ترمب ووعد كمّون

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

تابع العالم بأسره زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخارجية الأولى حيث حط رحاله في المملكة العربية السعودية ترافقه زوجته ميلانيا وابنته إيفانكا وزوجها ومجموعة لا بأس بها من المستشارين والإعلاميين.

لم يتغير أسلوب ترمب الإستعراضي، ولم تتغير المفردات التي يُكررها دوماً من “رائع رائع…هائل…كبير” إلى “الكثير من الوظائف الوظائف الوظائف”، ولم يُتغيّر موقفه من المسلمين حيث ذكّر الجميع على طاولة القمة العربية الاسلاميّة الاميركيّة أنه يجري “ذبح المسيحيين وقمع النساء” في منطقتنا العربية والشرق الأوسط، ولكأنه لا يموت في هذه المنطقة إلا المسيحيون ولكأن لا يقتلهم إلا المتأسلمين.

لربما تناسى ترمب أن السواد الأعظم من ضحايا الإرهاب في سوريا وليبيا وتونس والعراق واليمن ولبنان، وحتى ضحايا تفجيرات الكويت والمملكة والبحرين هم من المسلمين. وبما أن المسلم المؤمن الحق لا يقتل مُسلماً أو نفساً بغير حق، والأفضل تطبيق العفو عند المقدرة، فنستطيع إستخلاص قول إن الإرهابيين لا يعرفون ما هو الإسلام وأن الدين بريءٌ مما يدّعي البعض بإسمه.

أتى ترمب، وأسمَع العرب ما يريدون سماعه، فقد هاجم إيران، الدولة التي تُسلّح حركات تستضعِف حكوماتها، لكن هل سيقوم بإلغاء الاتّفاق النووي؟ وهل سيُغير رأيه متى ما لوّحت إيران بالفرص الاستثمارية “الهائلة” أمام الشركات الاميركية التي تُشكل لوبيات في واشنطن؟

كذلك ساوى ترمب ما بين حزب الله وداعش حيث أن الإرهاب واحد فلا يوجد إرهاب بدرجة قليلة أو كثيرة، لكنه نسي أن يذكر إرهاب دولة قتلت وهجّرت وسرقت مدنيين عُزَّل في لبنان وسوريا وفلسطين. صحيح لا يوجد تعريف واحد للإرهاب على مستوى العالم، مخافة أن تقع إسرائيل في خانته، لكن لو كان الإرهاب يعني قتل المدنيين وتدمير بيوتهم وتهجيرهم من مناطقهم وقمعهم ومعاملتهم كمواطنين درجة ثانية بإسم الدين، فمن باعتقادكم تنطبق عليه تلك المواصفات منذ ٧٠ عاماً وحتى اليوم، بدءاً من مجازر دير ياسين مروراً بمحمد العودة ووصولاً لهذا الشهر، وأعني بذلك قتل صيادين في غزة ذنبهم الوحيد أنهم أرادوا اصطياد لقمة عيشهم في بحر يتم حصاره منذ ١٠ سنوات.

وترمب جزم بأن الأسد إستعمل الكيماوي ضد شعبه مؤخراً وبالتالي أتاح له قصف القاعدة العسكرية السورية ب ٥٩ صاروخاً، والتي (مجدداً) أكد الترمب انها كانت منطلقاً للهجوم الكيماوي على السوريين الشهر الماضي (ابريل). لكنه نسي أنه حتى اليوم لا توجد أدلة ثابتة في أحدث هجوم استخدمته أميركا ذريعة لضرب سوريا بطريقة استعراضية أيضاً. وحيث أن كلمة “يُعتقد” هي المفتاح الذي استعمله معظم مسؤولو الأمم المتحدة وأوروبا للدلالة على الهجوم الذي لم يتم التأكد من حصوله أو معرفة من يقف خلفه حتى اليوم.

كلنا ضد استهداف المدنيين في سوريا وفي أي مكان. وكلنا بكينا لدى مشاهدتنا معاناة الاطفال في سوريا وبخاصة في الهجوم الاخير الذي تناقلته عدسات الكاميرا، لذلك لا يزاودن احد في هذا الموضوع.

ولا أحد ينكر جرائم النظام في سوريا منذ عهد المؤسس حافظ الاسد بحق شعبه وبحق لبنان، الدولة الشقيقة التي احتلها عسكرياً بذريعة الوجود الردعي الصديق لحفظ الأمن.

لكن ترمب لعب على عواطفنا وأسمَعَنا ما نريد سماعه في خطبة نارية، حماسية، تحمل في طياتها الكثير من العنجهية وكلمات متعصبة يُرددها المُحافظون الجدد (النيو كونزيرفاتيف).

ولعلّ الكلمة الأبرز التي مرّت مرور الكرام كانت إشارته إلى نيته زيارة القدس وبيت لحم بالإسم، قائلاً: “سأزور القدس وبيت لحم… حيث سألتقي برئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو وبالرئيس الفلسطيني محمود عباس”، هكذا قال ترمب.

لكن، ما الدلالة لذكر المكانين بدلاً من قول سأزور إسرائيل (التي يُحبها كثيراً) والضفة الغربية؟

لمن لا يعرف، فبيت لحم تبعد عن القدس ١٠ كيلومترات، وهي تقع في الضفة الغربية تحت نطاق السلطة الفلسطينية.

فهل يعني بذلك أن القدس هي عاصمة إسرائيل وأنه يعتبر بيت لحم عاصمة للدولة الفلسطينية، إن وُجِدَت مستقبلاً؟ سؤال ودلالات لا نستطيع إلا أن نشير إليها عنه في منطقة يجوز فيها كل شيء بعدما مرّ علينا كل شيء مما يمكن ولا يمكن تخيّله.

ما حدث على طاولة قمة القمم في الرياض يُثبِت مرة أخرى أن ترمب رجل استعراض من الطراز الرفيع. فترمب استخدم نفس الاسلوب باستعمال الكلمات الجوفاء والوعود الرنّانة التي ما إنفك يعد بها مناصريه قبيل انتخابه، ومن ثم مرّ أكثر من مئة يوم على توليه منصب اقوى رجل في العالم وهو لم يُحقّق شيئا، لا بل وتراجع عن تحقيق الكثير من الوعود التي أطلقها في الهواء أثناء حملته الانتخابية.

أتى ترمب وحصل على صفقات اقتصادية وعسكرية وغيرها بنحو ٣٥٠$ مليار من منطقتنا العربية. فهل سيقوم ترمب بالتزام كل ما اشار اليه، أم أن قدر منطقتنا أن تتلقى الوعود من الحلفاء ومن ثم تنتظر “عالوعد يا كمّون”.

على شعوب المنطقة التنبه إلى أمرين: هناك من يغدق الوعود الزائفة وهناك من يقف معك ويساعدك. وشتّان ما بين الإثنين.

Facebook Comments

Website Comments

Post a comment