تحركات السلع والأسهم والأسواق

بيتر جارنري، رئيس استراتيجيات الأسهم لدى ساكسو بنك

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

 

شهدت أسواق الأسهم ربعاً سنوياً آخر من الأداء الجيد، حيث حققت الأسهم الصينية وأسواق الأسهم الناشئة القدر الأكبر من المكاسب، وتبعتها الأسهم الأوروبية التي استفادت من التدفقات الواردة لرأس المال. واستعاد المستثمرون ثقتهم بالأسواق الأوروبية بعد الفوز الحاسم الذي أحرزه مرشح الوسط والمقرب من الأسواق إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية الفرنسية خلال شهر مايو الماضي، وتحقيق حزبه فوزاً كاسحاً في الإنتخابات التشريعية التي جرت في شهر يونيو الحالي، مما أتاح له زخماً قوياً لإجراء إصلاحات في المجتمع الفرنسي يفوق ما حصل عليه أي رئيس فرنسي منذ الحرب العالمية الثانية. من ناحية أخرى، أظهرت الأسواق مؤخراً بعض التراجع عقب الخسائر التي طالت الأسهم الأسترالية والبرازيلية. إلا أنّه يمكن لذلك أن يشكل تحذيراً من حدوث تباطؤ وشيك في الأسواق الصينية بسبب ضعف الدافع الائتماني.

أما على صعيد القطاعات، فقد تمثلت أكبر المفاجآت الحاصلة في صعود قطاعي الخدمات والعقارات مدفوعة بانخفاض أسعار الفائدة على المدى الطويل، حيث لم تلق توقعاتالاحتياطي الفيدرالي الأمريكي‘ أصداء تذكر في الأسواق. وانعكس التباطؤ الذي شهدته أسعار الفائدة إيجاباً على القطاعات التي تستفيد من معظم المديونيات. ومرة أخرى، كان قطاع الطاقة هو الوحيد الذي يسجل عوائد سلبية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، ليكمل بذلك 9 أشهر من الأداء السلبي مع توقعات باستمراره على هذا المنوال خلال الربع الثالث من العام الحالي. بينما لا تزال التقديرات الخاصة بمخزونات الطاقة تعكس تفاؤلاً مفرطاً بإمكانية استعادة أسعار النفط لقوتها.

ومع الصعود الذي شهده قطاع التكنولوجيا بواقع 18% منذ بداية العام حتى الآن، تشكل احتمالات حدوث فقاعة اقتصادية جديدة محور الأحاديث التي تدور في القطاع، حيث جاء شهر يناير ليذكر بإمكانية تكرار التقلبات التي سادت في أعقاب الهبوط المفاجئ الذي شهده مؤشرناسداك 100‘ بنسبة 4% خلال جلستي تداول. وبالرغم من ذلك، فقد نجح القطاع في استقطاب عروض جديدة استناداً إلى مكانته القوية كواحد من مجالات النمو القليلة في ظل تقلبات بيئة الاقتصاد الكلي الراهنة. ولكن مع اتساع نطاق التقييمات الخاصة بأسهم التكنولوجيا فإننا نتوقع بأن التوسع متعدد الجوانب لهذا القطاع لن يستمر طويلاً.

وإذا صحت توقعاتنا حول حدوث تباطؤ خلال الربع الثالث من العام الحالي، فمن المرجح أن تشكل الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية والخدمات أفضل القطاعات أداءً خلال تلك الفترة.

 

الدافع الائتماني يشير إلى انخفاض النمو

يتمحور موضوع التباطؤ الذي نتناوله حول الائتمان، والذي يشكل أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للاقتصاد المعاصر. وتشير الكثير من الأدلة إلى دور الدافع الائتماني أو التغيير الذي طرأ على صافي الائتمان الجديد لمدة 12 شهراً بالنسبة للاقتصاد في قيادة النمو المستقبلي خلال مدة تتراوح بين ربع وربعين سنويين. ويمكن معرفة مدى أهمية الائتمان من خلال إلقاء نظرة على الأسواق الصينية. فقبل الأزمة المالية العالمية، بلغت النسبة المئوية لصافي الائتمان الجديد 19% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين ارتفع المعدل الوسطي لهذه النسبة بعد الأزمة المالية إلى 29% 

واتخذ الدافع الائتماني منحىً سلبياً خلال الربع الثاني من هذا العام انطلاقاً من الصين اعتباراً من شهر مارس الماضي. ونتيجة لذلك، قدّم الربع الثاني صورة متناقضة للاقتصاد الكلي، وتم كبح التضخم الذي حصل مؤخراً. ولفهم الدور الذي تلعبه الصين في الاقتصاد العالمي تكفي الإشارة إلى أنه من المتوقع لها أن تسهم بنحو 35% من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي على مدى الأعوام الثلاثة المقبلة. ولكن مع تباطؤ نمو الاقتصاد الصيني فإننا نتوقع حدوث تراجع في أداء أسواق الأسهم الناشئة وتراكم الضغوط على قطاع المواد الأولية في نهاية المطاف.

ولعب الدافع الائتماني دوراً سلبياً في الولايات المتحدة أيضاً، ولذلك فإن تباطؤ النمو خلال الربع الثالث لن يشكل تلك المفاجأة الكبيرة. ومع التوقعات التي تشير إلى مساهمة الاقتصاد الأمريكي في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 18% خلال الأعوام الثلاث المقبلة، يكتسب تباطؤ الائتمان أهمية كبيرة أيضاً بالنسبة للإقتصاد العالمي. وبدورها، تشهد الهندوالتي من المتوقع لها أن تشكل ثالث أكبر المساهمين في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول العام 2020 – نمواً سلبياً على صعيد الائتمان. بينما ستكون القارة الأوروبية هي المنطقة الكبرى الوحيدة التي ستتمتع بدافع ائتماني إيجابي، إذ لا تزال نظرتنا إيجابية حيال الأسهم الأوربية ونتوقع استمرار تدفق رؤوس الأموال إليها.

 

هل أثبتت سياسياتأبينوميكسجدواها؟

كما أشرنا سابقاً في ورقتنا البحثية الصادرة خلال شهر مايو الماضي، الشمس تشرق على اليابان مرة أخرى. فقد تجاوز الناتج المحلي الإجمالي السنوي لليابان الذروة التي أحرزها في العام 1997، واستطاع تسجيل نمو سنوي منذ الربع الأخير من العام 2012 بلغت نسبته 2.1%، وهو ما يزيد بشكل كبير على تكلفة التمويل في البلاد، وهو الأمر الذي يشكل بحد ذاته مؤشراً رئيسياً يدل على تحقيق الإستدامة طويلة الأمد. ولم يسبق لمعدلات النمو في اليابان وإن حققت هذه المستويات المرتفعة منذ الفترة بين عامي 1993-1993. وسجلت معدلات البطالة نسبة 2.8% خلال شهر أبريل الماضي، وهي أقل نسبة لها منذ العام 1994 وتقارب المستويات القياسية للتضخم. وفي حال نجحت البلاد بتحقيق ذلك، فإنه سيشكل واحدة من أهم المنعطفات المفصلية خلال 2018. ويتم تقييم الأسهم اليابانية حالياً بقيمة تقل بنسبة 20% عن مثيلاتها الأمريكية. ونتيجة لتحسن بيانات الاقتصاد الكلي وتقييمات الأسهم، فإننا سنشهد زيادة في قيمة الأسهم اليابانية.

 

التحول نحو السيارات الكهربائية

شكل العام 1990 نقطة تحول فيما يتعلق بانتشار ظاهرة الحواسيب الشخصية والبرمجيات، حيث تجاوزت عائدات شركةمايكروسوفتعتبة المليار دولار أمريكي. أما خلال هذه السنة المالية، فمن المتوقع أن تبلغ إيرادات الشركة 96 مليار دولار أمريكي، وهو ما يشكل معدل نمو تراكمي بنسبة 19% على مدى أكثر من 26 عاماً.

وبالمثل، شكل العام 2013 نقطة تحول بالنسبة للسيارات الكهربائية، حيث تجاوزت إيرادات شركةتسلاعتبة الملياري دولار أمريكي .وبالرغم من وجود الكثير من الشكوك بعد مرور 4 سنوات على ذلك، فقد بات من الواضح بأن قطاع السيارات الكهربائية وأنظمة القيادة الذاتية تمر حالياً بالتجربة ذاتها  التي عايشتهامايكروسوفتسابقاً. ووفقاً للتقديرات الخاصة بالقطاع، فإن السيارة الكهربائية التي تسير لمسافات طويلة ستكلف حوالي 22 ألف دولار أمريكي بحسب قيمتها الحالية، مما يجعلها متاحة للشراء بأسعار مقبولة حتى في الأسواق الناشئة. وتشير توقعات شركةبلومبرج لتمويل الطاقة الجديدةإلى أن السيارات الكهربائية تشكل 35% من إجمالي مبيعات السيارات حول العالم. ومن الممكن أن تكون هذه التوقعات أقل مما سيكون عليه الواقع مستقبلاً. وفي حال راودت الشكوك أي شخص حول مدى التزام الشركات بتصنيع السيارات الكهربائية، يمكنه بكل بساطة التواصل مع شركةفولكسفاجنوالاستفسار بشأن ذلك، حيث تعمل الشركة على إعداد استراتيجيتها التي تتمحور حول السيارات الكهربائية، فضلاً عن الوعود التي أطلقتها والمتعلقة بطرح 20 نموذجاً جديداً من هذه السيارات بحلول العام 2020. ويتعلق السؤال الأهم الذي ينبغي طرحه بمدى تأثير قطاع السيارات الكهربائية وأنظمة القيادة الذاتية على مستويات الطلب على النفط مستقبلاً. ومن المرجح أن ينحصر التوجه نحو امتلاك السيارات العادية بفئة قليلة من الأشخاص (بما يشبه امتلاك الخيول الأصيلة من قبل الأثرياء)، وسيتلاشى إستهلاك البنزين. وفي حال واصل قطاع السيارات الكهربائية نموه، فإن الطلب على النفط سيسجل انخفاضاً بمقدار مليوني برميل يومياً، وهو ما يمثل حجم الفائض في أسواق النفط لعام 2014. وبعبارة أخرى، فإنه من المرجح أن ينجم عن الثورة في قطاع السيارات الكهربائية أزمة كبيرة في قطاع النفط. ومن المحتمل كذلك ألا يتم استخراج النفط من قاع المحيطات أبداً. ولكن اللاعب الأبرز في القطاع هو أنظمة القيادة الذاتية، والتي يمكن أن تسهم في تقليل أعداد السيارات وتعزيز كفاءة استهلاك البنزين، وبالتالي في تسريع وتيرة انخفاض الطلب على النفط. وعند إلقاء نظرة معمقة على المدى الطويل، تكتسب توقعاتنا طابعاً سلبياً تجاه قطاع النفط على المدى الطويل، حيث تشير تقديراتنا بأن رؤوس الأموال المستثمرة في هذا القطاع ستوفر عوائد منخفضة للمساهمين.

 

Facebook Comments

Post a comment