جار من الجحيم

زاك شونفيلد

نيوزويك

كان ذلك في العام 1929 عندما كان إدغار فويتشفانر يبلغ من العمر 5 سنوات، كان يتمشى مع مربيته روزي في حي في ميونخ عندما ظهر رجلٌ خارجاً من أحد المباني ومتجهاً نحو سيارة.

يقول : “لقد نظر إليَّ بِوُدٍّ؛ لأنه لم يكن لديه أيُّ فكرةٍ عمن كنتُ عليه”.

ويضيف: “صاح الناس في الشارع فَوْرَ رؤيته مرددين هايل هتلر! لكنه لم يرد تحيتهم، بل اكتفى برفع قُبَّعته قليلاً، ثم دخل إلى السيارة.”

عندما ينشأ طفل بالقرب من جَارٍ لئيمٍ

بالنسبة لفويتشفانر سيكون ذلك الجار في نهاية المطاف مسؤولاً عن إبادة 6 ملايين يهودي، بينما كان فويتشفانر ينتمي لعائلة يهودية مرموقة.

في العام 1929 كان نَجْمُ هتلر يتصاعد، وقوته تزداد بسرعة.

وكان يقيم في منطقة برينزريغنتينبلاتز 16، في شقة فاخرة مكوّنة من تسع غرف، يمكن رؤيتها من نافذة غرفة فويتشفانر التي قضى فيها طفولته.

يقول فويتشاير: “كنتُ أعرف أنه ليس شخصاً جيداً.”

فوالداه (فويتشاير) كانا منخرطَيْنِ في العمل السياسي! لقد طالعوا الصحف، وأَوْلَيَا اهتماماً شديداً لِلمُيول الخبيثة لدى جَارِهم نحوَ معاداة السامية.

“الشيء الذي لم يكن أحدٌ يعرفه هو أنه سوف يَقْلِبَ العالم كلَّه رأساً على عقب”.

 يبلغ فويتشفانر من العمر الآن 93 عاماً، وهو على الأرجح أحدُ الأشخاص القليلين الباقِين على قيد الحياة، الذين عاشوا على مقرُبة من هتلر، بحيث تمكن من رؤيته شخصيّاً.

وقد أصبح في نهاية المطاف كاتباً ومؤرخاً، يمارس التدريس على مدى ثلاثة عقود في جامعة ساوثهامبتون في إنكلترا.

وبينما ركزت أغلب أبحاثه الأكاديمية على الإمبراطوريات الأوروبية في القرن التاسع عشر، إلّا أنّ كتابَه الأخيرَ: “هتلر جَارِي: ذكرياتُ طفولةٍ يهودية، 1929-1939” جاء ليَسْردَ ذكرياته عمَّا يقرُب من 10 سنوات من العيش جَنْباً إلى جَنْبٍ مع الرجل الذي سيصبح رمزاً للشر بمعناه الحديث.

ومن خلال مجموعة من المقالات الصغيرة عن مذكراته اليومية التي يتألف منها كتاب “هتلر جاري” يقدِّم الكتابُ صورةً استثنائية لألمانيا خلال فترة ثلاثينيات القرن العشرين.

وهي صورة فريدة من نوعها، من حيث لمحاتها الحميمة عن هتلر في لحظاتٍ شِبْهِ خاصَّة، ومن حيث وجهة نظرها.

فالمؤلف يكشف مذكراته من منظور الطفل، ولكنه استفاد منها من منظور المؤرِّخِ الناضج.

يبدأ الكتابُ بوصف صورةٍ لألمانيا المثالية ما قبل الحرب من خلال وصف نُزْهَات الريف، وتخيلات الطفولة السعيدة. ولكن في مطلع حقبة الثلاثينيات، بدأ فويتشفانر يخشى الرجل ذو الشارب الداكن، إذ كان والدُه يعتبر هتلر شخصاً “مضطرباً، ولدوداً، ويعاني جُنونَ العظمة، وعنيفاً، بل الأكثر مِن كلِّ ذلك أنه شخصٌ خطيرٌ”.

كما كان عَمُّ فويتشاير مصرّاً على أن الحزبَ النازيَّ لا يمكن أن يفوز أبداً.

وكان فويتشاير يشاهدُ تردُّدَ الرُّفقاء على مقرِّ إقامة زعيمهم، والاشتباكات العنيفة بين المتظاهرين والنازيين في الشارع.

وفي كل يوم كان يشعر بالقلق من أن يكتشف هتلر أن عائلته كانت يهودية.

وفي العام 1933 تولى هتلر كرسي المستشارية في ألمانيا، وتغيرت الأمور بسرعة؛ إذ دَخَلَتْ قوانينُ نورمبرغ حَيِّزَ التنفيذ: فتم تجريد والديْ فويتشفانر من حقوقهما.

كما فَقَدَ والدُه وظيفته، وفي المدرسة كان يتم تغذية عقل  فويتشفانر بالدعاية النازية كما لو أنها مبادئ علم الحساب.

وفي نهاية المطاف رحلَتْ مربيتُه الحبيبة روزي؛ إذ كانت القوانين النازية تحظر على اليهود توظيف المربيات ذوات “الدم الألماني”.

وسرعان ما بدأت تظهر لافتات مكتوب عليها  “ممنوع الكلاب أو اليهود”.

في العام 1938 تم إلقاء القبض على والدِ فويتشفانر ، وسُجِنَ في داخاو.

كما تمت مصادرة ممتلكات العائلة، وبأعجوبة، نجا والده من الموت، وأُفرج عنه.

وفي العام التالي سافر الابن الصغير فويتشفانر – 14 عاماً- إلى إنجلترا بمفرده عبر القطار، وسرعان ما حصل والداه على الأوراق اللازمة للهجرة، ولحقوا به، وبدؤوا حياةً جديدةً معاً.

ولعل شبح الغوغائية المتصاعد في ألمانيا في ذلك الوقت قد يذكر القُرَّاء بالوضع في أمريكا خلال عامي 2015 و 2016، بما في ذلك شيوخ فويتشفانر الذين كانوا يسخرون من فرص هتلر بتسلّم السلطة. يتذكر فويتشفانر قول عَمِّه بشأن وصول النازيين إلى السلطة، فقد كان يقول: “ولكن هذا مستحيل!”

ويضيف: “كان من المستبعد أن يصوّت الجمهوريون لصالحهم.

قد تبدو هذه المتناظرات غريبة، إنها غير مقصودة، إذ أن المذكرات قد كُتبَتْ قبل انتخابات الرئيس دونالد ترمب، وفويتشاير لا يعتقد أنَّ العنصريين البِيض هنا يتمتعون بالقوة نفسِها التي كانت لدى النازيين في ألمانيا. فهو يعتبرهم جماعات هامشية خارج الحكومة.

ثم ها هو مرةً أخرى تماماً مثلما فعل عَمُّه قبلَه، لم يكن يتوقع أبداً أن يفوز ترمب، وهو يتساءل قائلاً: “لماذا بحق السماء يتم اختياره مرشحاً عن الحزب الجمهوري؟”

ويضيف: “ترمب يحيّرني دائماً؛ فلا أحد يعرف خططه بالضبط، وما إذا كان لديه أي خطط أو ما إذا كان لديه أي اسباب منطقية.”

وكان أكثر انزعاجاً من مشاعرِ كُرْهِ الأجانب التي أثارها تصويت بريكسيت في إنجلترا؛ حيث ما يزال يعيش؛ فيقول: “هنا يُلقى كل اللوم على المهاجرين في كل شيء. لم أحب هذا التصويت على الإطلاق”.

يقول فويتشفانر أنه توقف الآن عن الكتابة، لكنه لا يزال يسافر ويتحدث عن تجاربه، وبعد ثمانية وثمانين عاماً منذ أن كان جاراً لهتلر، يقول إنه سعيدٌ لأنه مَرَّ بهذه التجرِبة.

“إنني أُعَدُّ شاهداً، أليس كذلك؟! بداخلي هناك شخص لديه هذه المعرفة المباشرة بهذا الأمر اللعين برمته، أنا فخور جدّاً بذلك، لقد نجوتُ”. ويأمل فويتشاير أن يُسهم كتابه، على أقل تقدير، في تشجيع الوعي؛ فيقول: “لا يمكنك أن تكون حذراً جدّاً تُجاه التعصب ومعاداة السامية”، ويضيف: “إنها دائما كامنة.”

Facebook Comments

Post a comment