تسونامي النفايات في لبنان

تحقيق إستقصائي لنيوزويك الشرق الأوسط يكشف معلومات سرّية ووثائق خاصة تُثبت سُمّية المواد المدفونة في مكب برج حمّود، والتي تُهدد بيئة لبنان والبحر الأبيض المتوسط.

مصطفى رعد

نيوزويك الشرق الأوسط

لم يكن اللبنانيون يدركون أنهم سيصلون إلى يومٍ يتحوّل فيه بلد “الجنة على الأرض وريفييرا الشرق” إلى مُصدّر للنفايات من خلال بحره، بعدما شكّل لبنان في العقود الماضية، منارة بيئية وسياحية على الخاصرة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط، وكان قبلة المصطافين العرب والأجانب الباحثين عن الراحة بين ربوع المناظر الطبيعية جبلاً وبحراً، بعيداً عن قسوة الصحاري الموجودة في البلدان العربية المجاورة.

إلا أن لبنان غرق فعلياً في النفايات بعدما قامت الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ بدء “أزمة الزبالة” في 17 تموز 2015، بتلويث جزء من البحر والبر وحتى المياه الجوفية، فيما يتقاسم نافذون الغنائم المالية الناجمة عن المجازر البيئية المُرتكبة.

دمر السياسيون الذين أفرزتهم الحرب الأهلية اللبنانية (1975 – 1990) والذين انتقلوا من وراء المتاريس إلى خلف المناصب الحكومية، بيئة لبنان وجمال تضاريسه وبحره.

القصة بدأت عندما أغلق أهالي منطقة الناعمة جنوب بيروت في 17 تموز 2015 المطمر الذي استقبل نفايات بيروت لأكثر من 17 عاماً، الأمر الذي أدى إلى طمر النفايات ورميها في الطبيعة والأماكن العامّة، على الطرقات وقنوات الأنهار والبحر، والوديان والمناطق الحرجية، بالإضافة إلى حرقها، الأمر الذي أدى إلى اطلاق انبعاثات سامّة في الجو، وتدهور الحالة البيئية للأراضي، وانتشار الروائح المقززة وتلويث التربة والهواء والمياه الجوفية التي تسربت إليها عصارة النفايات. كما وساهم ذلك بتدمير العديد من المحاصيل الزراعية، عدا عن انتشار للحشرات بشكل كبير.

“هيدا مش ثلج”… هذه رغوة سامّة بسبب المجاري والمعامل والنفايات التي تلوّث البحر. الصورة من الحركة البيئية اللبنانية

أما الشواطىء التي لطالما تغنّى اللبنانيون بها، فقد بات العديد منها مرتعاً للقاذورات ومياه المجاري الآسنة مما ساهم في تلويث البحر الأبيض المتوسط، واحداث ضرر اقتصادي كبير.

برج حمود: الأزمة الكبرى

لم يسلم جورج (اسم مستعار) وزملائه من الصيادين في مرفأ الدورة شمال بيروت من البحر الذي صار مقبرة للحياة البحرية بعد البدء مؤخراً في أعمال تكسير جبل النفايات في المنطقة والشهير بإسم “مكب برج حمود،” الملاصق لمرفأ العاصمة البحري منذ أكثر منذ ثلاثة عقود.

الصياد الأربعيني، إبن البحر، والذي قضى عمره في مهنة صيد السمك منذ كان مراهقاً، لم يعد يجد سمكةً واحدةً على قيد الحياة في المحيط البحري لمنطقة الدورة وبرج حمود، بل بات يبحث عنها شمالاً نحو طبرجا أو جنوباً نحو الرملة البيضاء، قاطعاً آلاف الأمتار لكي يُقدّم لعائلته في نهاية اليوم طبقاً من السمك خالٍ من الأمراض.

بدك صحن السمك المشوي مع زبالة أو بلا زبالة؟

لا يجتمع في شباك جورج إلا النفايات على أشكالها وأحجامها في أثناء رحلة صيده اليومية. يقول جورج، في حديث خاص مع نيوزويك الشرق الأوسط، والذي شاهد بأم عينه وزير البيئة طارق الخطيب يدخل إلى مطمر برج حمود ليُطلق بعض المواقف، إن “الوزير لم يتحمل التواجد في محيط المكب لأكثر من 7 دقائق بسبب الروائح المنبعثة من المكب، ومشاهدته للسمك الميت ولأنواع الملوثات الموجودة في المياه، بينما نعيش نحن هنا منذ أكثر من 30 عاماً متحملين جميع هذه الروائح”.

برأيه “أصبحت الثروة السمكية شبه معدومة في منطقة المتن”، ولم تعوض عليهم الدولة بأي شيء، عدا المبلغ الذي قدّمه رئيس تعاونية الصيادين وهو 200 ألف ليرة لبنانية لكل صياد، وهي بالكاد “تكفي ثمن الوقود الذي نضعه يومياً في خزانات مراكبنا”.

ومن هنا بدأت حكاية مكب برج حمود. فقبل أكثر من ثلاثين عاماً زرعت الحرب الأهلية اللبنانية مكباً عشوائياً على ساحل المتن الشمالي في منطقة برج حمود، وأصبح المكب على مرّ السنوات جبلاً كبيراً وصل ارتفاعه إلى 47 متراً وينتشر على مساحة 160 ألف متر مربع، ويحتوي على 3.5 مليون متر مكعب من النفايات المُكدّسة، من دون أن تُعرف طبيعتها. تمّ اشغال المكب خلال سنوات الحرب، وذلك لاستقبال النفايات والردميات من دون فرزها وطُمرت أنواع عدّة منها ومن ثم أُغلق بموجب قرار حكومي في العام 1997.

مكب برج حمود. جبل النفايات ع مدّ عينك والنظر. الصورة من الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية.

يقول رئيس الحركة البيئية اللبنانية، بول أبي راشد في حديث مع نيوزويك الشرق الأوسط إن “مشكلة البيئة البحرية بدأت في أثناء الحرب الأهلية انطلاقاً من مكب النورمندي وبرج حمود، واُستكملت وصولاً إلى صيدا وطرابلس”.

الهدف من وراء ذلك بحسب أبي راشد هو اكتساب أمراء الحرب على اختلاف طوائفهم، فرصة طمر البحر للحصول على مساحات من الأراضي يستطيعون من خلالها أن ينشؤوا مشروعات اقتصادية تدرّ الأموال عليهم.

كلام أبي راشد يؤكده مصدر حكومي (رفض ذكر اسمه) كشف لنيوزويك الشرق الأوسط، إن هناك مُخططاً على كامل الخط الساحلي يقضي بإنشاء عدد من المكبات على البحر لطمره لاحقاً، متذرعاً بأن معظم اللبنانيين لا يريدون الموافقة على تخصيص أراضٍ بالقرب من منازلهم لإنشاء معامل لفرز النفايات، وهذا الأمر يُعزز بالنسبة إليه، فكرة طمر البحر لقاء حوافز تُقدّمها الدولة إلى البلديات، وهي الحصول على مساحات معينة من الأراضي المطمورة في البحر، وذلك لطمس صوت الناس في المطالبة بحقهم في بيئة نظيفة مقابل تجميل المدينة.

خريطة تظهر تقسيم الأراضي بين بلدية برج حمود والجديدة والدولة اللبنانية لإقامة مشروعات افتصادية وسكنية وسياحية. خاص نيوزويك الشرق الأوسط

هذا الأمر تُظهره الخرائط التي أعدها مجلس الانماء والاعمار عن المكبات الموجودة على الخط الساحلي. تظهر إحدى الخرائط التي حصلت عليها نيوزويك الشرق الأوسط، أن بلدية برج حمود ستحصل خلال سنوات على أرض تبلغ مساحتها 97400 متر مربع لإقامة منتزه وحديقة عامّة قرب جبل النفايات الذي سيتحوّل إلى مركز مؤقت للطمر الصحي (بمساحة 126400 متر مربع) وإلى جانب المشروع محطة لمعالجة المياه المبتذلة لمناطق المتن الجنوبي ستقام خلال 4 سنوات (بمساحة 65 ألف متر مربع)، بينما ستحصل بلدية الجديدة، البوشرية والسد في الجهة المقابلة لبرج حمود على مركز مؤقت للطمر الصحي (بمساحة 122700 متر مربع)، إضافة إلى أملاك عامّة (بمساحة 119500 متر مربع) ستستفيد منها بلدية الجديدة، البوشرية والسد لإقامة مشروعات اقتصادية عليها.

وسيصبح عندئذٍ المكب شبيهاً بالمطمر الذي ازالته حكومة واشنطن في الجزء الشمالي من بلدة همبستيد Hempstead في نيويورك.

هذا ما سيصبح عليه مطمر برج حمود، وذلك تشبهاً بمطمر مرفأ واشنطن. خاص نيوزويك الشرق الأوسط

هذا سيتحقق عندما تنتهي المهلة المفروضة لانهاء الاعمال في مطمري برج حمود والجديدة أي خلال 4 سنوات بحسب العقد الموقع ما بين الحكومة والمتعهد، أو عندما تصل قدرة استيعاب المطمرين إلى مليون طن من النفايات. إلا أن عملية حسابية صغيرة عن حجم النفايات التي تدخل يومياً إلى المطمر(1500 طن يومياً) تظهر أن نسبة 40 في المئة قد طُمرت أي ما يعادل طمر أكثر من 330 ألف طن حتى تاريخ 31 أيار 2017 بحسب ما تشير أرقام مجلس الانماء والاعمار، مما يعني أن عمر المطمر قد أصبح قصيراً إلى مدة لا تتجاوز 18 شهراً، مع غياب أي خطة حقيقية مستدامة لمعالجة النفايات.

ولذلك سيضع المعنيون الحجر الأساس لتنفيذ مشروع “لينور” الذي أقرته حكومة الراحل رفيق الحريري في 17 آب 1997 ولم يتم تنفيذه بعد، والمصطلح عليه مشروع تطوير قسم من الساحل الشمالي لمدينة بيروت، والذي يقضي بإزالة مكب برج حمود واستصلاح مساحة 2.4 مليون متر مربع من الأراضي لإقامة: محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي، وإعادة تنظيم أنابيب النفط البحرية، وانشاء مارينا ومرفأ صيد صغير. بالإضافة لإنشاء مُجمّعات سكنية وتجارية وسياحية على مساحة 1.3 مليون متر مربع من الأراضي المستصلحة، وإعادة تأهيل طريق المتن الشمالي البحري العامّ الممتد من منطقة انطلياس إلى مرفأ بيروت.

ذهب أسود في برج حمود!

لم يقتصر التلوث الحاصل على رمي النفايات في البحر، لا بل تعداها إلى وجود ترسبات نفطية في بحر برج حمود والجديدة.

نيوزويك الشرق الأوسط حصلت على صور خاصّة من مصادر حكومية، تظهر وجود تسربات نفطية في بحر برج حمود والجديدة، وذلك في أثناء قيام المتعهد بحفر أراضي كلّا المطمرين للبدء بأعمال الطمر الجديدة.

This slideshow requires JavaScript.

الأمر لم يتوقف عند ذلك، فقد أكدت دراسة الأثر البيئي التي حصلت عليها نيوزويك الشرق الأوسط والتي أعدها الاستشاري Liban Consult AGM، أن العينات التي تمّ أخذها من تربة الشاطئ، ومن المياه المبتذلة في البحر في أكتوبر 2016 كانت “تحمل ترسبات نفطية تعود إلى شركات النفط التي ترمي المواد النفطية بعد غسيل خزانتها في البحر مباشرة”، إضافة إلى قنوات الصرف الصحي الآتية من منطقة برج حمود والجديدة والتي تحمل مخلفات الصرف الصحي المنزلي وترسبات نفطية من محطات تعبئة الوقود التي تصب مباشرة في بحر برج حمود، ومرفأ الدورة لصيد السمك، ومنطقة الجديدة ونهر الموت.

دراسة الأثر البيئي التي نفذها الاستشاري libanconsult agm والتي تظهر وجود ترسبات نفطية في البحر. خاص نيوزويك الشرق الأوسط

على أن هناك تقرير آخر حصلت عليه نيوزويك الشرق الأوسط يزعم عدم وجود ترسبات نفطية في المياه في منطقة برج حمود والجديدة، وهو التقرير الذي أعدته شركة خوري للمقاولات بتاريخ كانون الأول 2016.

This slideshow requires JavaScript.

إلّا أنّ التقرير يناقض نفسه عندما يشير إلى وجود نسب زيوت وشحوم مرتفعة (19 ملغ بالليتر الواحد) وقد تخطت المعايير البيئية الموضوعة من قبل وزارة البيئة.

تقرير من اعداد شركة خوري يُظهر عدم وجود ترسبات نفطية. خاص نيوزويك الشرق الأوسط

وقد عزا مُعد التقرير ذلك، إلى وجود شبكات الصرف الصحي التي تصب مباشرة في البحر والتي من الممكن أن تحمل معها ملوثات متنوّعة.

وقد أشارت دراسة الأثر البيئي إلى ضرورة إعادة تموضع أنابيب الغاز والنفط الشمالية التي تمر تحت المكبات والتي تمنع إقامة الحواجز البحرية (طول الحاجز 3 كيلومتر)، وذلك بالتنسيق ما بين مجلس الانماء والاعمار وشركات النفط والغاز.

ويجاور المطمر عدد من المنشآت النفطية وشركات الغاز. فهناك شركة كورال للزيوت وشركة يونيغاز من جهة مطمر برج حمود، وتقع شركات ميدكو، يوني تيرمينالز، توتال، موبيل، وردية، من جهة مطمر الجديدة المستحدث. كما يوجد مسلخ الكرنتيا ومعامل معالجة النفايات الصلبة في الكرنتينا (المخصص للفرز) ومعمل الكورال (المخصص للتسبيخ)، وتؤدي هذه المنشآت مجتمعة إلى انبعاث الروائح وانتشارها في المنطقة.

ما الذي يمنع انشاء الحاجز البحري؟

في زيارته الأخيرة إلى مطمر برج حمود، قال وزير البيئة طارق الخطيب إن “العقد بين المتعهد ومجلس الانماء والاعمار ينص على طمر هذا الجبل (جبل نفايات برج حمود) في البحر، فالجبل ملحوظ اساساً أن يُطمَر في البحر إنما كان يفترض اقامة حاجز بحري”، مضيفاً أن هناك “أمور مخالفة وهي كانت موضع كتبنا إلى مجلس الانماء والاعمار”.

لم يُنشئ المُتعهد، أي شركة خوري للمقاولات، الحاجز البحري بعد، وفق تصريح أدلى به لصحيفة “الأخبار” في تقرير سابق، وذلك لسببين. الأول يتعلّق بخطوط النفط التي لم تُزِلها الشركات بعد. وقد أُمهلت الأخيرة لغاية تشرين الأول كي تُزيح خطوطها. وبحسب المعلومات تعترض خطوط شركة “ميدكو” المشروع من ناحية برج حمود، فيما تعترض المشروع من ناحية الجديدة شركتا وردية وتوتال.

والثاني يتعلّق بنوع التربة السيء جداً بحسب صحيفة “الأخبار”. ويضيف التقرير أن التربة الموجودة حالياً لزجة جداً الأمر الذي يؤدي إلى غرق الصخور وعدم ثباتها، وذلك ناجم عن مخلفات شركات النفط وعن المرامل والكسارات، فضلاً عن مخلفات مياه الصرف الصحي التي أدت إلى تدهور وضع التربة الموجودة. وبحسب المصادر نفسها، فإن الاستشاريين اقترحوا جرف التربة ووضع تربة غيرها، وهو أمر “مُكلف جداً، إلا أننا مُضطرون للقيام بهذا الإجراء تجنّباً لانهيار الحاجز فيما بعد”.

الأثر البيئي: كارثة- الصورة من الحركة البيئية اللبنانية

فضائح من الجو

في الأشهر الثلاثة الماضية، قامت الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية، لا فساد، بنشر فيديوهات تُظهر الأعمال الجارية في المطامر الموجودة على الخط الساحلي للبنان وتحديداً في مطمر برج حمود والجديدة شمال بيروت، والكوستا برافا مقابل مطار بيروت الدولي، ومعمل صيدا لمعالجة النفايات المنزلية جنوب لبنان، واكتفت الجمعية بنقل الواقع كما هو، في محاولة لإعلام الناس بما يجري بملف إدارة النفايات.

“بدأ عمل الجمعية بمراقبة ملف النفايات في منتصف العام 2015، حينما وافقت الحكومة اللبنانية للمرة الأولى في تاريخها على اشراك المجتمع المدني من خلال جمعية “لا فساد” لمراقبة حسن تنفيذ وشفافية خطة حكومية تعنى بملف النفايات”، بحسب أيمن دندش، مدير البرامج والمشاريع الميدانية في حديثه مع نيوزويك الشرق الأوسط.

ويضيف دندش أن الجمعية شاركت في عدد من الاجتماعات واللقاءات التي عقدتها لجنة وزير البيئة أكرم شهيب، وذلك بهدف مراقبة عمل لجنة الوزير شهيب في مرحلة إيجاد حلول لمشكلة النفايات في العام 2015، وقد نشرت الجمعية عدداً من التقارير الدورية على موقعها الإلكتروني.

إلا أن “الوزير شهيب طلب من الجمعية التوقف عن حضور الاجتماعات في نهاية العام لأسباب لا نعرفها”.

ويشير إلى “أننا اعتقدنا في البداية أن صيدا ستشكّل نموذجاً مميزاً في معالجة النفايات، إلا أننا لم نصدق لون البحيرة البنفسجي التي يرمي فيها المتعهد شركة IBC العوادم ونفايات أخرى”.

ويضيف أن ذلك شجعنا على متابعة ملف المطامر الصحية الموجودة على الساحل لمدة عام كامل، بحيث قمنا بتصوير الأعمال الجارية في مطمر الكوستا برافا، واظهرت الصور الجوية والبحرية طريقة عمل المتعهد وقمنا بمقاربتها مع دفاتر الشروط التي استحصلنا عليها من مجلس الانماء والاعمار، من خلال الاستفادة من قانون الحق في الوصول إلى المعلومات الذي صادقت عليه الحكومة اللبنانية في شباط 2017، ومن ثم عدنا وقمنا بتصوير مطمر برج حمود، وهو المطمر الذي لم يعرف أحداً منا ماذا يجري فيه من أعمال إلى حين نشر الجمعية لفيديو يوثق أعمال المطمر من الجو.

وبعد عرض الجمعية للفيديو الذي يوثّق مخالفات المتعهد في معالجة مطمر برج حمود، عُقد اجتماع في القصر الجمهوري في محاولة لحل الأزمة، إذ انّ رئيس الجمهورية العماد ميشال عون كان مُصراً على إيجاد الحلول بأسرع وقت ممكن، وتمّ الاتفاق بين المجتمعين على ضرورة إنجاز الحواجز البحرية لضبط ردم النفايات إذ أنّ النفايات التي كانت تسحبها مياه البحر كانت تمنع إقامة الحواجز. وحلّ مشكلة الروائح الكريهة من خلال محطات انشاء محطات التكرير، التي وعد المتعهد بتركيبها في بداية شهر ايلول، وقد تمّ شراء المعدات المطلوبة من الخارج بانتظار وصولها وتركيبها. وضرورة إزاحة أنابيب النفط التي تعترض تنفيذ الحواجز البحرية.

وتعليقاً على ذلك، يقول أبي راشد إن “التحرك الرئاسي حول موضوع أزمة النفايات لم يكن كافياً بحيث لم يتطرق إلى تحسين موضوع فرز النفايات”. ويضيف أبي راشد أن “السلطة السياسية في لبنان صديقة للمقاولين والمتعهدين، ويبدو أن صوت المتعهد مسموعٌ أكثر من رجال السياسة”. وعلى الرغم من ذلك، يشير أبي راشد إلى أن “عدداً من المسؤولين السياسيين قالوا لنا أنهم لن يتخاصموا مع الأفرقاء في الوطن، ولن يقفوا في طريق انشاء المحارق، ولن يوقفوا العمل بالمطامر البحرية، وبالتالي لا يمكن إيجاد أي حل لمشكلة النفايات في الوقت الراهن وفي ظل حكم هذه الطبقة السياسية”.

مشهد جوي لمطمر برج حمود بالقرب من مرفأ الدورة. الصورة من الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية

نفايات مشعة وسامة!

استدعى تاريخ المطمر السيء الذكر عدداً من الحقوقيين إلى التقدم بدعاوى قضائية ضدّ الدولة اللبنانية والمتعهدين الذين يقومون بأعمال تأهيل مكب برج حمود، وذلك لاحتوائه بحسبهم على نفايات سامّة وربما مُشعّة كانت قد طُمرت في نهاية الثمانينات حينما كانت البلاد في حالة حرب. يقول أحد المصادر الحقوقية في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط إن مجموعة من المحاميين تقدّموا بدعوى قضائية في 22/9/2016 لاقفال مطمري الكوستا برافا وبرج حمود.

ولكن فيما يتعلق بمطمر برج حمود، تقدّم الحقوقيون بالدعوى القضائية لسببين هما: إن أعمال جرف الجبل القديم هي أعمال خطرة وتتم بشكلٍ غير أصولي بسبب معلومات شبه مؤكدة وأحكام قضائية (صادرة عن محكمة جنايات بيروت في منتصف التسعينات) تُثبت أن هناك براميل سامّة وكيميائية تمّ دفنها في جبل النفايات سابقاً في برج حمود إبان الحرب الاهلية.

وإن المتعهد شركة خوري للمقاولات يقوم بطمر النفايات في برج حمود خلافاً للعقد الذي ينص على فرز النفايات القديمة من جبل النفايات أو منطقة الجديدة، من دون اجراء فحص التربة والتأكد من عدم وجود أي مواد مُشعّة وسامة، إضافة إلى ضرورة إقامة حاجز بحري يمنع النفايات من اختلاطها بماء البحر، إلا أن ذلك كان يحصل بطريقة عشوائية ومن دون أي احترام للمعايير البيئية. وتبين أن المتعهد يقوم بجرف الجبل القديم في برج حمود (من خلال أكثر من 60 جرافة) ورميهم في البحر مباشرة، من دون مراعاة تلوث البحر.

ويضيف المصدر الحقوقي أن قاضي الأمور المستعجلة في جديدة المتن رالف كركبي عيّن لجنتين من الخبراء بتاريخ 22/9/2016، مؤلفة من الخبير الكيميائي المُحلّف لدى المحاكم جهاد عبود، والخبير البيئي ويلسون رزق، وقاموا بإعداد تقرير أكد وجود مخالفات جسيمة، وتحمل أخطاراً كبيرة على الثروة البحرية، جراء تنفيذ الأعمال في الجبل، وطلب الخبير وقف العمل بجبل النفايات القديم.

وقد جاء في تقرير الخبير عبود الذي قدّمه إلى المحكمة بتاريخ 1/11/2016 والذي حصلت نيوزويك الشرق الأوسط على نسخة منه، أنه “بات معلوماً لدى الشركة المُشغلة لمطمر برج حمود (خوري للمقاولات) احتمال وجود هذه النفايات (السامّة والمُشعّة) وعوضاً أن تعمل للتحقق من وجودها أو وجود اشعاعات فقد قامت الشركة بالإسراع بعملية الحفر للتخلص قدر الإمكان من الاتربة الملوثة من دون فرزها أو تأكد من خلوها من المواد المُشعّة. وهي ترميها مباشرة بالبحر قبالة المطمر”.

This slideshow requires JavaScript.

وأضاف التقرير أن “شركة خوري….. تقوم بنقل الحفريات مباشرة لطمر البحر من دون فرزها او انشاء سد او حاجز بحري لكسر الموج وهذا ينجم عنه تلوث البحر….. مع العلم أن شركة خوري بصدد انشاء معمل فرز لهذه الغاية ولكنه لم يكتمل”.

وخلص التقرير إلى ضرورة “وقف العمل مؤقتاً بالحفر بجبل النفايات وعدم ردم المطمر الصحي المستحدث من اتربة هذا الجبل لحين التأكد من خلو هذه الأتربة من البراميل المشعة أو السامة…. وتكليف… الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية، التي تعمل في حقل الوقاية من الاشعاع للكشف على موقع جبل النفايات في برج حمود والمساعدة في إمكانية تحديد مكان وجود هذه المواد المشعة إذا وجدت”.

وبناء على تقرير الخبير، أصدر القاضي كركبي قراراً بوقف الأعمال. ولكن يشير المصدر الحقوقي إلى أن القاضي فاجأهم بالعودة عن قرار وقف الأعمال وعيّن خبيرة أخرى قامت بإصدار تقرير مخالف للتقرير الأول تشير فيه إلى أن العمل في المطمر صحي وبحسب المعايير البيئية، وأصدر القاضي قراراً يمنع ظهور المحاميين على الاعلام، في محاولة لكم الأفواه، وذلك يُظهر حجم الضغط الذي يمارسه السياسيون على القضاء.

واضح جداً من الصورة الجوّية كم هو صحي هذا المنطر الذي استحال لون مياه البحر الأبيض المتوسط إلى بنّي غامق. الصورة من الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية

فحوصات الاشعاعات- خوري x الهيئة الوطنية للطاقة الذرية: من الصادق؟

كما وحصلت نيوزويك الشرق الأوسط على تقرير أعدته شركة المتعهد خوري للمقاولات تقول فيه أنها قامت بفحوصات للتأكد من وجود اشعاعات نووية في مطمر برج حمود، وقد تم فحص العينات خلال ثلاثة أشهر متتالية ما بين نوفمبر وديسمبر من العام 2016 ويناير من العام 2017، وأظهرت النتائج الثلاث، بحسب تقرير الشركة “عدم وجود أي نشاط اشعاعي”.

This slideshow requires JavaScript.

إلا أن تقرير الهيئة الوطنية للطاقة الذرية جاء ليدحض تقرير المتعهد غير الجدي، بحيث جاء في تقرير الهيئة بتاريخ 10/11/2016 إن عملية المسح الاشعاعي تحتاج إلى:

أ‌- أن يكون مصدر الاشعاعات غير مُدرع حتى تتمكن الأجهزة من رصده وتحديد ماهيته.

ب‌- تحديد الأمكنة المشبوهة والتي يُشك بأنها تحتوي على مواد مشعة حتى يصار الكشف عليها بطريقة دقيقة ومعتمدة.

ت‌- إن المواد المشعة الموضبة في تدريع او براميل محكمة وموجودة على عمق أمتار من السطح، إذا وجدت، لا يمكن كشفها إلا بعد أن تتم عملية عزلها عن بقية المواد الأخرى المحيطة بها.

ث‌- إن أي تسرب اشعاعي لأشعة ألفا وبيتا، إذا وجد، يمكن أن يُحجب من خلال صفيحة بلاستيكية وبالتالي يصعب كشفه من ضمن الركام في المطمر.

ج‌- أما بالنسبة لأشعة غاما، إذا وجدت، يمكن أن يتم تحديدها والتعرف عليها عن بعد وذلك يرتبط بكيفية خزنها.

لا نووي حتى الآن. لكن ذلك لا يعني عدم سمّية المواد المدفونة بمكب برج حمود. الصورة خاصة بنيوزويك الشرق الأوسط ومصورة من طيارة

لبنانيون يدخلون النفايات السامة إلى لبنان

أُدخِل إلى لبنان في صيف العام 1987 في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية كميات كبيرة من النفايات الكيميائية السامة على متن الباخرة Radhost”” ومن المرجح أنّ قسماً منها يحمل إشعاعات نووية، وكانت مرسلة من قبل شركة “Jelly Wax” الإيطالية بالتعاون مع مقاولين لبنانيين وبتغطية من قبل حزب القوات اللبنانية الذي كان يتحكم بمرفأ بيروت حينها، بحسب ما يشير تقرير الخبير البيئي في منظمة غرينبيس العالمية فؤاد حمدان تحت عنوان “تجارة النفايات في المتوسط-الهجوم السام ضد لبنان” ، بالتعاون مع كل من الخبير البيئي الدكتور بيار ماليشاف وميلاد جرجوع و ولسون رزق وغيرهم من الخبراء في العام 1996. ويضيف التقرير أنه بعد ادخال النفايات إلى لبنان، تم تخزينها في مرحلة أولى، وعُرض قسم منها للبيع ووزعت على مجمل الأراضي اللبنانية، بحيث استعملها عدد من المواطنين بعد تنظيفها بمواد مطهرة، لتخزين المياه العذبة، واستخدامها في الري.

تمكّن الخبراء فيما بعد من تحديد تفاصيل محتوى قسم من هذه البراميل فقط بوزن إجمالي قدره 2375 طن تقريباً من المواد السامّة جدا، وكانت الحكومة اللبنانية، بحسب التقرير “خجولة في الطلب من الدولة الإيطالية التكفل بتنفيذ وعدها بإعادة النفايات إلى إيطاليا، وذلك لأن لبنان يحصل على المساعدات والمنح المالية من الاتحاد الأوروبي وإيطاليا، الأمر الذي قد يُشكّل احراجاً للإيطاليين”.

من سيحاسب المسؤولين عن تلوث البحر والبيئة في لبنان؟ الصورة من الحركة البيئية اللبنانية

وبعد وصول المواد إلى لبنان في صيف العام 1987 وانكشاف الفضيحة عبر وسائل الاعلام في العام 1988 تم تدمير حوالي 1600 برميل يُرجّح أن تكون قد نُقِلَت بقاياها المدمرة إلى مكب برج حمود/ بعد اقفاله في العام 1997. وقد أُقفِلَ مكب الكرنتينا في العام 1990 لتكبير مرفأ بيروت، وبمناسبة إعادة تأهيل الموقع وإزالة تلوّثه في بداية العام 1997 نُقِلَت خِلسةً المواد السامة المتبقية إلى منطقة المونتيفيردي، لكن تم إرجاعها من هناك على إثر الإعتراضات الشعبية… وطُمِرَت في مكب برج حمود.

البحر الغني بالملوثات. الصورة من الحركة البيئية اللبنانية

هل تعاقب دول البحر الأبيض المتوسط لبنان لتلويثه البحر؟

تداولت وسائل الاعلام اللبنانية خبراً في الآونة الأخيرة عن نية دولة اليونان في رفع دعوى قضائية على لبنان لتلويثه البحر، مطالبة بمعرفة نوع الملوثات المرمية في مياه البحر الأبيض المتوسط، وسط تخوفٍ من انتقال هذه الملوثات إلى شواطئهم.

نيوزويك الشرق الأوسط تأكدت من عدم وجود هكذا دعوى، إلا أن مصادر بيئية أشارت في حديث إلى المجلة إلى أن هناك توجه لدى أكثر من دولة لفرض عقوبات على لبنان في حال لم يتحمل مسؤولياته بوقف تلويث البحر.

وفي هذا الصدد يقول أبي راشد إن اتفاقية برشلونة التي وقعت عليها 22 دولة من ضمنها لبنان تقع على شواطئ البحر الأبيض المتوسط لا تملك أسناناً ولا أظافر لتعاقب الدول التي تلوث البحر، على غرار إسرائيل التي ترمي نفايات نووية في البحر. ويضيف أبي راشد أنه يجب علينا الإعتراف بفشل المجتمع الدولي في معاقبة الدول الملوثة للبحر.

لبنان يقضي على نظامه البيئي خطوة بخطوة.

وأشار أبي راشد إلى أن الحركة البيئية اللبنانية كانت قد أرسلت العام الماضي عريضة موقعة من 10452 شخص إلى المكتب التنفيذي في برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) تطلب فيها فرض عقوبات على الدولة اللبنانية بسبب أزمة النفايات، ووصل بريد إلكتروني -حصلت نيوزويك الشرق الأوسط على نسخة منه-بعد فترة طويلة إلى الحكومة اللبنانية، يطلبون منهم “بخجل” أن ينفذوا دراسة أثر بيئي للمطامر الموجودة على الخط الساحلي اللبناني، وهذا “أمر غير كافٍ” برأي أبي راشد، بحيث يمكن أن تتوقف المنظمات الدولية عن تقديم المساعدات المالية غير المشروطة لكن ذلك لم يحصل أبداً.

شكر خاص للجمعيةاللبنانية لتعزيز الشفافية- لا فساد على مشاركتها في الصور المأخوذة لمكب برج حمود

Facebook Comments

Post a comment