ترمب وإيران-كونترا وإساءة استعمال السلطة

مالكولم بيرن

نيوزويك

شخصٌ شهيرٌ يصبح مرشحاً جمهورياً للرئاسة ويفوز على الطبقة العاملة البيضاء من خلال وعوده باستعادة العظمة الأمريكية، ليصبح متورطاً بعد ذلك في فضيحة تنطوي على تعاملات مشبوهة مع نظامٍ معادي. ومع تدخل الصحافة، بدا البيت الأبيض مُرتبكاً، وقامت وزارة العدل بتعيين مستشاراً مستقلاً للتحقيق مع الرئيس، وبعض الأعضاء محل الثقة في مجلس الأمن القومي لديه وفريق حملته الرئاسية.

هل اتّجه تفكيرك إلى دونالد ترمب؟ حسناً. إنه هو بالفعل. ولكن الأمر نفسه ينطبق على رونالد ريغان. فقبل ثلاثة عقود، تورط رئيس آخر في تحقيق كبير، وهو ما عُرف باسم قضية إيران – كونترا. حيث برزت الفضيحة التالية: مُخططٌ غريب يتضمن بيع الولايات المتحدة أسلحة إلى طهران- وهي دولة راعية للإرهاب، وفقاً لواشنطن- واستخدام العائدات في تمويل متمردي كونترا في نيكاراغوا بشكل سريّ (وغير شرعي).

ومع ظهور الادعاءات بأن حملة ترمب تواطأت مع المخابرات الروسية خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2016، شبَّه الكثيرين هذا الأمر بفضيحة ووترجيت، وهي فضيحة سياسية سيئة السمعة في التاريخ الأمريكي الحديث، حيث يظهر التوازي بينهما بشكلٍ واضح. فكلاهما ينطوي على محاولات لسرقة المعلومات من اللجنة الوطنية الديمقراطية، تتبعها عمليات تستر مزعومة وجهود كبيرة تستهدف عرقلة التحقيق. ويُثير الكثيرين حالياً شبح فضيحة ووترجيت ليس فقط لقياس الطبيعة الدنيئة لأفعال ترمب المزعومة، ولكن أيضاً لاستخدامها كمؤشر للتنبؤ: فقد استقال نيكسون تحت التهديد بالإقالة، ويبدو أن التناظر يشير ضمناً، إلى أن ترمب يُمكن أيضاً إقصائه عن منصبه على هذا النحو.

ولكن، حتى لو كشف المحققون أو الصحافيون عن أدلة تثبت حدوث المخالفات، فإن سقوط الرئيس هو أبعد ما يكون عن كونه حتمياً، وينبغي أن تكون قضية إيران- كونترا بمثابة حكاية تحذيرية لأولئك الذين يتطلّعون إلى إقصاء ترمب من منصبه. فقد استغرق التحقيق الجنائي في هذه القضية أكثر من ست سنوات، إلى جانب تحقيقٍ طويل في الكونجرس ومراجعة مُستقلة وذلك من خلال لجنة رئاسية. وانتهى المحققون إلى اتهام 14 مسؤولاً أمريكياً بارتكاب جرائم (أدت إلى إدانة 11 منهم) وكشفوا عن أدلة تُثبت أن ريغان قد أذن بشكل غير قانوني بصفقات لتبادل الأسلحة مقابل رهائن وأمر موظفيه بدعم حركات “الكونترا” المناوئة للنظام الشيوعي في نيكاراغوا “بكل قوة”، على الرغم من أن الكونجرس يُحظر ذلك. لم يثبت التحقيق قط بأن الرئيس كان على علم بأن الأموال قد تمّ تحويلها من مبيعات الأسلحة الإيرانية إلى المُتمردين، بيد أنه عثر على مجموعة كبيرة من الأدلة التي تثبت ممارسات سوء الإدارة من قبل كبار مسئولي الإدارة الأمريكية، بما في ذلك محاولات كبيرة للتغطية.

قبل ثلاثة عقود، تورط الرئيس الأميركي رونالد ريغان في تحقيق كبير، وهو ما عُرف باسم فضيحة إيران – كونتراز -رويترز

ومع ذلك، فقد نجا معظم هؤلاء المسؤولين الكبار من دون عقوبة رسمية، ويرجع ذلك في الغالب إلى القيود المفروضة على المعلومات السرية أو نتيجة بدء سريان قانون التقادم بحلول الوقت الذي تمكّن فيه المُدَّعون من كشف الأدلة. كما أن العديد من العناصر متوسطة المستوى الذين أُدينت في المحاكم قد انعكس مسارها لأسباب فنية. وقد عانى ريغان ونائبه، جورج. إتش. دبليو. بوش، والذي كان يعرف عن هذه القضية أكثر بكثير مما اعترف به في البداية، من انخفاض مؤقت لشعبيتهم في استطلاعات الرأي. ولكن خلال عامين فقط من اندلاع الفضيحة، انتُخب بوش رئيساً، بينما استمر نجم ريغان بتلقي كل التقدير في سماء المحافظين، للمساعدة في إسقاط ما أسماه إمبراطورية الشر، الاتحاد السوفيتي.

الدرس الأول الذي يُمكن أن نستخلصه من قضية إيران – كونترا هو أن ترمب داخل البيت الأبيض قد يكون في موقف أقوى مما قد يبدو عليه. فالرؤساء (من كلّا الحزبين) يُمكنهم التحكم في تدفق المعلومات، حتى في مواجهة التحقيقات الرسمية. وفي بعض الأحيان تسير الأمور على نحو أفضل، إذ كان موظفو ريغان شديدي الإخلاص، ولم يقم أياً من الموظفين رفيعي المستوي بشق الصف مثلما فعل محامي البيت الأبيض جون دين أثناء فضيحة ووترجيت. إلا أنه في حالة ترمب يبقى من الصعب معرفة ما سيحدث في هذا الصدد، ذلك أن ترمب البيت الأبيض هو بالفعل مصفاة  للتسريبات. ويبدو أنه لا وجود للإخلاص خارج دائرة الرئيس الداخلية جداً. فمدير مكتب التحقيقات الفدرالي المطرود جيمس كومي على وشك الإدلاء بشهادته أمام الكونجرس في 8 يونيو. ترى ماذا سيحدث الآن عندما تبدأ مُذكرات الاستدعاء في الانطلاق؟

والدرس الثاني هو أن المُدّعي الخاصّ روبرت مولر سوف يحتاج إلى أكثر من مجرد مذكرات استدعاء. فخلال قضية إيران – كونترا، كان محققو الكونغرس يميلون إلى تجنب تكتيكات الملاكمة بدون قفاز، وقد أسفوا على ذلك فيما بعد. فحتى مع سلطة الاستدعاء، وعلى الرغم من وعود ريغان بتعاون كامل، فإن المُدّعي المستقل لورانس والش، الذي كان يشغل منصباً مماثلاً للمنصب الحالي لمولر اضطر إلى التعامل مع التأخيرات المحبطة المتزايدة من قبل البيت الأبيض والعديد من الوكالات الفيدرالية، وخاصّة وكالة المخابرات المركزية. حتى أن وزارة العدل قد ألقت العقبات مراراً في طريق والش، والأكثر فظاعة هو قيام مسؤولون على مستوى وزاري مثل وزير الدفاع كاسبار فاينبرجر (الذي كذب تحت القسم)، ورئيس موظفي البيت الأبيض في إدارة دونالد ريغان، وحتى بوش نائب الرئيس بحجب ملاحظات شخصية حاسمة وذات الصلة لسنوات عدّة.

وبينما يمضي المحققون قُدماً في فضيحة ترمب -روسيا، يبدو أن الأمر الأكثر أهمية هو كيفية تحديدهم، وتحديد الصحافة لهذا الأمر. كانت الصياغة الكلاسيكية لفضيحة ووترجيت هي، والفضل فيها للسناتور هوارد بيكر، “ما الذي عرفه الرئيس، ومتى عرفه؟”. وفي قضية إيران – كونترا، كانت تدور حول ما إذا كان ريغان قد علم أو وافق على تحويل عائدات الأسلحة الإيرانية لدعم حركات كونتراس. وكان المُدّعي العامّ، إدوين ميس، هو من وضع هذه المعايير في بداية الفضيحة. وعلى الرغم من ذلك، وقبل أن يقوم ميس بذلك علناً، كان قد قام بالفعل بحصر كل شخص في الإدارة قد يكون بإمكانه أو لديه استعداد للتخلي عن الرئيس. (في وقت لاحق شهد ميس أنه في الأيام التي سبقت اندلاع الفضيحة، كان بمثابة “المستشار القانوني” للرئيس، ليس بصفته الرسمية كأكبر مسؤول عن إنفاذ القانون في البلاد). وبمجرد أن علم أن الرئيس آمناً في هذه الصدد، أصبحت صياغته وسيلة ملائمة لتركيز الأضواء بعيداً عن المناطق الأخرى الأكثر حساسية من الناحية القانونية والسياسية. وبالفعل ابتلع الصحافيون والمحققون الطعم، ونجا ريغان في نهاية المطاف.

في الوقت الراهن, فإن دونالد ترمب قد يكون متورطا في فضيحة ارتباط ادارته بروسيا, التي تعتبرها الولايات المتحدة معادية لها. -رويترز

ولتجنب مثل تلك النتائج في الوضع الحالي، يجب على المحققين أن يتذكّروا أن هذه المعركة طويلة- خاصّة إذا كان الضغط العامّ يتصاعد، وسيضطر الكونغرس الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري لإنشاء لجنة مختارة. وفي هذه الحالة على مولر أن يتوقع عدداً من التعقيدات، فتحقيقات الكونغرس تختلف كثيراً عن التحقيقات الجنائية، وستتضمن إجراءاتٍ مهمة كتعيين شهوداً عامّين، وقد يتم منح بعضهم الحصانة. وقد خسر والش أهمّ ادلة الإدانة لديه بسبب هذا الأمر، وذلك بعد أن حكمت محكمة الاستئناف بأن محاكمات أوليفر نورث ومستشار الأمن القومي السابق جون بويندكستر كانت باطلة لأن الكونغرس كان قد منحهما الحصانة قبل الإدلاء بشهادتيهما. فإذا كان المُشرّعون يميلون إلى أن يفعلوا الشيء نفسه بالنسبة إلى مايكل فلين أو أعضاء سابقين (أو حاليين) في فريق ترمب سيحتاج مولر إلى تحديد شهوده واتخاذ الإقرارات في أسرع وقت ممكن قبل أن يدلوا بشهادتهم علناً.

وكلما طال انتظار التحقيق مع ترمب كلما زاد احتمال فتور الاهتمام العامّ، وقد يتحول الجمهور عن هذا الأمر. والأمر المثير للسخرية فيما يتعلق بالعناوين الأخيرة كافّة هو أنها تصوّر وضع غير عادي على أنه حالة طبيعية. ويمكنهم كذلك منح هذه الإدارة الداهية بيانات وتقارير إخبارية مُعدّة مسبقاً. فقد كان ريغان وبوش ومعاونوهم يتعمّدون بشكلٍ روتينيّ تجاهل الادعاءات والتعامل معها على أنها “أخبار قديمة” ويرفضون تناول مضمونها. وها هو ترمب يستخدم استراتيجيةً مُماثلة، إذ يصف الادعاءات بأنها “وهمية” والصحافة بأنها “عدو الشعب”.

يجب أن يتوقع مولر معركةً وحشية، وقد لا تساعده سمعته المتألقة كثيراً في هذا الشأن. فقد كان والش جمهورياً حتى النخاع وكان يشغل منصب نائب المُدّعي العامّ في أثناء فترة حكم ايزنهاور. وعندما تمّ تعيينه مستشاراً مُستقلاً في أواخر عام 1986، كانت سُمعته طيبة تماماً مثل مولر. ولكن مع توغل والش في التحقيق، وبعد أن بدأ التحقيق يُهدد نائب الرئيس، شن مؤيدو الرئيس هجومٍ قاسٍ ضده. لم يتم تخويف والش، ولكن الضغط العامّ أثر على تحقيق الكونغرس. وقد نجح “جيش أولي/ Ollie’s Army ” من المؤيدين المتحمسين في إخافة أعضاء اللجنة من رد الفعل السياسي الداخلي المُحتمل وساعد ذلك على إقناعهم بتخفيف حدّة طريقتهم.

هل سيكون ترمب قادراً على أن يفعل الشيء نفسه؟ لقد اندهش مساعد البيت الأبيض مؤخراً من أن الرئيس لديه “غطاء من الحماية يبدو خارق تقريباً”. ولكن ريغان – الذي كان غالباً ما يُطلق عليه الرئيس التفلون (حيث كان لا يكترث بالنقد) – كان لديه شيئاً أقوى: كان محبوباً. وكانت جاذبيته الشخصية قوية بالنسبة لأغلبية الناخبين مما أوقف الكثيرين من القادة الديمقراطيين في وقت بدا فيه أن البعض يريدون ووترجيت أخرى. ولكن ترمب محتقراً إلى حد كبير من خصومه، وفي ظل هذا المناخ السياسي الحزبي، يبدو أن ما يحرك العديد منهم هو احتمالية سقوطه. 

كما أن دوافع ترمب المحتملة للتواطؤ مع روسيا تجعله في وضع سيء. فقد كان الجميع ينتقد ريغان بسبب حكمه الذي لا يستند إلى أساسٍ منطقيّ فيما يتعلق بقضية إيران – كونترا وإقدامه على تنفيذ هذا المخطط. ولكن القليل منهم شكك في أن أهدافه كانت وطنية ومضادة للشيوعية وتصب في صالح الإنسانية جمعاء. أما الافتراض العامّ لناقدي الرئيس في القضية الحالية هو: بغض النظر عما كان يهدف إليه فريق ترمب فإن الأمر يتعلق بالسياسة إلى حد كبير- إما الفوز في السباق الرئاسي أو تمهيد الطريق لتخفيف السياسة الأمريكية.

ويُعدّ الكونجرس هو الورقة الرابحة لدى ترمب اليوم. فعندما احتلت قضية إيران – كونترا العناوين الرئيسية، كان الديمقراطيون هم المسيطرون تماماً على كلّا المجلسين. وقد سمح ذلك للمعارضة ببدء تحقيق تليفزيونيّ علنيّ، تسبب في إحراج البيت الأبيض. ولكن الوضع حالياً مختلف، فحزب ترمب هو المسيطر على الكونجرس الآن. وسيعتمد الأمر كثيراً على ما إذا كان الجمهوريون يستطيعون الاحتفاظ بالمجلسين خلال العام المقبل، وعلى ما إذا كان بإمكان ترمب الاحتفاظ بقاعدته. فإذا حدث كلّا الأمرين، سيساعد ذلك على منع جلسات الاستماع العلنيّة أو توجيه الاتهام.

في كلتا الحالتين، فإن أكثر ما يمكن ان يطمح إليه الشعب الأمريكي هو الكشف عن الحقيقة. بعد إيران-كونترا، كتبت لجنتي التحقيق التابعتين للكونغرس، وكذلك فريق والش النتائج التي توصلوا إليها، ولا تزال تلك التقارير من أهمّ الحسابات في تلك القضية. ومما يؤسف له أن تلك التقارير قد سلطت الضوء أيضاً على ما يمكن اعتباره الإرث الرئيسي لقضية إيران – كونترا وهو: ما أسهل قيام قادتنا بإساءة استعمال السلطة – والإفلات بذلك.

—————–

مالكولم بيرن هو مدير الأبحاث في أرشيف الأمن القومي غير الحكومي في جامعة جورج واشنطن ومؤلف كتاب: إيران -كونترا: فضيحة ريغان وقضية إساءة استخدام السلطة بدون رادع.

Facebook Comments

Post a comment