الوقوف على مدى دقة الإحصاءات الصينية

المراوغة أمر مستحيل مع إمكانية إجراء مقارنات دولية لإحصاءات الاستيراد والتصدير

كريستوفر ديمبيك، رئيس قسم التحليل الشامل لدى ’ساكسو بنك‘

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

يُنقل عن وينستون تشرشل قوله “لا أعترف بصحّة الإحصاءات إلا إن أشرفتُ عليها شخصياً”؛ وهو الاقتباس المفضّل بالنسبة لي، والذي قد ينطبق تماماً على الصين، ومن نواح متعددة. وكما هي الحال مع الآخرين، نشكو من جودة البيانات الصينية. ويتضح لنا أن الأرقام الرسمية للناتج المحلي الإجمالي قد لا تكون البديل الأمثل لتحليل تطور أكبر اقتصاد في العالم. وأشار رئيس مجلس الوزراء الصيني، لي كيكيانغ، في إحدى المناسبات إلى أن أرقام الناتج المحلي الإجمالي عبارة عن ’نتائج مرجعية فقط‘.

وبالإضافة إلى ذلك، يعجز الناتج المحلي الإجمالي، والذي يعتبر مقياساً كمياً عن حجم الثروة الوطنية، عن التعبير عن تحوّل الدولة نحو نمو أكثر نوعية بالاعتماد على الابتكارات التكنولوجية والثورة البيئية. ولا يعني ذلك استحالة الوقوف على الحالة الحقيقية للاقتصاد. وبالنسبة لنا، يمكن أن توفر الإحصاءات الخمس الموثوقة التالية رؤى مهمة لأي شخص مهتم بالاقتصاد الصيني.

تطور الصادرات والواردات الصينية منذ عام 2006 على أساس سنوي

تعتبر التجارة الدولية واحدة من هذه المجالات نظراً لسهولة المقارنة بين الصادرات والواردات الصينية من جهة والإحصاءات التي تنشرها الاقتصادات الأخرى من جهة أخرى بهدف تقييم مدى دقتها. ويمكن إجراء بعض التعديلات الناتجة عن الاختلافات المنهجية، ولكن يتعذر التلاعب بالتوجهات الرئيسية.

ويتأثر الميزان التجاري الصيني إلى حد كبير بالتوقعات الدولية. وفي عام 2016، أدى تباطؤ الصادرات الصينية إلى انخفاض النمو في آسيا الناشئة، وإلى ضعف اقتصادي في منطقة اليورو والولايات المتحدة الأمريكية. وفي الوقت نفسه، شهد العام انتعاش الأنشطة المرتبطة أساساً بارتفاع النمو العالمي، وخاصة في المناطق الاقتصادية الرئيسية مثل أوروبا.

وعلاوة على ذلك، شهدت الواردات ازدهاراً كبيراً منذ منتصف عام 2016 انعكاساً للطلب المحلي القوي وسعي الدولة لبناء احتياطات استراتيجية، وأبرزها احتياطي النفط.

وبالنظر إلى الواردات، نحصل على دلائل تشير إلى الجهود التي تبذلها الصين في مجال تنظيف البيئة. وكما أشار أولي هانسن، رئيس قسم استراتيجيات السلع لدى ’ساكسو بنك‘، تخطت واردات الحديد الخام عتبة 100 مليون طن للمرة الأولى في سبتمبر 2017 نتيجة للاستراتيجية التي اتبعتها بكين لزيادة واردات الأسهم ذات الدرجة الأعلى على حساب الإمدادات المحلية منخفضة الجودة.

حجم الشحن بالسكك الحديدية في الصين منذ عام 2007 منذ عام وحتى الآن، على أساس سنوي

يرتبط نمو الواردات بارتفاع حجم الشحن عبر السكك الحديدية. وفي سبتمبر 2017، ارتفع هذا المقياس بنسبة 14.6 بالمائة منذ عام وحتى الآن (على أساس سنوي) ليصل تقريباً إلى أعلى مستوياته منذ الأزمة.

وكما أوضح فيرنالد، وهسو وشبيغل في ورقة العمل ’هل تقوم الصين بتلفيق أرقامها؟ أدلة من بيانات شركاء تجاريين‘، كان حجم عمليات الشحن عبر السكك الحديدية بين عامي 2008-2014 الأفضل من حيث الأداء بين المؤشرات الفردية البديلة التي توضح الواردات الصينية.

وفضلاً عن مؤشر مديري المشتريات الصناعي الصيني الصادر عن ’إتش إس بي سي‘، ترسم هذه المؤشرات صورة عن اقتصاد صلب. ومع ذلك، يشهد الزخم الإيجابي الملاحظ في الفصل الأول حالة من التعثر. واستناداً إلى تحليل مؤشرات الأداء الرئيسية التي أثبتت فاعليتها في توقع اتجاه النمو الصيني، فإننا نتوقع إحصاءات أسوأ على مدار العام المقبل.

واسمحوا لنا بالإسهاب في التوضيح …

دافع ’ساكسو بنك‘ الائتماني حيال الصين على أساس سنوي

تم مؤخراً نشر البيانات الصينية الجديدة، مما أتاح لنا تحديث قراءتنا الداخلية للدافع الائتماني فيما يخص الدولة، والتي تتبع تدفق الائتمان الجديد الصادر عن القطاع الخاص.

وبالنسبة لاقتصاد قائم على الديون مثل الصين، تتضح الأهمية القصوى لمستوى الائتمان الجديد الصادر. وبناء على حساباتنا، يبدو أن الدافع الائتماني الصيني قد تراجع بنسبة لا تقل عن 25 بالمائة على أساس سنوي في الربع الثاني من عام 2017، ووصل بالتالي إلى مستوى منخفض جديد بعد الأزمة.

واستناداً إلى دور هذا المؤشر في قيادة الاقتصاد الحقيقي لفترة بين تسعة إلى 12 شهراً، يشير ذلك إلى احتمال أن تعاني الصين من تباطؤ اقتصادي في منتصف عام 2018. وفي الواقع، توجد دلائل مبكرة على نمو أكثر انخفاضاً.

مؤشر ’لي كيكيانغ‘ الصيني منذ عام 2013

منذ يوليو، يشير ’مؤشر لي كيكيانغ‘ الصيني (وهو أحد المقاييس التي أنشأتها مجلة ’الإيكونوميست‘ لقياس حجم عمليات الشحن عبر السكك الحديدية، واستهلاك الطاقة الكهربائية وإقراض البنوك – وهي المقاييس الثلاثة التي يفضل لي كيكيانغ استخدامها لقياس النشاط الاقتصادي) نحو الأسفل.

ويستجيب هذا المؤشر إلى حسابات تستند إلى:

  1. استهلاك الطاقة * 0.4
  2. حجم عمليات الشحن بالسكك الحديدية * 0.25
  3. القروض بالعملة المحلية * 0.35

ويعتبر في العادة مؤشراً جيداً لنمو التصنيع.

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو البيانات المتعلقة بتوليد الطاقة الكهربائية (والتي تشمل الاستهلاك النهائي، والاستهلاك الجاري، وفاقد الطاقة) ويجمعها مكتب الإحصاءات الوطني على مستوى المقاطعات الصينية.

توليد الطاقة الكهربائية في الصين منذ عام 2008 على أساس سنوي

ومن الناحية التاريخية، يعتبر استهلاك الطاقة الكهربائية واحداً من أفضل مؤشرات النمو الاقتصادي في الصين. وتظهر أرقام استهلاك الطاقة الكهربائية موثوقة للغاية، ولم تخضع إلا لمراجعات طفيفة على مر السنين. ويشهد توليد الطاقة على الصعيد الوطني حالة استقرار عند 6.2 بالمائة في سبتمبر 2017.

وسجلت مجموعة من المقاطعات الصناعية في الصين نمواً سنوياً سلبياً خلال الأشهر القليلة الماضية. وتتمتع جيانغسو بأعلى نصيب للفرد من الناتج المحلي الإجمالي بالمقارنة مع بقية المقاطعات الصينية؛ ووصل الانكماش فيها إلى 22 بالمائة في سبتمبر الماضي. وفي شانغدونغ، التي طورت قطاعاً قوياً في تصنيع الأغذية ومعالجتها، وصل حجم الانكماش إلى 17.8 بالمائة.

ويعتبر هذا الانخفاض أمراً مثيراً للقلق، ويبدو أنه يؤكد مخاطر التباطؤ الاقتصادي نظراً لاعتبار استهلاك الطاقة الكهربائية بديلاً فاعلاً عن نمو الناتج المحلي الإجمالي. وفي الختام، توجد ثلاث نقاط ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند التشكيك في موثوقية البيانات الاقتصادية الصينية:

  • لا يمكن اعتبار أرقام الناتج المحلي الإجمالي أكثر المؤشرات ملاءمة لتقييم مستوى الصحة الاقتصادية في الصين. وكما ذكرتنا بكين في مرات عديدة، يعتبر ذلك في الغالب مرجعاً يقيس بشكل غير كامل مدى التحول نحو نموذج نمو أكثر جودة.
  • يعتبر استهلاك الطاقة الكهربائية مؤشراً رئيسياً يرتبط بشكل وثيق مع النمو الاقتصادي، ولا يخضع للتلاعب. وفضلاً عن تراجع الدافع الائتماني، يؤكد انكماش توليد الطاقة الكهربائية في المقاطعات الصناعية الرئيسية على خطورة تباطؤ النمو خلال الأشهر القادمة.

لم يتم تسعير التباطؤ الاقتصادي الصيني في السوق، وسيكون له تأثير كبير على الاقتصاد العالمي حيث تمثل الصين ثلث دوافع النمو العالمي وفقاً لصندوق النقد الدولي.