تحليل: الستار الحديدي الجديد

حاول الكرملين منذ فترة طويلة تقسيم أوروبا والسيطرة عليها. والآن، تؤتي إستراتيجيته ثمارها في المجر

أوين ماثيوز

نيوزويك

احتشد العشرات يوم 8 إبريل / نيسان  على الرغم من برودة جو الربيع، حول نهر الدانوب في بودابست، المجر، منتظرين حتى وقت متأخر من الليل لسماع كلمة بطلهم. وعندما ظهر أخيراً، عند منتصف الليل، كانوا مبتهجين. أعلن رئيس الوزراء فيكتور أوربان “لقد فزنا”. “لقد منحنا أنفسنا فرصةً للدفاع عن المجر”.

كان الناخبون قد منحوه انتصاراً ساحقاً، وفترة تاريخية ثالثة في منصبه وأغلبية ساحقة في البرلمان. كان أوربان قد شنّ حملة قوية مناهضة للمهاجرين وندّد بالاتحاد الأوروبيّ ووصفه ب “إمبراطورية”. وأحب معظم الناخبين هذا. وكذلك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. فقد فعل كل ما في وسعه لأكثر من عقد من الزمن لمساعدة أوربان على النجاح، لينشر مفهومه المسبب للشقاق الذي يعبر عن وجهة النظر المناهضة للاتحاد الأوروبي في جميع أنحاء القارّة – وهي عملية رحّبت بها وكالة الأنباء الرسمية  الروسية باعتبارها “أربنة (نسبة إلى أوربان) أوروبا”.

حاولت روسيا لسنوات إضعاف الاتحاد الأوروبيّ وتقسيمه، داعمة للجماعات ابتداءً من الانفصاليين الكتالونيين في أسبانيا إلى جماعة نشطاء بريكزيت البريطانية. كان الكرملين قد قدم القروض لجبهة فرنسا الوطنية واستخدمت قنواتها الدعائية لإثارة الأنباء الكاذبة حول اضطهاد الأقليات الروسية في دول البلطيق. وفقاً لبوليتيكال كابيتال، وهو مركز بحثي مقره بودابست، فإن متصيّدي الإنترنت الروس وروبوتات تويتر ودمى وسائل التواصل الاجتماعي قد وُضعت للعمل، لتعزز القصص المبالغ فيها عن الجرائم التي يرتكبها المهاجرون  و”بيع القصص الموالية للكرملين داخل طرود مجلات فضائح متآمرة”. 

في الجمهورية التشيكية المجاورة، أُعيد انتخاب الرئيس الشعبي الموالي لموسكو، ميلوس زيمان، في فبراير/ شباط بعد أن وقع خصمه المناصر للاتحاد الأوروبي، جيري دراهوس، ضحية لحملة تشهير مدبرة تتهمه بأنه متحرش بالأطفال ومتعاون شيوعي. معظم القصص التي نشأت على حوالي 30 موقعاً تشيكياً إليكترونياً ربطتها وحدة “كرملين ووتش”، وهي وحدة يديرها مركز الأبحاث الأوروبيّ “فاليوز” ومقره براغ، بموسكو، يهدف إلى مساعدة المتعاطفين المؤيدين لبوتين وزرع بذور الشك والخلاف في جميع أنحاء أوروبا، مما يجعل من الصعب على بروكسل معاقبة العدوان الروسي بشكل جماعي في أماكن مثل أوكرانيا.

لقد حاول الكرملين بالتأكيد مساعدة العديد من الأحزاب القومية والسياسيين في أوروبا. لكن دعمه لأوربان لم يسبق له مثيل في حجمه ونطاقه. ولم يتضمن هذا الدعم الدعاية فقط، بل صفقات الغاز المحببة أيضاً، وقروض بمليارات الدولارات، والاستثمارات الإستراتيجية، والدعم السري لجماعات الكراهية اليمينيّة المتطرفة العنيفة. كانت المكافأة ضخمة – على الأقل بالنسبة للكرملين. أصبح أوربان صوتاً مؤيداً لبوتين في أوروبا، حتى عند عزوف بقية دول الاتحاد الأوروبي عن موسكو في أعقاب ضمها لشبه جزيرة القرم ودعمها للمتمردين في شرق أوكرانيا.

عارض الزعيم المجري فرض عقوبات على روسيا ورحب بشكل منتظم ببوتين في بودابست، في الوقت الذي كان زعماء الاتحاد الأوروبي الآخرون يحاولون إدانته. وأسس نخبة من الرفقاء الرأسماليين المقربين من رجال الأعمال الأغنياء على الطريقة الروسية، استخدمت رجال أعمال مخلصين للاستيلاء على وسائل الإعلام الإخبارية المعارضة، وإصدار تشريع للحدّ من عمل المنظمات غير الحكومية ومجموعات المجتمع المدني. الأكثر أهمية بالنسبة  للكرملين، هو أن المجر أصبحت قلب التمرد المتنامي ضد القيم والمبادئ والقواعد الديمقراطية الليبرالية في الاتحاد الأوروبي.

يقول الخبير الاقتصادي السياسي ويل هاتون من كلية هارتفورد، جامعة أكسفورد: “إن التزايد العالمي للقومية المحافظة … هو آفة هذا العصر”. “أوروبا تعيد تعريف نفسها بأكثر المشاعر السلبية سواداً”.

وبالتأكيد لم تخلق روسيا رد الفعل الشعبي في أوروبا (أو في أمريكا، في هذا الشأن). لكن الكرملين أكثر من سعيد بالاستفادة منه، وتجدي الإستراتيجية نفعاً في المجر بلد أوربان على الأقل.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان

المجريّ المرتد

لم يكن أوربان دائماً صديقاً لموسكو؛ لقد بدأ حياته المهنية معارضاً ليبرالياً مناهضاً لروسيا، ومناهضاً للشيوعية. في العام 1988، كتب إلى الممول الأمريكي المجري جورج سوروس – الذي سيصبح فيما بعد ألد أعداء أوربان – لطلب المساعدة في الحصول على منحة دراسية في جامعة أكسفورد. 

كتب أوربان الشابّ في الرسالة، الأمر الذي كشفت عنه وسائل الإعلام المجرية مؤخراً، أنه يريد دراسة “نهضة المجتمع المدني”. حصل على المنحة وعند عودته إلى المجر بعد سقوط الشيوعية، ساعد في بناء فيديز، وهو حزب سياسي موجه للطلاب، مؤيد للسوق الحرة. اعتقد أوربان مثله مثل العديد من الشباب الليبراليين في أوروبا الشرقية في ذلك العصر، أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو سيساعد المجر على التغلب على ركودها الاقتصادي – ويحررها من نفوذ موسكو.

في العام 2004، تحقق حلم أوربان عندما قُبلت المجر ودول أخرى من أوروبا الوسطى في الاتحاد الأوروبي. يقول الناشر تاماس فاركاس الذي يتخذ من بودابست مقراً له، وهو من المؤيدين الأوائل لفيديز الذين شعروا بخيبة الأمل: “كنا نعتقد أنه بمجرد انضمامنا إلى أوروبا، فإن ذلك سيكون نهايةً لكل مشاكلنا”. “اعتاد كثير من الناس، وخاصةً الجيل الأكبر سناً ومن في الريف، ان تهتم الحكومة بجميع مشاكلنا. ظنّوا أن بإمكاننا أن نستريح وسوف تجعلنا بروكسل أغنياء دون أن نفعل أي شيء”.

وبدلاً من ذلك، بشّرت الحدود المفتوحة والتجارة الحرة بهجرة الأشخاص المفكرين المجريين الذين يبحثون عن حياة أفضل في الخارج بينما كان الاقتصاد راكداً. بحلول العام 2016، كان ما يقرب من 4 % من الناتج المحلي الإجمالي للبلد يتألف من مساعدات من الاتحاد الأوروبي في شكل إعانات ومنح تهدف إلى تنمية أفقر أعضاء القارة، وتعدّ المجر اليوم من بين أكبر المستفيدين استفادةً كاملةً من أموال الاتحاد الأوروبي، حيث حصلت على 4.5 مليار يورو (5.5 مليار دولار) بينما أسهمت بأقل من مليار يورو (1.23 مليار دولار) في الميزانية السنوية للاتحاد الأوروبي.

وفي الوقت نفسه، أصبحت المجر أيضاً واحدة من أكثر الدول فساداً في الاتحاد الأوروبي؛ حيث تأتي في المرتبة الثانية بعد بلغاريا فقط في الكسب غير المشروع والسرقة الرسمية، وفقاً لما ورد عن منظمة ترانسبيرنسي إنترناشيونال، وهي منظمة غير حكومية لمكافحة الفساد. 

يقول فاركاس: “أصبح الناس غاضبين عندما أدركوا أن الاتحاد الأوروبي ليس مجرد رحلة مجانية”. “بدأوا بالتصويت للسياسيين الذين قالوا لهم إن جميع مشاكلهم كانت بسبب جهات خارجية، وليست بسببهم”.

في الآونة الأخيرة في أكتوبر 2008، في أعقاب غزو روسيا لجورجيا، كان أوربان، زعيم المعارضة في البلاد آنذاك، يقاوم العدوان الروسي. وقال للصحفيين: “ما حدث [في جورجيا] شيء لم نشهده منذ نهاية الحرب الباردة.” “إن سياسة استخدام القوة الفظّة هذه، التي تظهرها روسيا الآن، لم تكن معروفة ل 20 عاماً في أوروبا”. أبلغ إبريل فولي، ثم السفير الأمريكي في بودابست، واشنطن بأن أوربان كان ملتزماً بالعلاقات عبر المحيط الأطلسيّ وبأنه اعتقد أن التهديد الأكبر للمجر كان “بقاء وعودة روسيا واليسار المتطرف”، وفقاً لما ورد في برقيات وزارة الخارجية التي نشرتها ويكيليكس. وكتب فولي: “قد لا يكون أوربان ملاكاً، لكنه يساند الملائكة في هذه القضايا”.

ومع ذلك وجد أوربان في وقتٍ لاحق، في الفترة التي سبقت الانتخابات في العام 2010، أن الخطاب الشعبيّ، الكاره للأجانب يلاقي نجاحاً كبيراً مع الناخبين. وفي الوقت نفسه، أقنعه جيورجي ماتولكسي، المستشار الاقتصادي الذي خدمه منذ فترة طويلة، وهو الآن محافظ البنك المركزي المجري، بأن نظرته الليبرالية إلى العالم قد عفا عليها الزمن. 

ووفقاً لمشروع تحقيق كبير قام به مجموعة الصحافيين المجريين المستقلين ديركت 36، تمكّن ماتولسي من إقناع أوربان بأن الشرق الناشئ سيصبح قريباً ليس فقط أهم لاعب اقتصادي في الغرب ولكن أيضاً نموذجه السياسي المهيمن. سافر أوربان في نوفمبر 2009، إلى سانت بطرسبرغ لرؤية بوتين. وفي الشهر التالي، ذهب إلى بكين للقاء شي جين بينغ، رئيس الصين الآن.

أوربان ويونكر (رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي)

يبدو أن أوربان أعجب بكلا الرئيسين. سرعان ما استشهد بروسيا والصين باعتبارهما مثاليْن يُحتذى بهما، وأعلن  بحماسة التحول، أن هدفه هو بناء “دولة غير ليبرالية تقوم على أسس وطنية” في المجر. يقول فلاديمير تسمانانو، أستاذ السياسة في جامعة ميريلاند، يشبه أوربان “بينيتو موسوليني، الصحفي الاشتراكي السابق الذي تحوّل إلى الدكتاتور الفاشي”. “إنه يعرف التقليد الليبرالي والقيمة التي يوليها للتعددية. إنه يأتي من المجتمع المدني ويفعل كل شيء لإبادته. إنه شخص مرتدّ يحاول إقناع نفسه بأن الخروج عن ماضيه هو الاختيار الصحيح”. في أبريل/ نيسان 2010، بعد حملة قامت على أساس برنامجه القومي الجديد، اُنتخب أوربان رئيساً للوزراء.

من الواضح أن بوتين لم يكن أقل إعجاباً بأوربان ـ أو على الأقل بالاحتمالات التخريبية لحماسه المفاجئ للقيم القومية. كان السؤال هو: كيف يمكن أن تساعد روسيا في نشر رسالته التحريضية؟

مليارات في أرباح ضائعة

سرعان ما أصبح الجواب واضحاً. عاد أوربان، رئيس الوزراء الحالي، إلى روسيا في نوفمبر/ تشرين الثاني من ذلك العام لعقد اجتماع مع بوتين. ناقشوا هناك مشكلة شائكة لا يمكن أن يحلها إلا الزعيم الروسي فقط. في العام 2009، اشترت شركة سورجوتنفتغاس، عملاق الطاقة التي تمتلكها الدولة الروسية 21.2 % من شركة مول، أكبر شركة نفط في المجر. 

منعت الحكومة التي سبقت حكومة أوربان الروس من ممارسة حقوق المساهمين، مما أغضب نائب رئيس الوزراء الروسي إيغور سيشين. 

ووفقاً لما ورد عن برقيات ويكيليكس، أبلغت السفارة الأمريكية واشنطن بأن سيشين هدّد الرئيس التنفيذي لشركة “مول” بأنه “لا يقاتل شركة سورجوتنفتغاس فقط، بل يقاتل الدولة الروسية التي لديها أدوات لا تملكها الشركات”.

كان آخر ما يريده أوربان الجديد هو المواجهة مع موسكو. واقترح بدلاً من ذلك، أن تشتري المجر حصة شركة سورجوتنفتغاس في شركة مول. ولن يساعد هذا أوربان على تأكيد سيطرته على الشركة فقط، بل سيساعده على المستوى المحلي أيضاً. وكان ساندور كساني واحداً من أغنى رجال المجر، وهو رئيس أكبر بنك في البلاد ونائب رئيس شركة مول. سيساعد شراء الدولة للشركة أوربان على الحد من نفوذ كساني – وتمهيد الطريق لأوربان للسيطرة على سوق الطاقة في البلاد.

ولكن لكي يحدث ذلك، كان على سيتشين، حارس صناعة النفط في روسيا، التخلي عن الحصة. كان الاختيار، من وجهة نظر بوتين، بين الأرباح والاعتبارات السياسية. وفاز الاختيار الأخير. بحلول إبريل 2011، كانت حصة موسكو في شركة مول في أيدي الدولة المجرية.

تضمّنت الخدمة التالية التي احتاجها أوربان من بوتين “ميت”، شركة تجارة الغاز في البلاد. وقد أسّستها في الأصل شركة مول، ولكن بحلول الوقت الذي وصل فيه أوربان إلى السلطة، كان هيكل ملكيتها غامضاً. كانت ميت تعقد الصفقات لاستيراد الغاز من كلّ من الموردين الغربيين وشركة الغاز الروسية العملاقة غازبروم. في العام 2011، كان الغاز الذي يورده الغرب أرخص من شرائه من روسيا، مما سمح للوسطاء في ميت بتحقيق أرباح أكبر بكثير إذا سمح لهم بالتخلي عن عقود طويلة الأمد مع شركة غازبروم.  

ووفقاً لدراسة أجراها كورابشن ريسيرتش سنتر (مركز أبحاث الفساد) في بودابست، سمحت سلسلة من القرارات التي اتخذتها الحكومة التي يسيطر عليها أوربان لشركة ميت بزيادة إمداداتها من الغرب وحصدت مليارات الدولارات. والأهم من ذلك، أنها سمحت بانخفاض أسعار الخدمات للمستهلكين، مما زاد من انجذاب الناخبين لأوربان.

من يدعم من؟ أوربان كان قد طلب من سوروس، الملياردير الأميركي من أصل مجري دعماً مالياً لإكمال دراسته في الخارج.

دفعت غازبروم السعر عن طيب خاطر. كانت لدى الشركة الروسية ما يسمى باتفاقية الاستلام أو الدفع مع ميت، والتي تُلزم من الناحية النظرية المجريين بدفع ثمن الغاز الذي تعاقدوا عليه للشراء كاملاً، سواء استخدموه أم لا. وعلى الرغم من أن شركة غازبروم اشتكت بشدة عندما خالفت شركة الطاقة الألمانية إي.أون اتفاقها، فإنها بقيت صامتة على انحراف المجر. هذا القرار كلّف ويكلف روسيا المليارات كأرباح ضائعة. لكن مرة أخرى، كان العائد سياسياً؛ حيث كانت أسعار الطاقة الرخيصة عاملاً رئيساً في فوز أوربان الثاني في انتخابات العام 2014.

في الوقت نفسه تقريبا، قرّرت روسيا مساعدة أوربان سياسياً في الطاقة النووية. خططت الحكومة المجرية لبناء مفاعلين جديدين للعمل إلى جانب محطة للطاقة من الحقبة الشيوعية بالقرب من مدينة باكس المجرية. وزارت وفود من شركة الطاقة النووية الأمريكية وستنغهاوس وشركة الطاقة الفرنسية أريفا ومتعاقدين من اليابان وكوريا الجنوبية باكس بهدف تقديم عرض. لكن في أغسطس/ آب 2013، التقى أوربان على انفراد برئيس شركة روساتوم الروسية، وهي شركة طاقة نووية مملوكة للدولة. على الرغم من أن نتائج الاجتماع لم تكن علنية إلا عندما أعلنها بوتين وأوربان في موسكو في يناير/ كانون الثاني 2014، وافق رئيس الوزراء المجري على منح مشروع توسعة باكس إلى روساتوم دون مناقصة عامة. عامل رئيسي في القرار: عرضت الحكومة الروسية إقراض أوربان 10 مليارات يورو (12.3 مليار دولار) – وهو أكبر استثمار في المجر على الإطلاق منذ سنوات.

قواعد اللعبة التي يمارسها بوتين

في الوقت الذي كانت تُجرى فيه المفاوضات السرية حول مفاعل باكس، توافدت موجة من المهاجرين لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية إلى حدود أوروبا. أثارت هذه الأزمة الجدل والبحث العميق عن الذات بين أبرز قادة القارّة. قال ستيف بانون، كبير إستراتيجيّ الرئيس الأميركي دونالد ترمب السابق، للجمهور في واشنطن في مارس/ آذار: “السياسة الجديدة ليست يساراً مقابل يمين”. “إنها عولمة مقابل قومية”. في عام 2013، ظهر أوربان باعتباره أقوى أصوات أوروبا المناهضة للعولمة، الصوت الذي كان يستمتع بالسخرية من نخبة بروكسل، لبهجة الكرملين.

أخبر في حديثه في عطلة رسمية بمناسبة ذكرى ثورة المجر ضد إمبراطورية هابسبورغ عام 1848، حشداً ضخماً من المعجبين أن الإمبراطورية المسيحية والمجر كانتا تشنان “صراعاً حضارياً” ضد موجة من الهجرة الجماعية، التي نظمتها شبكة من مثيري المشاكل و”الجمعيات غير الحكومية التي يدفع لها المضاربون الدوليون”. وخصّ بالذكر ضمن المجموعة الأخيرة راعيه السابق سوروس -الذي موّل العديد من جماعات المجتمع المدني وجامعة في بودابست- في سياق اقترب بشكل خطير إلى معاداة السامية.

يقول آدم ليبور مراسل أجنبي محنك ومقيم في بودابست: “يرى الكثير مثل هذه التكتيكات عنصرية فظّة وكريهة أو حتى هامشية، وتثير ذكريات غير سارة من الثلاثينيات”. “لكنها نجحت … لأنها ركزت على الأفكار التي تتحدى المحرمات الليبرالية الغربية: السيادة والحدود الفعّالة وأهمية التاريخ والثقافة المشتركة والإحساس بالوحدة الوطنية”.

كان الليبراليون والصحفيون المجريون يقاتلون في حرب خاسرة ضد رسالة أوربان الشعبية عن الاستثنائية الوطنية التي لا شك فيها. ودوّنت الصحفية المستقلة كاتا كاراث مؤخراً: “تجعلني رؤية أوربان المتعصبة أشعر بالخجل لكوني مجرية”. “إن أكثر ما أكرهه هو الطريقة التي تحاول بها الحكومة المجرية تحديد ما يجب أن تكون عليه لتكون مجرياً حقيقياً …أبيض، وذا ميول جنسية طبيعية ومسيحياً أو على الاقل غير مسلم”. 

ومع ذلك، فقد أثبتت هجمات أوربان الشرسة على اللاجئين والمهاجرين بأنها رسالة ناجحة ليس فقط في الوطن ولكن في جميع أنحاء وسط أوروبا. وقد ردّد كل من المستشار النمساوي سيباستيان كورتز ووزير الداخلية الألماني هورست سيهوفر رسالته المتشددة حول الهجرة –ورحبوا به علانيةً باعتباره ضيف شرف. يقول بالاز هيدفيغي، المتحدث باسم فيديز: “سيتوصل المزيد والمزيد من الزعماء السياسيين في أوروبا إلى النتيجة نفسها”. “فيكتور أوربان محقّ”.

لعبة القوة: ساندور كساني هو أحد أغنى رجال المجر، ورئيس أكبر بنك في البلاد ونائب رئيس شركة مول، أكبر شركة نفط مجرية. سيساعد شراء الحكومة لشركة مول، أوربان على الحد من نفوذ كساني، وتمهيد الطريق لأوربان للسيطرة على سوق الطاقة في البلاد.

واتبع أوربان أيضاً بعضاً من قواعد اللعبة التي يمارسها بوتين، وهي: تعبئة المؤسسات المستقلة سابقاً بمؤيديه وإنشاء شبكة من الرفقاء المقربين المرتبطين به عن طريق الرشوة. اعتاد أن تجلب له غالبيته في البرلمان الفروع المستقلة سابقاً في الدولة والمجتمع المجري، بما في ذلك مكاتب النيابة العامّة، ومدققي الحسابات الحكوميين ووسائل الإعلام، تحت سيطرة فيديز. كان الاتحاد الأوروبي غاضباً. قال غي فير هوفشتات، كبير مفاوضي بريكزيت في البرلمان الأوروبي في شهر مارس/ آذار: “لقد انضممت إلى الاتحاد وقيمه. وانتهكت كل قيمة منهم”. “أنت تريد الاحتفاظ بالأموال التي تحصل عليها من الاتحاد الأوروبيّ، لكنك لا تريد قيمنا”.

في هذه الأثناء، اتهم سوروس تلميذه السابق بتحويل المجر إلى “دولة مافيا” على غرار دولة بوتين. كما كشف الاتحاد الأوروبي عن أدلة كثيرة على أن أموال الدولة وُجّهت لإثراء أصدقاء وعائلة أوربان. هذا العام، وجد مراقب مكافحة الاحتيال في الاتحاد الأوروبي “تجاوزات خطيرة” و “تضارب مصالح” في منح عقود لزيادة إنارة الشوارع في المدن والبلدان بقيمة تزيد على 40 مليون يورو (49 مليون دولار)، والتي ذهبت إلى الشركات المملوكة أو التي يسيطر عليها صهر أوربان، استيفان تيبوركس. لورنك ميزاروس، عمدة قرية أوربان الأصلية، وصديق مدرسة قديم لرئيس الوزراء، هو سباك غاز يعمل بيديه يمتلك الآن دور نشر، وفنادق، وشركة هندسة نووية وبنكاً. أصبح أحد أغنى رجال المجر خلال الفترة التي تولى فيها زميله في المدرسة المنصب. ونفى كل من تيبوركس وميزاروس ارتكاب أية مخالفات.

لكن كما قال وزير الخارجية المجري السابق بيتر بالاز لقناة  سي إن إن في أبريل/ نيسان: ” يتبع أوربان…النموذج الروسيّ. لقد اتخذ منعطفاً حاداً جداً نحو الديكتاتورية الشرقية”.

صورة لإحدى منشآت مجموعة الطاقة المجرية مول في الدانوب

صديق جيد موثوق به

لكن بدأت صداقة أوربان مع الكرملين تؤتي ثمارها بالفعل في مارس/ آذار 2014. وذلك عندما اجتاحت القوات الروسية في زي رسمي غير مميز، شبه جزيرة القرم. حوّل هذا التحرك بوتين، بالنسبة لمعظم القادة الأوروبيين، من جار مشاغب إلى منبوذ. وعُزز ذلك الوضع في يوليو/ تموز عام 2014 عندما أُسقطت طائرة بوينغ تابعة لشركة الخطوط الجوية الماليزية فوق شرق أوكرانيا على أيدي المتمردين الذين يستخدمون نظام صواريخ بوك التابع للجيش الروسي. وفرض كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عدة موجات متزايدة من العقوبات الصارمة، والتي استبعدت معظم الشركات الروسية من زيادة الائتمان الدولي، ومنعت رجال حاشية بوتين الرئيسيين من الاحتفاظ بأصول في الغرب.

تطلب موقف الاتحاد الأوروبي التصويت بالإجماع من جميع الأعضاء، كان أوربان، إضافة إلى اليونان وقبرص، حليفتيّ روسيا التقليديتين، متشككين بشأن فرض العقوبات. أدّت الجهود الدبلوماسية الكبيرة التي قادتها المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، إلى توافق موقف الدولتين مع بقية الأعضاء. يقول أحد الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي وهو على دراية بالمفاوضات لكن غير مصرح له بالتحدث رسمياً: “عليك في بعض الأحيان أن تذكر الشعوب التي تدفع فواتيرها الدموية”. “كانت ميركل عازمة جداً على تشكيل جبهة أوروبية موحّدة ضد العدوان الروسي”.

أشار أوربان إلى دعمه الضمني لبوتين من خلال استضافته له في بودابست ما لا يقل عن ثلاث مرات بعد العام 2014. وزار بوتين البلاد لأتفه الأسباب -على سبيل المثال، في أغسطس/ آب 2016 لحضور بطولة العالم للجودو، حيث جلس الزعيمان يمزحان ويضحكان وهما يشاهدان المباريات. وقد أُبقي المتظاهرون بعيداً عن موكب الرئيس الروسيّ، على الرغم من حصولهم على تصاريح للمظاهرات.

كان أوربان يشير دائماً  إلى تشككه بشأن العقوبات، بالإضافة إلى انتقاده محاولات الاتحاد الأوروبي للإدانة الجماعية للكرملين. وقال أوربان في مؤتمر صحفي مشترك في بودابست في فبراير/ شباط عام 2017: “لقد أظهر الجزء الغربي من [أوروبا] موقفاً وسياسات مناهضة بشدة لروسيا”. “لقد ولّى عهد تعدد الأطراف”.

وصف بوتين، رداً على ذلك، المجر بأنها “شريك مهم وموثوق به” بالنسبة لروسيا. ورُحب بزيارته لوسط أوروبا في وقت كان فيه وصف بروكسل لروسيا بالدولة المارقة يعد من الفوائد الدبلوماسية الكبيرة. وقال وزير الخارجية المجري السابق جيزا جيزينزكي لصحيفة فاينانشال تايمز في وقت زيارة بوتين عام 2017: “يريد بوتين أن يُري حلف الناتو والاتحاد الأوروبي أن لديه صديقاً جيداً وموثوقاً به”. “حصان طروادة داخل الحلف”.

مع ذلك، لا يزال هناك أمر واحد يثني أوربان عن ثورة شاملة ضد بروكسل بشأن العقوبات. قد يكون معظم الناخبين المجريين متعاطفين مع نظرة بوتين المحافظة إلى العالم. لكن لا يزال الكثيرون، خاصةً بين الجيل الأكبر سناً الذين هم ناخبو أوربان الأساسيين، يرون روسيا قوةً مستعمرة قمعت الحكومة المجرية المنتخبة ديمقراطياً عام 1956. لذلك عندما طردت 23 دولة في مارس/ آذار أكثر من 160 دبلوماسياً روسياً في أعقاب محاولة قتل ضابط المخابرات العسكرية الروسية سيرغي سكريبال في سالزبوري، إنجلترا، طردت المجر دبلوماسياً واحداً أيضاً.

يحين موعد تجديد العقوبات التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا كل ستة أشهر، وحتى الآن، امتثل أوربان على الرغم من كل خطاباته المناهضة للاتحاد الأوروبي، لموقف بروكسل في كل تصويت منذ 2014. يقول المتحدث باسم الحكومة المجرية زولتان كوفاكس مصرّاً:  “لا يوجد عنصر واحد في قراراتنا أو سياساتنا  يمكن أن يوحي بأننا  أقرب إلى روسيا أو السيد بوتين من أي دولة غربية أخرى”.

الهجرة الكبرى: توافدت موجة من المهاجرين لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية إلى حدود أوروبا. وأثبتت هجمات أوربان الشرسة على اللاجئين والمهاجرين بأنها رسالة ناجحة ليس فقط في الوطن ولكن في جميع أنحاء وسط أوروبا.

قد يأمل بوتين في الحصول على المزيد من الدعم من أوربان. ولكن كما يظهر رهان الكرملين الذي استمر لعقود، فإن روسيا مستعدة للعب مباراة طويلة. فقد بدأت استثماراتها تؤتي ثمارها بالفعل. ويظهر فوز أوربان الساحق في أبريل/ نيسان أن القومية المحافظة راسخة الجذور في المجر وأنها تنتشر،  كما يتضح من النمو المطرد للأحزاب الشعبية التي تتراوح بين حزب “ألتيرنتيف” (البديل) في ألمانيا وحزب الشعب الدنماركي.

ووفقاً للعالمة السياسية المجرية أغوستون ماريز فإن ما تخشاه النخبة الأوروبية حقاً  هو أن يكون لرؤية أوربان  صدى أكبر بكثير بين الناخبين من أي بديل يمكن أن تقدمه بروكسل. وحذّر رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك العام الماضي في خطاب صارخ موجه إلى جميع رؤساء الدول الأوروبية: “أصبحت الأنانية القومية بديلاً جذاباً للاندماج”. “في عالم مليء بالتوتر والمواجهة، ما نحتاجه هو … التضامن السياسي بين الأوروبيين. بدون [ذلك]، لن ننجو “.

لا يمكن لروسيا مع اقتصاد أضعفته العقوبات وأصبح أقل من اقتصاد أسبانيا، تحدي الاتحاد الأوروبي اقتصادياً.  أما عسكرياً، فعلى الرغم من حديث بوتين الأخير عن أجيال جديدة من الأسلحة النووية وزيادة هائلة في الإنفاق العسكري للكرملين، لا يزال الدعم الأمريكي لحلف الناتو يضمن تفوقاً هائلاً للتحالف على موسكو. لكن عندما يتعلق الأمر بالدعاية، فقد أثبت بوتين تمكنه؛ إذ يبدو أنه يعرف أنه إن كان الاتحاد الأوروبي سينهار يوماً فمن المرجح جداً أن يحدث ذلك من داخله.  

Facebook Comments

Leave a Reply