بيت صغير بكندا لم يعجب عايدة صبرا

مصطفى رعد

نيوزويك الشرق الأوسط

لم تعرف المغنية اللبنانية الأسطورة فيروز أنه بعد سنوات طويلة على أدائها لأغنية “بيت صغير بكندا”(كلمات ريما الرحباني- لحن الأغنية مقتبس من الأغنية الفرنسية Ma Cabane Au Canada  للمغنية الفرنسيةLINE RENAUD) أن هناك من لم تعجبه كندا، بعدما اعتاد على العيش في فضاء الفوضى في لبنان.

لا تنفك الست نجاح من التعبير عن انزعاجها من اللون الأخضر الذي يجتاح شرفتها بالقرب من مقر اقامتها في مونتريال. لم تتعود صبرا على رؤية مساحات خضراء شاسعة في لبنان، من دون وجود نرجيلة يدخنها الشبان والشابات، أو من دون رؤية إمراه تضرب ابنها الصغير أو من دون رؤية شجار بين سائقي السيارات على أفضلية المرور. كل ذلك لم يعجب الست نجاح. الكنديين بحسبها “ما بيفهموا” لأنهم لا يعرفون كيف يعيش اللبنانيون في بيروت.

هل يستطيع الكنديون العيش في لبنان؟

أجواء لبنان لن تلائم الكنديين في حال قرروا العيش في لبنان. طبعا، الفكرة غير قابلة للتطبيق بتاتاً، نظراً لما يتمتع المواطن الكندي من حقوق بديهية، لا زلنا نعتبرها كماليات، خصوصاً أنه ينعم بتغذية كهربائية على مدار اليوم، عدا عن استطاعته شرب مياه غير ملوثة حتى ولو كانت من صنبور الاستحمام، كذلك أن ينعم بمساحات خضراء خالية من جنون انتشار الأبنية الخرسانية. بالطبع تعودنا أن نعيش يومياتنا يوماً بيوم. لا يعرف اللبناني متى يتوقف قلبه عن الخفقان، ولا يعرف كيف يعيش حياته بلا مشاكل. أصبحت المشاكل جزءاً من الفلكلور اللبناني، وأصبح الفساد الذي ينخر عظام الدولة أسلوباً للحياة، وثقافة يومية يتناولها اللبناني مع خبزه… المسرطن.

فعلياً، أجواء كندا لاءمت الممثلة اللبنانية عايدا صبرا، لكنها لم تلائم اللبناني الذي ينشد العيش في بلاد تحترم القانون ولكنه غير مستعد للتقيد بها في بلاده، على الرغم من أن فيروز كانت تريد أن يكون لها بيتاً صغيراً في كندا “ما بيعرف طريقو حدا” لتبتعد بذلك عن كل الذين يريدون أذيتها. الأغنية تشرح الواقع المشترك الذي تتحدث عنه الممثلة اللبنانية عائدة صبرا، والذي ينسف مفهوم الأمن والأمان المفقود في لبنان، بعدما لم يعد لبنان قادراً على تأمين الحماية لمواطنيه. وللمصادفة أطلق رئيس الجمهورية الراحل سليمان فرنجية قبل الحرب اللبنانيّة، مقولة “ناموا واتركوا بوابكن مفتوحة”، وكان يقصد الدعوة إلى الاطمئنان لأنّ عهده سيكون عهد أمان. لكن لسخرية القدر، بدأت الحرب اللبنانية في عهده، فتخلعت الأبواب وتهدمت البيوت وتهجر اللبنانيون وعمت الفوضى وانتشر الرعب في كل مكان.

الرفاهية المطلقة التي لم يتعود اللبناني عليها في بلده، أصابت الممثلة والاستاذة الجامعية عائدة صبرا بـ “صدمة حضارية” خلال زيارتها الأخيرة إلى كندا، للاطمئنان على نجلها الذي يكمل تعليمه في هندسة الطيران. تشير صبرا إلى أنها أمضت بعض سنوات حياتها في كندا منذ العام 1990 حتى العام 1995، وتزورها مرتين كل سنة، وبرأيها “لو كنت طولت بالي شوي بكندا ما كنت رجعت على لبنان”، لكن شغفها للمسرح، والظروف التي عاكستها كانت أقوى منها.

كيف ولدت فكرة “مغامرات السيدة نجاح”؟

ولدت فكرة سلسلة “مغامرات الست نجاح” عن طريق المصادفة، بعدما كانت تعمل على إنتاج برنامج تلفزيوني كوميدي جديد، تعثّر استكماله لظروف عدة. تقوم صبرا بتصوير الأفلام الصغيرة في كندا بالتعاون مع شركةWeb en Direct لصاحبها علي ماجد الذي كان تلميذها في الجامعة. يساعدها ماجد في التصوير والمونتاج، وينشر الفيديوهات على فايسبوك، بعدما كانت بدأت تنفيذها بواسطة كاميرا التلفون.

مغامرات السيدة البيروتية، التي عاشت ظروف الحرب الأهلية اللبنانية بدءاً من العام 1975، كانت حديث معشر مجتمع موقع فاسبوك بعدما اختارت صاحبة دور “عمتي نجاح” في الفيديوهات التي نشرتها عبر موقع فاسبوك ويوتيوب.

مظاهر ثقافة الحياة في كندا أدهشت “الست نجاح” وألهمتها لصناعة فيديوهات تظهر “الفرق بين المواطن اللبناني والكندي، بعدما بات اللبناني يفتقر للحد الأدنى من مقومات الحياة، وبعدما أصبح همنا الأكبر أن نرفع ديجانتور مولد الكهرباء البديل عن كهرباء الدولة، الأمر الذي ساهم في ترتيب حياتنا بطريقة مغايرة لكل المواطنين في العالم، مع العلم أن تأمين الكهرباء بات من الأمور البديهية التي يجب على الدولة تأمينها من دون منة”، تقول صبرا، مضيفة أن اللبناني “لا يتأخر يوماً في دفع الضرائب المتوجبة عليه، ولكن للأسف تذهب هذه الضرائب إلى جيوب النافذين، بعدما أصبح الفساد مستشرٍ بنسبة كبيرة في الدوائر الحكومية وبات ثقافة منتشرة”.

ليس غريباً أن يحتل لبنان موقعاً مميزاً في سلم الفساد بين دول العالم. منذ العام 1995 تقوم منظمة الشفافية الدولية تقوم بإصدار سنوي لمؤشر دولي لملاحظة الفساد يرمز له اختصارً(CPI) ويقوم بترتيب الدول حول العالم حسب درجة مدى ملاحظة وجود الفساد في الموظفين والسياسيين. تعرّف المنظمة الفساد على أنه “إساءة استغلال السلطة المؤتمنة من اجل المصلحة الشخصية”. وبحسب المؤشر نفسه، سجل لبنان تقدماً طفيفاً في مستوى النزاهة في العام 2015 بحيث حصل على معدل 28\100 في مستوى النزاهة، لكنه يبقى من بين الدول الأكثر فساداً ويحل في المرتبة 123 من أصل 168 دولة، بينما احتلت كندا معدل 83/100 في مستوى النزاهة في العام نفسه.

لا تزيد مدّة كلّ حلقة عن الدقيقة ونصف، يتكرّر فيها اندهاش صبرا من بعض مظاهر الحياة في مونتريال، المتناقضة بشكل فاضح عما يعيشه اللبنانيون في لبنان. “كنت أفكر في انتاج أفكار لل web، نظراً لأن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت مكوناً أساسياً في حياتنا اليومية وباتت أكثر أهمية من التلفزيون الذين لم يعد يقدم برامج تحاكي هموم وأحلام الجيل الشاب”. اختارت صبرا لعب دور “مرت عمي نجاح”، لأنها حققت نجاحاً كبيراً حين لعبت دورها للمرة الأولى في مسرحية المخرج اللبناني الراحل يعقوب الشدراوي (1934-2013) “نزهة ريفية غير مرخصة” (1984، عرضت على مسرح البيكاديلي في بيروت).

لاقت الشخصية شهرة واسعة بعد عرض برنامج “حلونجي يا اسماعيل”(كتابة أحمد قعبور، تمثيل عايدة صبرا وعباس شاهين) على شاشة تلفزيون المستقبل في العام 1995. بقيت التجربة حاضرة في ذاكرة التلفزيون اللبناني، ولم تفقد الشخصية نجاحها مع مرور السنوات، نظراً لأن الشخصية لا زالت “تتكلم بلسان الناس، وتحكي عن أمور واقعية يعانون منها بدءاً بأزمة النفايات التي أصبح عمرها أكبر من سنة، والتي سيترتب عليها عاجلاً أم أجلاً تداعيات سلبية على صحة المواطنين، إضافة إلى المشاكل اليومية التي تستدعي تناول أكثر من 10 أدوية ليستطيع اللبناني أن يكمل يومه من دون إظهار حزنه أو غضبه، وصولاً إلى الحاجز الذي يحد من إمكانيات الشباب اللبناني في تطوير نفسه في بلده، الأمر الذي يجعل الشخصية ناجحة، لأنهم يشعرون أنها قريبة منهم، على غرار شخصيات كوميدية لبنانية تركت أثراً في ذاكرتهم أمثال شوشو، وفريال كريم وإبراهيم مرعشلي.

تشعر الست نجاح بالحزن عندما “اسمع أن المغتربين اللبنانيين الذين يعيشون في دول تحترم القانون، كيف يخالفونه عندما يعودون إلى لبنان”، مع العلم أن اللبناني شخص طموح وذكي ومثقف وشغوف ويحب الحياة. اللبنانيون الذين حصلوا على الدعم المادي والمعنوي نجحوا في بلاد أوروبية وأميركية ولم يستطيعوا النجاح في بلادهم. نجحوا فرادة ولم ينجحوا جماعات، وهذا ما يصيبنا “بحسرة كبيرة لأنهم لو كان باستطاعتهم أن ينموا الاقتصاد اللبناني، لكان لبنان من البلاد الرائدة في العالم”.

تقولها صبرا بحسرة بعدما “فقدت الأيمان ببلدي، وسأقوم بإرسال ابني الثاني ليستكمل دراسته في كندا، لأن كندا بلاد جميلة، في ظل وجود القانون الذي يحترمه الجميع، على عكس لبنان الذي وصل إلى مرحلة مخيفة من الفساد وعدم المحاسبة والذي تعود اللبنانيون عليه وهذا أمر خطير جداً”. لبنان بحسبها “لا يزال يعيش ظروف الحرب الأهلية التي عشتها على مدى 15 عاماً، ولا زال اللبنانيون يعيشون واطئتها، ولا أريد لأولادي أن يعيشوا في هذه الظروف السيئة”.

بإمكان اللبنانيين بحسب صبرا، أن يحصلوا على مقومات العيش البديهية “في حال رفضنا دفع رشوة في الدوائر الحكومية، وفي حال توقفنا عن تجاوز إشارة السير الحمراء، وإذا توقفنا عن ارتكاب كل ما يخالف القانون، ونستطيع أن نستعيد دورنا كمواطنين شرفاء في الوطن، حين نواظب بشكل مستمر على سلوك قانوني حقيقي، يضع الدولة في موقع الخائف من محاسبة الشعب لها”.

تستكمل صبرا عملية انتاج الفيديوهات بعد نسبة المشاهدة المرتفعة، وتعد المشاهدين اسبوعياً بفيديوهات جديدة، وتتمنى أن تطور هذه الأعمال في بيروت، وقد تدخل شخصيات جديدة على الأعمال المقبلة، وذلك بحسب قدرتها في الحصول على دعم مادي من المنتجين بشرط عدم التدخل في عملية الإنتاج، وهذا نوعاً ما يُعد صعباً.