ترمب يهدد، وروسيا ترفض والأسد في طائرة سوخوي!

مصطفى رعد

نيوزويك الشرق الأوسط، وكالات

تدفقت تحذيرات وتهديدات الولايات المتحدة الأميركية منذ مساء الإثنين وحتى يوم أمس الثلاثاء في خطوات وصفها البعض بالتحرك المُنسّق لبناء خلفية مشروعة لاستعمال القوة ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وسط رفضٍ حَذِر من روسيا لنظيرها الأميركي ودعوتها لعدم اللجوء للتصعيد.

وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد أشارت يوم أمس الثلاثاء أن التحذير الذي وجهه البيت الأبيض مساء الاثنين للنظام السوري، سببه تحرك للجيش السوري تمّ رصده في قاعدة الشعيرات الجوية السورية التي سبق وأن قصفها الجيش الأميركي في أبريل/نيسان الماضي إثر هجوم بالأسلحة الكيماوية في الرابع من أبريل في خان شيخون بريف إدلب، والذي أسفر، بحسب وسائل إعلامٍ غربية وناشطين، عن مقتل عشرات المدنيين .

وقال المتحدث باسم البنتاغون الكابتن جيف ديفيس “رصدنا نشاطاً في قاعدة الشعيرات… ما يؤشر إلى استعدادات لاستخدام مُحتمل لأسلحة كيمياوية.”

قالت نائب المتحدث بإسم البيت الأبيض، سارة ساندرز إن الولايات المتحدة تُحذر القوات السورية من استعمال الأسلحة الكيماوية. -رويترز

كلام ديفيس عززه تصريح لنائب المتحدث باسم البيت الأبيض، سارة ساندرز، التي أشارت إلى تضافر جهود وزارة الدفاع ووزارة الخارجية ووكالة المخابرات المركزية سي.آي.إيه. في متابعة المسألة.

وكان الناطق بإسم البيت الأبيض شون سبايسر قد قال يوم الإثنين إن “الولايات المتحدة حدَّدت تجهيزات محتملة لنظام الأسد لشنّ هجوم آخر بالأسلحة الكيماوية سيؤدي على الأرجح إلى قتلٍ جماعي لمدنيين بينهم أطفال أبرياء”.

وأضاف: “إذا نفَّذ السيد الأسد هجوماً آخراً بالأسلحة الكيماوية تسبَّب في قتل جماعي فسوف يدفع هو وجيشه ثمناً فادحاً”.

ويبدو أن الولايات المتحدة تسعى لبناء زخم أكبر بالنسبة للموضوع الذي يُمَهِّدُ، بحسب خُبراء عسكريين، لضربة غربية تستهدف الجيش السوري تحت غطاء استعمال الأسلحة الكيماوية بالرغم من عدم وجود تحقيقات رسمية ولا حتى معلومات مؤكدة عن صحة هجوم خان شيخون الكيماوي.

يُذكر أن تحرك واشنطن دعمه تحرك للسفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، نيكي هيلي، التي قالت إن إدارة الرئيس دونالد ترامب، أصدرت تحذيراً إلى سوريا، مُضيفةً في كلامها إبّان جلسة لمجلس النواب الأميركي، أن التحذير يتعدى الحكومة السورية ليطال روسيا وإيران.

تناقض في الأقوال وتحذير مُضاد

وتأتي تصريحات الثلاثاء مناقضة لما كان قد قاله وزير الدفاع الأمريكي جيم ماتيس مساء الاثنين، قبيل إعلان بيان البيت الأبيض، من أن الولايات المتحدة لن تسمح بزجها رغماً عنها في النزاع السوري بعد إسقاط مقاتلة أمريكية مؤخراً لطائرة سورية.

وكادت الحادثة أن تؤدي لأزمة حقيقية بسبب قيام موسكو بتهديد الطائرات الأميركية وطائرات التحالف  في حال تكرر الحادث، مما حدا بأستراليا لتعليق طلعاتها الجوية ضمن التحالف الذي تقوده أميركا، فيما سحبت واشنطن طائراتها إلى مكانٍ آمن.

ورداً على تهديدات واشنطن واتهامها لسوريا بالتحضير لهجوم بالأسلحة الكيماوية، نفت موسكو وجود أي “معلومات حول أي تهديد بهجوم كيماوي” في سوريا، كما ورفضت “تحميل مسؤولية” هجوم  خان شيخون للجيش السوري بسبب عدم وجود “تحقيق رسمي غير منحاز”.

وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، “نعتبر مثل هذه التحذيرات الموجهة للقيادة السورية الشرعية، مرفوضة”. لكنه أتبع ذلك بقول يُعلِن موقف الروس من عدم وقوفهم ١٠٠ في المئة مع الجيش السوري في حال لجأ الأخير لاستعمال الأسلحة الكيماوية. فقد أكد بيسكوف أنه من “المهم أن نشدد على أننا نعتبر استخدام المواد الكيماوية السامة أمراً مرفوضاً وغير مقبول تماماً”.

علـي أنه عاد ليضيف ان “اتهام الأسد” في حادثة خان شيخون “غير ممكن وغير شرعي وغير عادل” حتى الآن، مشيراً إلى غموض الأسباب والأدلة التي تستند إليها واشنطن في اتهاماتها.

كما وحمّل بيسكوف تنظيم “داعش” الإرهابي، بالإضافة للمجموعات المُتطرّفة، مسؤولية الهجمات الكيماوية السابقة في سوريا.

الأسد يتفقّد حميميم

في المقابل، قالت الوكالة العربية السورية للأنباء “سانا،” إن الرئيس السوري بشار الأسد زار قاعدة حميميم الجوية الروسية للمرة الأولى في غرب سوريا يوم الثلاثاء، وهي القاعدة  العسكرية الروسية نفسها التي تنطلق منها طائرات السوخوس الحربية الروسية التي تدعم قوات الأسد في الحرب الشرسة التي تدور رُحاها منذ ست سنوات بين القوات موالية للنظام وقوات مُعارضة وتدخلات لأطراف غريبة ومنظمات إرهابية مثل “داعش” و”القاعدة”.

وأظهرت الصور، التي نشرتها سانا، الأسد وهو يجلس في قمرة قيادة طائرة حربية روسية من طراز سوخوي سو-35، متفقداً خلال جولته في القاعدة عدداً من حاملات الجنود والطائرات الروسية برفقة القادة العسكريين الروس في القاعدة والجنرال فاليري غيراسيموف رئيس هيئة الأركان الروسية في القاعدة.

الرئيس السوري بشار الأسد يظهر وهو داخل قمرة قيادة طائرة سوخوي سو-25 الروسية – المصدر: سانا

وأشارت سانا إلى أن الرئيس السوري شكر القيادة الروسية قائلاً إن “الشعب السوري لن ينسى وقوف أشقائه الروس إلى جانبه في هذه الحرب الوطنية.. فكل التحية لجميع المقاتلين الروس ولقيادة قاعدة حميميم وللقيادة العسكرية الروسية والتحية الأكبر للرئيس فلاديمير بوتين.”

ما هي قاعدة حميميم الروسية؟

شكّلت قاعدة حميميم محور الجهود العسكرية للعاصمة الروسية موسكو لدعم الأسد منذ أغسطس/ أب ٢٠١٥ حينما بدأت القوات الجوية الروسية بقصف قوات المعارضة التي تهدد سلطة الأسد، وذلك إثر توقيع روسيا اتّفاقاً مع سوريا يمنح الحق للقوات الروسية باستخدام “حميميم” في كل الأوقات ومن دون مقابل ولأجل غير مسمى.

تقع القاعدة الجوية في بلدة حميميم على بعد ٤ كيلومترات من مدينة جبلة، و ١٩ كيلومتراً من محافظة اللاذقية، وقريبة من مطار باسل الأسد الدولي.

واستخدمت روسيا القاعدة لتنفيذ مهام قتالية ضد فصائل المعارضة وقد وفر هذا السلاح الدعم لقوات النظام والمقاتلين المؤيدين له. وفي أغسطس/أب 2016، أعلنت روسيا عزمها توسيع “حميميم” بغرض تحويلها إلى قاعدة جوية عسكرية مجهزة بشكل متكامل.

أعلنت روسيا عزمها توسيع “حميميم” بغرض تحويلها إلى قاعدة جوية عسكرية مجهزة بشكل متكامل- المصدر: سانا

ونقلت الوكالات حينذاك تصريحاً لفرانس كلينتسيفيتش، نائب رئيس لجنة الدفاع في مجلس الاتحاد الروسي تأكيده أن موسكو تهيئ الظروف التي تتيح بقاء الجنود الروس فيها بشكل دائم، مشيراً إلى إمكانية مضاعفة عدد المقاتلات المنتشرة في القاعدة وفقاً للاتفاقيات الثنائية الموقعة بين الجانبين، وحرص على توضيح أن بلاده لن تنشر فيها أسلحة نووية أو مقاتلات ذات قدرات تدميرية عالية.

وشملت عمليات توسعة قاعدة حميميم المدرج الذي أصبح عرضه ١٠٠ متر، وطوله نحو ٤٦٠٠ متر، وذلك لتمكين الطائرات الروسية الضخمة مثل “أنطونوف” التي تحمل الدبابات والمدافع من الهبوط في هذه القاعدة العسكرية الحيوية، إلى جانب الطائرات المتطورة مثل سوخوي ٣٥.

كما وتم الإعلان عن تخصيص ساحات لهبوط وإقلاع طائرات النقل “آن-١٢٤” (روسلان) الثقيلة، وذلك حتى لا تعرقل عمليات شحن وتفريغ هذه الطائرات العملاقة وعمليات صيانتها، الحركة الاعتيادية في المطار، وذلك إلى جانب بناء ثكنات ومطاعم جديدة للعسكريين، ومستشفى ميداني وتجهيز مواقع لنشر منظومات صواريخ “بانتسير” الحديثة.

وقد أحضرت آليات حفر كبيرة من مؤسسة الإسكان العسكرية في دمشق للقيام بعمليات التوسعة بتكلفة أولية قُدرت تكلفتها بـ ٣٠٠ مليون دولار، وذلك تحت إشراف ضباط روس.

٤٣٠٠ عسكري روسي في سوريا

ينتشر نحو ٤٣٠٠ عسكري روسي في سوريا، يعمل أغلبيتهم في “حميميم”، ومن الأسلحة التي خزنتها روسيا في القاعدة هي طائرات سوخوي ٣٤و ٢٤ و٣٠، بالإضافة لمروحيات الهجوم وطائرات التجسس الإلكتروني، إلى جانب طائرات هجومية أخرى.

الأسد خلال جولته في قاعدة حميميم- المصدر: سانا

وذكرت صحيفة إزفيستيا الروسية في أكتوبر/تشرين الأول ٢٠١٦ أن مجموعة من طائرات سوخوي-٢٤ وسوخوي-٣٤ الحربية وصلت إلى قاعدة حميميم في سوريا لتعيد موسكو أعداد هذين النوعين من الطائرات في سوريا إلى مستواها قبل السحب الذي أعلن في مارس/آذار من العام نفسه.

وتعتبر منظومة صواريخ “أس ٤٠٠” من أكثر الأسلحة تطوراً التي حملتها روسيا إلى قاعدة حميميم، وذلك بغرض حماية القاعدة، ثم السيطرة على الجو على طول المدى الذي تصل إليه الصواريخ.

وأعلنت مصادر دبلوماسية روسية أن موسكو لا تخطط لنشر أسلحة نووية في قاعدة حميميم خشية مما قد تثيره هذه الخطوة من انزعاج لدى دول المنطقة.

جولات الأسد

الأسد وعائلته يزورون إحدى عائلات الجرحى في قرية دير شميل في ريف حماة- المصدر: سانا

وكانت وكالة الأنباء رويترز قد نشرت أن الأسد قد قام بجولات في مناطق إلى الشمال والشمال الغربي من دمشق خلال الأيام القليلة الماضية وهي جولات نادرة من نوعها خارج العاصمة، تُرافقه عقيلته وأبناؤه الثلاث، الأمر الذي يعكس ثقة الأسد بنفسه مع تعزيز وضع جيشه في غرب سوريا.

وكان الأسد قد أدى الأسد صلاة العيد يوم الأحد في مدينة حماة في أول مرة يزور فيها المدينة منذ بدء الصراع. وذكرت وسائل إعلام حكومية اليوم الثلاثاء إنه زار أيضاً الجرحى من الجنود في ريف حماة بصحبة زوجته وأبناءه.

العيش في المجهول

ومع دخول سوريا عامها السادس للأزمة، تشير إحصائيات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) إلى أن أكثر من ٥ ملايين سوري كانوا قد فروا عبر الحدود هرباً من الرصاص والقنابل التي دمرت البلاد، ونزحوا إلى بلدان مجاورة مثل لبنان والعراق والأردن، ودول أخرى.

أحد أفراد الدفاع المدني يبحث عن قنبلة عنقودية غير منفجرة أسقطت في بلدة داعل التي يسيطر عليها المتمردون في محافظة درعا. رويترز

تستضيف تركيا بحسب المفوضية، أكثر من ٢،٧ ملايين سوري مسجل يعيشون بغالبيتهم في المناطق الحضرية، وحوالي ٢٦٠،٠٠٠ شخص يقيمون في ٢٣ مخيماً للاجئين المنتشرة في محافظات هاتاي وغازي عنتاب وكيليس وسانليورفا.

بينما يعيش نحو أكثر من مليون ونصف المليون سوري مسجل في أكثر من ١،٧٠٠ مخيم وموقع في لبنان بينما ينتظر أكثر من نصف مليون سوري تسجيلهم رسمياً كلاجئين في هذا البلد الصغير، بينما يعيش في الأردن أكثر من ٦٠٠ ألف رجل وامرأة وطفل ويقيم حوالي ٨٠٪ منهم في المناطق الحضرية، بينما وجد أكثر من ١٠٠ ألف آخرين ملاذاً في مخيمي الزعتري والأزرق.

واستقبل العراق كذلك نحو ٢٥ ألف شخص، بينما توفر المفوضية في مصر المساعدة لأكثر من ١٠٠،٠٠٠ شخص.

ولكن على الرغم من أن الحياة خارج الوطن يمكن أن تكون صعبة، إلا أن إحصائيات المفوضية تشير إلى وجود نحو ٦،٣ مليون نازح داخلياً في المناطق السورية.

Facebook Comments

Post a comment