جولة في التاريخ بين آثار بعلبك ومعابدها الرومانية

 تحت ضوء قمر الشتاء ومصابيح الليل

تصوير

مصطفى رعد وليلى حاطوم (نيوزويك الشرق الأوسط)، رويترز 

بقلم

ليلى حاطوم

هنا بنى الرومان أعظم معابدهم وأجمل قصورهم. 

هي منطقة بعلبك التي اعتبروها مقرّهم الثاني بعد روما، حيث مجّدوا فيها آلهتهم وحصدوا قمحاً وعنبا لإطعام روما، فباتت بعلبك إهراء إيطاليا وقبو خمرها. 

وهناك، حيث تعانق خيوط القمر الفضية أشعة المصابيح الصفراء الدافئة، خطوطاً لتصاوير قَدَّها الرومان على بوابات معبد باخوس، إله الخمر، لسنابل القمح وعناقيد العنب وراقصات مبتسمات وزهرات نبات الخشخاش. 

وعلى ما يبدو، فإن كرم طبيعة بعلبك ظلت نفسها على مدى الألفيات التي مرت منذ إنشاء هذا المعبد وغيره. 

وعلى مرمى حجر من قاعدة باخوس، تخطف أعمدة معبد جوبيتير الستة قلبك.

ولربما كان السبب في إحساسنا بالرهبة يعود أيضا لصرير الهواء البارد وعتمة الشتاء التي انسابت بين آثارات المدينة الرومانية التي تضج بالحياة نهاراً وتُذكّرك بعوالم أخرى ليلاً. 

فريق نيوزويك الشرق الأوسط جال في هذا الصرح التاريخي في لبنان، ونترك لكم الاستمتاع بتاريخ وصور هذه الآثار.

جزء من آثار قلعة بعلبك كما بدت في ظلام الشتاء والإضاءة التي أعطتها رونقاً خاصاً بمساعدة ضوء القمر.

لا يمكنك أن تعرف مدى عظمة وضخامة آثار بعلبك إلى أن تقف بجانب قاعدة أحد الأعمدة فتحس بضآلة حجمك وتحاول أن تتخيل كيف نقل الرومان القدماء تلك الحجارة الكبيرة من المقالع على بُعد عشرات الكيلومترات ليبنوا بيها معابدهم.

من هنا بدأت جولة نيوزويك الشرق الأوسط حيث استمد الرومان حجارتهم لبناء قصورهم ومعابدهم في بعلبك ومحيطها، وقبل أن نكتشف روعة القلعة في عتمة الشتاء وضوء القمر.

ولعلّ الحجر الأضخم في العالم الذي تم قطعه وصقله يبقى حجر الحبلى (المرأة الحامل) الذي يفوق وزنه ١٠٠٠ طن وطوله ٢١ مترا.

وبحسب المعلومات التي وصلتنا من أحد الخبراء، فقد تم اكتشاف حجر أكبر تحت حجر الحبلى ويفوقه وزناً بمئات الأطنان.

حجر الحبلى في المقالع الرومانية في بعلبك، وهو أكبر حجر مقطوع في العالم بطول 21 مترا ووزن يتجاوز 1000 طن.

وتُعتبر مدينة بعلبك إحدى أقدم المدن في لبنان ومن أهم مدن العصر القديم حيث بنى فيها الرومان قصورهم الصيفية ومعابدهم الضخمة ومن ضمنها معبد الإله باخوس، إله الخمر، وهو المعبد الروماني الوحيد في العالم الذي ما يزال قائماً ومحافظاً على رونقه على الرغم من مرور آلاف السنين والهزات الأرضية والحروب المتتابعة وعوامل الطقس الغادر.

معبد باخوس، إله الخمر عند الرومان، مغطى بالثلوج في قلعة بعلبك في صورة أرشيفية

وتضم بعلبك أيضاً معبد الإله جوبيتير، والذي يعرفه الكثيرون من أعمدته الستة التي تجري عند قاعدتها احتفالات مهرجانات بعلبك الدولية؛ وتخضع هذه الأعمدة حالياً لأعمال الصيانة الدورية والتي من المتوقع أن تنتهي في غضون أشهر قليلة لتكون جاهزة لاستقبال نسخة العام ٢٠١٨ من المهرجانات.

وتضم المدينة الأثرية أيضاً معبد الإله بعل حيث قام الإمبراطور الروماني قسطنطين ببناء كنيسته فيه لاحقاً عندما اعتنق الديانة المسيحية.

وهكذا كانت قصة بعلبك التي حوت آثار الرومان ومعابدهم وبنى فيها المسيحيون الأوائل كنائسهم ومن ثم قام العرب والمماليك باستخدام حجارة تلك المعابد لبناء جوامعهم وقلاعهم، بل وحتى غيّروا شيئاً من معالمها عبر بناء أسوار خارجية لها من حجارة تلك المعابد.

بعلبك… المدينة التي عشقها الرومان وباتت مصيفهم ومقرا لأهم معابدهم التي مازالت قائمة حتى يومنا هذ لتشهد على عظمة إبداعهم العمراني في مدينة الشمس الفينيقية.

جغرافياً، تقع مدينة بعلبك شرق لبنان، وبحسب المراجع التاريخية فهي مدينة أسسها الفينيقيون لعبادة إلههم بعل، إله الشمس، ومنه استمدت المدينة لقبها، ثم احتلها اليونانيون القدامى (الإغريق) في العام 331 قبل الميلاد، وغيروا اسمها واعتمدوا لقبها هيليوبوليس، أو مدينة الشمس، وتوالت الاحتلالات بعدها لتصبح بعلبك مستعمرة رومانية في عصر الامبراطور أغسطس في العام 16 قبل الميلاد.
وخلال الثلاثمائة عام التي تلت احتلال الرومان لبعلبك، قاموا ببناء ثلاثة معابد هي باخوس (إله الخمر) وجوبيتير (كبير الآلهة) وفينوس (آلهة الجمال والحب)، واحاطوها بسور مبني من الحجارة العملاقة.

كأس الخمر الرومانية التي نحتها الرومان في معبد باخوس ما تزال شاهداً على حب الإيطاليين القدامى لمحاصيل بعلبك.

وتم قطع الصخور لبناء المعبد من صخور الجهة الجنوبية لعلبك، يوجد هناك حاليا صخرة الحبلى التي أسلفنا ذكرها، والتي كان قد تم قطعها قبل أكثر من ألفي عام.

معظم هذه المعابد كانت مدفونة تحت الأنقاض، وقامت بعثة ألمانية بأول محاولة للتنقيب عنها في العام 1898.

وإبّان الانتداب الفرنسي على لبنان، قامت بعثة فرنسية باستكمال التنقيب عن الآثار وتنظيف المعابد الرومانية في العام ١٩٢٢ ولتستكمل بعدها المديرية اللبنانية العامة للآثار العمل.

وخلال تجوالنا بين المعابد الثلاث سألت دليلنا السياحي عن كيفية قيام الرومان بنقل هذه الحجارة القديمة والثقيلة ورفعها فوق بعضها البعض، فما كان منه إلا أن أشار إلى تجاويف مربعة الشكل وحجمها لا يزيد عن حجم كف شخص بالغ، موجودة على جوانب بعض الحجارة التي تساقطت، قائلاً إن الرومان كانوا يضعون العصي في تلك التجاويف ليحملوا بعدها الحجارة إلى الأماكن المخصصة لها.

وتعجبت من قوتهم وقدرتهم، حيث كل حجر يزن مئات الكيلوغرامات، فيما أتعب شخصياً إذا حملت أكياس خضار في السوق.

عند بوابة معبد باخوس تُطالعك النقوش والفسيفساء المتقنة لتُخبرك عن الحياة التي جذبت الرومان وأبقتهم في بعلبك.

فالقمح (رمز الحياة) والخمر والغناء وحتى زهرة الخشخاش كلها منحوتة على باب المعبد.

النسر الروماني وكيوبيد الحب كما التقطتهما عدسة نيوزويك الشرق الأوسط حيث يقبعان في أعلى بوابة معبد باخوس.

وعلى جانبي المذبح باب يؤدي لقبو تحت المعبد حيث كان الرومان يحتفظون بخمر الاحتفالات.

الأسد رمز القوة والذي يحوي فمه تجويف لتصريف المياه، وكان يعلو أحد العواميد الشاهقة لمعبد في القلعة، يستظل اليوم عند قاعدة معبد باخوس.

وتحيط بباخوس عشرات الأعمدة التي يعلوها سقف حجري ضخم به منحوتات لآلهة الرومان الـ١٢، إضافة لمنحوتتين كبيرتين للقائد الروماني ماركوس أنطونيوس وحبيبته كليوبترا، الملكة الفرعونية.
وأكثر ما جذبني هو تصوير الحية ملتفة على خصر كليوباترا وتحتها نهر عظيم، يُقال إنه النيل.

تمثال كليوباترا الذي سقط من سقف معبد باخوس، وتظهر الأفعى ملتفة حول خصرها ويجري تحتها نهر.

وبحسب دليلنا، فإن إحدى الهزات الأرضية أطاحت فقط بتمثالي مارك آنتوني وكليوباترا من السقف ليجتمع الحبيبان مجددا على الأرض. ولكم أن تتخيلوا حجم المنحوتتين، حيث يبلغ عرض الواحدة أكثر من مترين وطولها بضعة أمتار، وبدوت، مع فريق عمل نيوزويك الشرق الأوسط كالأقزام أمامها.

ويبدو أن الرومان قد فكروا في كل شيء. فالعُجَّز ممن لا يستطيعون ارتقاء الدرجات الحجرية للمعابد، لهم مدخل خاص لمعبد أرضي يتعبّدون فيه، تُزيّن أرضيته فسيفساء بديعة التنسيق، قبالة المدخل الرئيسي للقلعة.

وبينما كنا نستعد للرحيل، وخلال توجهنا للبوابة الرئيسية، استوقفتني منحوتات لوجوه مرعبة، قال الدليل إنها للأرواح الشريرة في العالم الآخر حيث كان الأشرار يُعاقبون، فيما الخيّرون يذهبون لمكان فيه الآلهة.

وجوه الأرواح الشريرة من العالم السفلي بانتظار الأشقياء لتعذيبهم… أو على الأقل هذا ما يُقال.

وقرب تلك الشياطين قبع باب حجري كبير يُقال إنه باب مدفن، لكن أحداً لم يعرف بعد كيف يفتح.

فالجوانب مصنوعة من حجر واحد والباب، بحسب المخطوطات الرومانية، يرتفع من خلالها للأعلى ليكشف عن مدافن خلفه، لكن لا يستحيل ذلك إذ لم أجد فتحة في الأعلى يمر من خلالها ذلك الباب، وليبقى ذلك لغزاً لم يعرف أحد حلّه.

حجر المدفن

من ويكيبيديا

يعتبر معبد جوبيتير من أهم معابد بعلبك، وقد بدأ العمل على بنائه في الربع الأخير من القرن الأول قبل الميلاد واستمر حتى العام ٦٨ ميلادية، ويجاوره معبد باخوس، وقريبا منهما مبنى دائري يدعي معبد فينوس.

ولكن في العام 313، عندما أضحت المسيحية الدين الرسمي للإمبراطورية الرومانية، حيث قام الامبراطور البيزنطي قسطنطين بإغلاق معابد بعلبك.

في عهد الفتوحات الإسلامية عام 636 م، تمت حماية هذه المعابد وإعادة تسميتها إلى ”القلعة“ حيث ما زالت هذه التسمية مستخدمة حتى الآن.

حدث في القرن الثالث عشر ميلادي سيل هائل في مدينة بعلبك مما أدى إلى وفاة الالاف من سكان المدينة واختفى العديد من المنازل والمحال التجارية التي تعرضت للطمر نتيجة السيول والطمي.

فبعد ظهر يوم الثلاثاء في 16 مايو 1372، قدم إلى سماء بعلبك غيم اسود قاتم اللون مما أدى إلى حجب نور الشمس وأذهل سكان مدينة بعلبك.

وعند بداية صلاة العصر حيث كان المصلون في المساجد بدأ البرق والرعد يهزان هذه المدينة الصغيرة وبعد حوالي النصف ساعة خرج الأهالي ليستمعوا إلى مصدر صوت غريب يشبه صوت الرعد حيث فاجئهم سيل علوه عدة أمتار اغرق البيوت والمحال التجارية حاملا معه الحجارة الكبيرة والطمي ولم ينج من هذا الحادثة الا رجل مسن كان قد جلس في حلة طعام وطفل صغير عمره 4 أشهر كان في تخت خشبي، إضافة إلى من كان يقيم في أعلى المنطقة اما الضحايا فكانوا من المصلين.

جزء من العمارة المملوكية التي استخدمت حجارة المعابد الرومانية في بناء مركزها بين الآثارات، وتسوير قلعة بعلبك.

مهرجان بعلبك الدولي

هو أقدم وأعرق حدث ثقافي في الشرق الأوسط، ويقام في موقع أثري يحوي أثار المعابد الرومانية الباقية في مدينة بعلبك في سهل البقاع، ويستضيف سنويًّا أشهر الفنانين العرب، مثل فيروز والأخوين الرحباني، ومارسيل خليفة، وغيرهم العديد، كما استضاف ويستضيف الفنّانين الأجانب العالميين.

راقصين من فرقة كركلا اللبنانية-العالمية خلال مهرجانات بعلبك الدولية.

Facebook Comments

Leave a Reply