع العلم أنه كان ولازال من أشد المؤيدين لها قبل فترة طويلة من توليه سّدة الرئاسة.

ويستمر توافق الآراء اليوم حول ضرورة تجنب حرب تجارية مباشرة، ولكن هذا لا يأخذ بالحسبان الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة. ولا تقتصر القضية فقط على نهج ترامب فحسب، بل وترتبط بشكل وثيق أيضاً مع خطوة الصين الرامية إلى تعزيز مكانتها الاقتصادية العالمية في شتى المجالات والمحاور.

 لنأخذ هذا التقرير الذي نشرته مؤخراً وكالة أنباء ’شينخوا‘ الصينيّة: الرئيس شي جين بينغ يحث على فتح آفاقٍ جديدة لتعزيز دبلوماسية الدولة الكبيرة ذات الخصائص الصينية. في الحقيقة، يعتبر هذا النبأ بمثابة تصريحٍ فعال وواضح للعالم مفاده أن الصين أصبحت تتنافس الآن مع الولايات المتحدة وحلفائها من أجل قيادة حركة التجارة العالمية وحتى التحكّم بها. ولايزال هذا التقرير المثقل بالمعاني المُبطنة يوجّه رسائل واضحة إلى العالم: “كما حث الرئيس [بينغ] على حماية سيادة الدولة وأمنها ومصالحها التنموية بصرامةٍ وبوعيٍ أكبر، والمشاركة بحماسة في عملية إصلاح وتطوير نظام الحوكمة العالمية، وبناء شبكةٍ أكثر تكاملاً من الشراكات العالمية، حتى يتم إحراز خطوات تطويرية جديدة على صعيد دبلوماسية الدولة الكبيرة ذات الخصائص الصينية، وذلك بما يساعد بنهاية المطاف على تهيئة الظروف المواتية للمساهمة في بناء مجتمع اشتراكي مزدهر وحديث ومتحضّر ومتطوّر في شتّى المجالات.

 ونعتقد أن النهج الرئيسي للصين تجاه تحقيق هذه الرؤية يمثل لغاية الآن مفهوماً تجاريّاً تعمل من خلاله الحكومة الصينية على تطبيق مشروع ’حزام واحد، طريق واحد‘.

 وربما تكون بكين قد تخلت بالفعل عن الولايات المتحدة كسوق تصديرية طويلة الأجل؛ فكلما حافظت على حصتها في السوق لفترة أطول، كان ذلك أفضل بكثير بالنسبة لها، مع العلم أن الخطة البديلة لهذا المشروع تمثل التفافاً على السياسات الأمريكية. وبالمقابل، تعمل الولايات المتحدة بنشاطٍ حالياً على تقويض جهود المنظمات الدولية التي دعمت النمو والعولمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد سقوط جدار برلين.

وفي شهر مايو 2018، أصدرت منظمة الأمم المتحدة تقريراً يشير بوضوح إلى أن نشوب حربٍ تجارية سيؤدي إلى ’انخفاض حاد في الاستثمارات والتجارة على مستوى العالم‘.

ويؤكد هذا السيناريو الذي تطرّقت إليه المنظمة أن التصعيد الحاد في الحواجز والعقبات التجارية العالمية قد يتسبب بخفض نمو الناتج الإجمالي العالمي بنسبة 1.4٪ خلال عام 2019، وتراجع نمو التجارة العالمية بنسبة تتخطّى 6٪. وتعادل هذه الخسائر التجارية من حيث الحجم نصف تلك المُسجّلة خلال عام 2009، الذي يعتبر أسوأ فترة من حيث تداعيات الأزمة المالية العالمية. وإذا كان التوجّه الأخير نحو زيادة المنازعات التجارية سيتصاعد ويأخذ شكل دوامةٍ من التدابير الانتقاميّة، فإن تداعيات ذلك ستكون أشد وطأةً وتأثيراً على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك اقتصادات العديد من البلدان النامية.

انطلاقاً من ذلك، نعتقد أن انحسار النمو العالمي، وهبوط حوافز الائتمان عالمياً، بالإضافة إلى التوافق الجماعي الواسع حول مخاطر نشوب حرب تجاريةٍ، ستشكّل جوهر تحذيراتنا السلبية لبقية فترات عام 2018.

Facebook Comments

Leave a Reply