بماذا يتم حشو صفحتك على الفيسبوك؟

');

الطعام المجاني هو أحد الامتيازات الكبرى العديدة التي تصاحب العمل لدي الشركات ذات كيان ضخم. فهل هو امتياز حقاً؟

جو فيكس

نيوزويك

تعد الأعمال الداخلية في شركة فيسبوك سرية إلى حد كبير، إذ عادةً ما تكون مخبأة خلف البيانات الصحافية السطحية، واتفاقات عدم الكشف المُحكمة، والموظفين شديدي الولاء. لذا عندما تلقيت دعوة لتناول الغداء مجاناً داخل مقر الشركة من قبل صديقة تعمل هناك، قفزت إلى سيارتي وانطلقت بسرعة عبر المستنقعات الملحية إلى “مينلو بارك” وكأنني خارج لتوي من سباق “ماد ماكس” عبر اعصار ناري ومُتّجه منه مباشرةً إلى قاعة الولائم. ولكن على الأقل كانت حركة المرور سارية، الأمر الذي رفع معنوياتي بعض الشيء.

في العام الماضي، قامت الشركة بتوسيع مقرها الرئيسي في مينلو بارك، كاليفورنيا، حيث افتتحت مبنى جديد عبر الطريق السريع 84 أمام المقر الرئيسي السابق. والمبنى20- والمعروف أيضاً باسم “MPK 20″،  “مقر مينلو بارك”- هو عبارة عن مبنى ضخم صممه المهندس المعماري فرانك جهري، بشكل يختلف تماماً عن النمط التقليدي لمقرات كبرى العلامات التجارية في العالم. يقول جيهري في تصريح له: “منذ البداية، أراد مارك [زوكربيرغ] أن يكون المقر مساحة بسيطة، وواقعية، وفعالة من حيث التكلفة، لم يكن يريد تصميم نمطي مُتكلّف”. وقد حصل زوكربيرغ على ما يريده تمامًا. فالتصميم يبدو كما لو أن أحدهم سحب مجموعة من المكاتب القائمة واللوحات البيضاء إلى داخل حبة شبوتل بحجم حظيرة الطائرات.

في حين كان المقر القديم الواقع في “هاكر واي 1” يشبه (فعلياً) الشارع الرئيسي لمدينة “ديزني لاند” في الولايات المتحدة الأمريكية، يبدو المبنى الجديد أكثر هدوءاً، فهو مكتب على مساحة 430 ألف قدم مربع بجوار أرض قفر كانت في الماضي مستنقعات كبريتية ملحية. وعلى الرغم من أنه لا يوجد “فانتازي لاند” (حدائق على غرار المملكة السحرية تديرها شركة “والت ديزني” في جميع أنحاء العالم) أو حتى ساحة مدينة ذات أرضية مرصوفة تحدد المستقطع من الأرض عندما يُنظر إليها من الفضاء الخارجي، إلا أن المبنى (مرة أخرى، فعلياً) يضم مقهى جديد للموظفين، وهو مقهى “فول سيركل كافيه”.

ويُعد الغذاء المجاني هو أحد الامتيازات العديدة للعمل في شركة فيسبوك. بالإضافة إلى الراتب المجزي مع خيارات امتلاك الأسهم (متوسط 126 ألف دولار للمهندسين)، كما تتوفر خدمات الرعاية الصحية غير المحدودة، ووسائل نقل خاصّة مجانية، وعضوية في صالة الألعاب الرياضية، وآلات بيع محملة بمعدات تقنية مجانية. كما توجد امتيازات إضافية مثل مجموعة متنوعة من الألعاب للأطفال المُدلّلين من ذوي الآباء المنفصلين، تضم: جدران تسلق الصخور، وركوب دراجات مجانية (في فيسبوك بلو، وناتش)، كما يمكن للجميع تناول الآيس كريم، والاستمتاع بغرفة الموسيقى، وركوب لوح التزلج/ ريبستك، وشراء بضائع رخيصة تحمل العلامة التجارية لفيسبوك، بالإضافة إلى مركز لألعاب الأركايد، وشيء يسمى “ناتشو الأربعاء”، فقط إذا كان بقية المجتمع متعاون جداً. (وربما يحدث ذلك إذا ما دفع المديرون التنفيذيون التقنيون المزيد من الضرائب لتمويل الخدمات الحكومية.)

وللوصول إلى مقهى فول سيركل، يتعيّن على المرء أن يمشي عبر المساحات المكتبية المفتوحة الواسعة، ويمُرّ عبر الملاحظات غير المفهومة على السبورة البيضاء وبالونات الاحتفالات التي تأخذ أشكال الأرقام احتفالًا بالذكرى السنوية للعمل في فيسبوك، وعداد تكنولوجيا المعلومات المُصمم ليكون على غرار مقهى CBGB (يا له من أمر بلا معنى!) وحجرة الطرود التي يُطلق عليها اسم شيب هابنز (الثلاجة مليئة بصناديق من منتجات بلو آبرون) والملصقات الكئيبة المُلهمة من أمثال (تحرك بسرعة واكسر الأشياء”، “ما الذي كنت ستفعله إن لم تكن خائفاً؟” “إتمام العمل خير من إتقانه”). يعطيك ذلك إحساس بأنك في سباق حماسي للمدرسة الثانوية تم عقده في عيادة طبيب الأسنان.

وبالقرب من مدخل فول سيركل يوجد “مطبخ صغير” يضم بار اسبريسو ووعاء من الحلوى المتنوعة. (الأوعية مثبتة في الطاولة بمادة لاصقة، يبدو أن بعض الموظفين كانوا شديدي الجشع!) وخلف المطبخ الصغير يوجد نحت كبير في الجدار عبارة عن كلمة “فول سيركل” مع أطباق وأكواب (سخيف!) وبار السلطة التي يبدو كأنه نُقل جواً من مطعم هول فود المحلي. وفي الطرف الآخر، يوجد مجموعة مختارة من الحساء. وكان إناء حساء القرع يسرّب فيضان من الماء على الأرض عندما كانت إحدى الموظفات تمُرّ عبر تلك الفوضى لكي تملأ صحنها في ما لم يبدو عليها أي علامة تشير للانزعاج من هذا الأمر.

على الجانب الآخر من بار السلطة، يوجد مطبخ مفتوح كبير ومنطقة بوفيه من الفولاذ المقاوم للصدأ، يبدو أن الفولاذ المقاوم للصدأ والخشب هما أجمل من كل شيء آخر هنا، ليبدو المظهر العامّ وكأنه مشرحة المقاطعة التي صممتها “ايكيا”.

سحبت طبق ووقفت في طابور البوفيه. كانت مصابيح الحرارة تتدلى مثل الديدان فوق أواني الطعام سريع التخثر: الكينوا المخلوطة مع بندق المكاديميا والبصل الأخضر، أكواب الكاري بالتوفو الأخضر والسلايدر مع الشمندر وصلصة ثاوزاند أيلاند و”سناجز” مشوية (اللفظة العامية الأسترالية للنقانق) التي تبدو مثل كومة من أصابع اليد المبتورة المغطاة بالدم، والخضراوات المتنوّعة (التي يظهر بوضوح أنها كانت مجمدة) وشريحة لحم طازجة مع صلصة كاري متكتلة بلون النيون. بينما كنت أضع القليل من كل شيء في طبقي، كانت أغنية ميتاليكا “أنفورجيفن” تنتهي لتبدأ أغنية لينكين بارك “إن ذا إيند” من خلال نظام الصوت المجسم في الكافتيريا. (في وقت لاحق، عندما عدت للحصول على منديل، سمعت ” أنفورجيفن ” تصدح مرةً أخرى).

يوجد ثلاجات مليئة بزجاجات من جميع أنوع المشروبات تقريباً، إلى جانب طاولة تحمل الكعك واللحوم اللذيذة التي تفوح منها رائحة الصلصة. وهناك شيء غريب: لم أتمكن من العثور على مصدر لشرب المياه داخل شركة “فيسبوك”. إذا كنت تريد الماء، يجب عليك الحصول على زجاجة مياه “كريستال جيسير” من واحدة من الثلاجات المنتشرة في أنحاء المكاتب.

جلسنا في غرفة الطعام المجاورة لمنطقة البوفيه. لم تكن شديدة الازدحام، لأن معظم الموظفين قاموا بملء أطباقهم بالطعام ثم عادوا إلى مكاتبهم ليواصلوا العمل أثناء تناول الغداء. وكانت بعض الموائد مغطاة بفتات الأطعمة. تستخدم هذه المنطقة بشكل مزدوج كقاعة للعروض والدردشة الأسبوعية مع مارك (الجميع هناك يدعونه باسمه الأول). كما يقومون في بعض الأحيان باستضافة جلسات أسئلة وأجوبة مع المشاهير أو أحياناً يتم تحويل المنطقة إلى نسخة طبق الأصل من “إندور” الموجودة في فيلم حرب النجوم. وبسبب هذا الاستخدام المزدوج، توجد إضاءة للمنصة عبر السقف وإعدادات للوسائط المتعددة مع كاميرات مصوبة على الموائد. لقد شعرت وكأنه إعداد رخيص لتصوير إحدى مسلسلات الكوميديا، التي انتشرت في أواخر التسعينات، لصالح إحدى الشبكات التلفزيونية في الولايات المتحدة الأمريكية.

الطعام نفسه ليس أفضل بكثير، إذ كانت السلايدر مطهية أكثر من اللازم وينقصها الملح، وهو أمر مثير للسخرية بالنظر إلى المشهد العظيم الذي تطلّ عليه الكافتيريا على المستنقعات الملحية التي تمتد على مساحة آلاف الأفدنة. كما كان التوفو وشرائح اللحم مطاطية وبدون طعم، أما النقانق فكانت جيدة ولكنها غارقة في الدهون. وطلبت زميلتي أن تجرب بعض الخضر المتنوّعة التي وضعتها أنا في طبقي، فقلت لها “إن مذاقها يبدو أفضل مما تبدو عليه”. لكنها بعد أن تناولت قضمات عدّة قالت: “لا، إنه ليس كذلك”.

كانت تجربة تناول الطعام بينما أنت محاط بالموظفين الذين يرتدون المعاطف وحقائب الظهر التي تحمل شعار فيسبوك أشبه بتناول الطعام مع إحدى الطوائف الدينية التي تعقد اجتماعاتها الأسبوعية في مقصف البلدة القديم. بالإضافة إلى ذلك، فقد أصابني الطعام بآلام في المعدة.

إلى أي مدى يعود ذلك، إلى خطأ من الطهاة التنفيذيين دين سبينكس وتوني كاستيلوتشي والعاملين معهم؟ تقدم العديد من المقاهي والمطاعم الموجودة حول مقر فيسبوك (والأخرى التي تتجمع حول المقر القديم وتدار من خلال الفريق نفسه) أطنان عدّة من المواد الغذائية كل يوم للآلاف من الموظفين. ربما، باستخدام لغة بدء التشغيل، كان إعداد الطعام لا يغطي نطاق واسع.

هل من المقصود أن يكون معظم الطعام داخل شركة فيسبوك غير صحي وبدون طعم؟ وأن تشبه المكاتب متاهة فئران مصنوعة من الخشب المُعاد تدويره والايجابية القسرية؟ انظر إلى حجم السُلطة والتأثير الذي تمارسه الشركة على العالم. حيث يستخدم منصتها حوالي 1.79 مليار مستخدم، مما يشوه تفاعلاتنا الاجتماعية لتصبح مجرد ألعاب كازينو يتم إدمانها وتغذيها النرجسية والغضب الصارخ، ليخدم كل ذلك الغزو الإعلاني من الشركات. ويعد موقع فيسبوك على شبكة الإنترنت، الذي أصبح على غرار موقع “ماي سبيس” المكتظ قبيح المنظر، شبكة توزيع ضخمة للدعاية السياسية ونظريات المؤامرة، مع عدم وجود رقابة أخلاقية واضحة أو شفافية (“هل عظام هيلاري كلينتون في الواقع أفاعي مجلجلة؟”).

يبدو أن زوك (مارك؟) يتطلع إلى خوض الانتخابات الرئاسية، وعضو مجلس إدارة شركة فيس بوك بيتر تيل (مؤيد ترامب المتحمس) يفكر في الترشح لمنصب حاكم ولاية كاليفورنيا. وإذا كانوا سيديرون حملاتهم الانتخابية بالرؤية نفسها التي يطرحها مسلسل وادي السيليكون (مسلسل أمريكي) حيث يرغب بعض الأشخاص في إزعاج حكومتنا، فمن الإنصاف أن ننتقد هذا البناء الذي يبدو على نمط فيلم “زانادو” أو Xanadu (فيلم أمريكي عن فتاة تجعل الأحلام تتحقق).

اتضح أن شركة “فيسبوك” هي مثل أي شركة أخرى بلا روح، إنها مجرد قشرة من الطلاء المشرق الخادع والإيجابية الضحلة مع علامة تجارية لأسلوب الحياة الذي يعتمد على اليوجا. تجربة تناول الطعام داخل شركة “فيسبوك” لم تختلف كثيراً عن استخدام الموقع؛ فقد وصلت ولدي غرض معين في عقلي، ولكن ها أنا أشعر بالإرهاق والإثارة المفرطة، وأغادر بينما يغمرني شعور بالتعب والتشوش والحزن.