جيش بوتين السرّي

 أوين ماثيوز

نيوزويك

في صحراء شرق سوريا، في مكان ليس ببعيد عن بلدة تسمى دير الزور، يُقال إن هناك كومة من الأحجار تحيط بلوح خشبي مع الصليب الأرثوذكسي ونقش محفور في الخشب كُتب فيه “2017، للذكرى الخالدة للمحاربين الذين قُتلوا وفُقدوا في الجمهورية العربية السورية”. زُيّنت أكوام الحجارة بحزام سلاح رشاش، ورصاصة من العيار الثقيل، وخوذة الجيش الروسي. يتمّ التعرّف على القتلى فقط من خلال أسمائهم المستعارة وقت الحرب: المحارب، والجلاّد، والعقرب، والعندليب، والذين كانوا جميعاً كما هو مزعوم من المرتزقة الروس الذين لقوا مصرعهم في الحرب في سوريا. ولكن أسماءهم الحقيقية لا تظهر في أي عدد وفيات. لن تعترف روسيا أبداً بدورهم البارز في الصراع. وبالنسبة لجنود روسيا السرّيّين، قد تكون كومة الأحجار تلك أقرب ما يكون لعدم حصولهم أبداً على الاعتراف الرسمي بهم.

إن استخدام المرتزقة غير قانوني بموجب القانون الروسي. لكن منذ التسعينيات، على أقل تقدير، استخدمتهم روسيا باعتبارهم وكلاء يمكن إنكارهم في تدخلاتها العسكرية خارج روسيا. في البوسنة، في مقاطعة ترانسنيستريا المولدوفية الانفصالية، دخلت فرق من “المتطوعين” التي يدعمها الجيش الروسي سراً إلى المعركة، في حين كانت قوات موسكو الحقيقية تعمل بشكل رسمي بوصفهم حفظة سلام محايدين. على الرغم من ذلك، كثّف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال الأعوام الأربعة الماضية، استخدام الشركات العسكرية الخاصة /المتعاقدين العسكريين من القطاع الخاص بشكل كبير باعتباره جزءاً حاسماً في سياسته الخارجية، مستخدماً هذه القوات لتوسيع النفوذ الروسي في شرق أوكرانيا وسوريا.

بدأت الورديّة عند الفجر في 18 مارس/ آذار، 2014، عندما خرجت وحدات من الجنود الروس النظاميين، أزيلت شاراتهم من زيّهم، من قاعدة في سيفاستوبول لاحتلال أهداف عسكرية رئيسية في جميع أنحاء مقاطعة القِرَم الأوكرانية. وكان الدعم لهؤلاء الجنود هو مجموعة متنوعة من المقاتلين المجهولين الذين انقضّوا على محطات الإذاعة والمباني الحكومية المحلية. كان بعضهم من رجال الشرطة الأوكرانيين الموالين لموسكو، وكان الآخرون من رجال العصابات المحليين، لكن كان أكثرهم، وفقاً لويسترن أناليست وجهاز الأمن الأوكراني، من المرتزقة المأجورين.

في وقتٍ لاحق من ذلك الصيف، ومع اندلاع الحرب في شرق أوكرانيا، بدأت وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية، المعروفة باسم جي آر يو، في إرسال وحدات أكبر وأفضل تنظيماً من الجنود الروس السابقين، تجنّد معظمهم من شمال القوقاز للقتال في دونباس. ومن ذلك الحين، أصبح المرتزقة عنصراً رئيسياً في مغامرات الكرملين الجغرافية السياسية، سواءً في أوكرانيا أو حتى، بوضوح أكثر، في سوريا، وذلك كما يقول مارك غليوتي، أحد كبار الباحثين في معهد العلاقات الدولية، وهو مركز أبحاث مقره براغ.

وسمحت الاستعانة بالمرتزقة -باعتبارهم مصادر خارجية للقتال- للكرملين بالمشاركة سراً في صراعات مثل الحرب في أوكرانيا، والذي يدعي رسمياً أنه ليس متورطاً فيها. كما مكّنت أيضاً روسيا من تعزيز وجودها العسكري في الحروب المعلنة، مثل الحرب في سوريا، دون الحاجة إلى الإعلان عن الخسائر، مما يجعل من الأسهل الحفاظ على التأييد العام.

نسخة عن وثيقة وفاة جندي من شركة خاصة لسيرغي بودوبيني ورقمه 131 مكتوب فيها إنّه توفي في حمص العام الماضي.

يقول كيريل ميخائيلوف، الناشط في فريق استخبارات الصراع ومقره موسكو، وهي مجموعة تجمع معلومات استخباراتية مفتوحة عن أنشطة روسيا العسكرية السرية، إن المرتزقة هي “طريقة غير شرعية لتوفير وقود المدافع لمغامرات الكرملين الخارجية، ولكن على الرغم من كونهم مرتزقة، فهم ما زالوا روساً، ونحن نعتقد أن الجمهور الروسي لديه الحق في أن يعرف عن الروس الذين يموتون أثناء القيام بأعمال بوتين القذرة في الخارج”.

إن الطبيعة الدقيقة للعلاقة بين الجيش الروسي والشركات العسكرية الخاصة السرّيّة التي تعمل في سوريا وأوكرانيا، هي طبيعة غير واضحة. لكن الكرملين لم يخجل من تكريم مسؤولي شركات المرتزقة الرائدة علناً لخدماتهم التي يقدمونها للوطن. في ديسمبر/ كانون الأول 2016، تمّ تصوير المقدم ديمتري أوتكين في مأدبة الكرملين مع بوتين. وأوتكين هو مؤسس جماعة واغنر، والتي عيّنتها وزارة المالية الأمريكية المُوظِّف الرئيسي للمواطنين الروس للقتال في سوريا، عندما فرضت الوزارة عقوبات شخصية عليه العام الماضي. (تعذّر الوصول لواغنر للتعليق).

تمّ تصوير الرئيس الروسي أيضاً مع يفغيني بريغوزين، رجل أعمال من سانت بيترسبورغ، تلقّبه وسائل الإعلام الروسية بـ “طاهي بوتين” بسبب مطعمه الواسع وخدمات المطاعم. وقد فرضت وزارة المالية الأمريكية عقوبات على البنوك والسفر على بريغوزين؛ لحصته في شركة إيفرو بوليس، والتي تتّخذ من موسكو مقراً لها، وهي شركة نفط وتجارة عامة. وكشف الناشط الروسي ضد الفساد أليكسي نافالني عن العلاقات التجارية العميقة بين إيفرو بوليس ووزارة الدفاع الروسية، وأطلق موقع الأخبار المستقل فونتانكا آر يو على بريغوزين، واجهة أنشطة مجموعة واغنر في سوريا؛ (وتذكر الشركة على موقعها الإلكتروني قائمة اهتماماتها في مجال التعدين وإنتاج النفط والغاز، وافتتاحها في العام 2016 لمكتبٍ لها في العاصمة السورية دمشق). ولم يستجب أيّاً من إيفرو بوليس أو بريغوزين كونكورد مانجمنت لطلبات نيوزويك للتعليق.

على مدى السنوات القليلة الماضية، برز أوتكين، ربما باعتباره أكثر شخصية غامضة في عالم الشركات العسكرية الروسية الخاصة، مثل ضابط القوات الخاصة السابق إريك برنس، مؤسس شركة بلاك ووتر، الشركة العسكرية الأمريكية التي وفّرت عشرات الآلاف من حراس الأمن الخاصين خلال حرب العراق الثانية، وأصبح أوتكين لاعباً رئيسياً في الانتشار العسكري لبلاده. ولكن على عكس بلاك ووتر، لم يكن لدى جنود أوتكين أي عقود رسمية أو علاقة مع وزارة الدفاع الروسية، وعلى عكس الشركات العسكرية الخاصة في الولايات المتحدة، يقاتل رجال واغنر في خط المواجهة الأمامي.

قبر أحد الجنود المرتزقة الروسيين

يقول بافل فيلغنهاور، المحلل العسكري في صحيفة نوفايا غازيتا المستقلة ومقرها موسكو: “قامت الشركات العسكرية الأمريكية بعمل مساعد إضافي، مثل حراسة حقول النفط”، ويقول: “الشركات مثل واغنر تشبه أكثر الجيوش الأفريقية المتاحة للإيجار، مثل شركة “إكسكيوتيف آوت كومز” سيئة السمعة، التي استخدمتها حكومتا أنغولا وسيراليون في التسعينيات لقمع أعمال التمرد الماركسية”.

قاد أوتكين، الذي ولد في أوكرانيا عام 1970، لواء سبيتسناز، في وحدة القوات الخاصة التابعة لإدارة المخابرات العسكرية الروسية، وتقاعد عام 2013، ليعمل في شركة عسكرية خاصة تسمى موران سيكيورتي غروب المتخصصة في عمليات مكافحة القرصنة، وفقاً لما ورد في موقعها الإلكتروني، إلى جانب بعثات الأمن والتدريب في جميع أنحاء العالم. ووفقاً لتحقيق أجرته إذاعة أوروبا الحرة في 2016، أنشأ كبار مديري موران سيكيورتي غروب منظمة مقرها سانت بيترسبورغ تعرف باسم “سلافونيك كوربس” (الفيلق السلافي)، والذي جنّد الجنود الروس السابقين لحماية حقول النفط وخطوط الأنابيب في سوريا. كان أوتكين واحداً من قاداتهم، وأفادت الأنباء بأن المهمة كانت كارثة، ووفقاً لمصدر أمني أمريكيّ خاصّ مقره لندن، والذي من غير المصرح له التحدث رسمياً، فإن الفيلق السلافي كان سيئ التجهيز وعانى من القيادة الضعيفة والخسائر الفادحة.

يقول مصدر أمني خاصّ غير مصرح له بالحديث رسمياً: “من الصعب غالباً مع الشركات العسكرية معرفة متى تنتهي المصالح الخاصة وتبدأ المصالح الحكومية، وهذا هو بيت القصيد. وفيما يتعلق بالفيلق السلافي في سوريا، ربما كان الاثنين على حدٍ سواء. شركات النفط الروسية تريد الدخول إلى [سوريا]، وأراد [الكرملين] أيضاً أن يكون له وجوداً هناك، وسيكون ذلك بطريقة غير رسمية”.

وعلى الرغم من الفشل، أسّس أوتكين مجموعة واغنر في 2014، والتي أطلق عليها هذا الاسم تيمناً باسمه الحركي، الذي يقال إنه مستوحى من سحر ألمانيا النازية. وسرعان ما أصبح شخصاً مهماً في الكرملين، إن لم يكن موظفاً غير رسمي، وفقاً لما ورد عن المحلل العسكري فلغنهاور. ظهر أوتكين في منطقة لوهانسك المتمردة شرقي أوكرانيا، يقود مجموعة من الجنود السابقين الذين حاربوا المتمردين المحليين. ويقول فلنغهاور: إن جماعة واغنر هم “وكلاء مباشرون لروسيا”، لكنهم شبه مستقلين، ويستطيعون من خلالها استعمال سياسة الإنكار، إذ يمكن أن يقول الروس: “نحن لا نعلم أي شيء عن هذا”.

ويُزعم أن رجال أوتكين كانوا فعّالين وعديمي الرحمة، ووفقاً لما أورده جهاز الأمن في أوكرانيا، فإن قوات واغنر كانت متورطة في إسقاط طائرة في مطار لوهانسك الدولي في يونيو/ حزيران 2014، مما أدى إلى مقتل أربعين من جنود المظلات الأوكرانيين. تدّعي المخابرات الأوكرانية أنها لعبت دوراً رئيسياً في توجيه وابل من نيران المدفعية نتج عنه هزيمة كييف في مدينة ديبالتسيف في أوائل العام 2015.

ويُزعم أن دور واغنر الأكثر قيمة على أرض الواقع كان مساعدة الكرملين في اغتيال القادة المتمردين الذين رفضوا تنفيذ الأوامر. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، نشر جهاز الأمن في أوكرانيا ما قال عنه إنه تسجيلات صوتية اعترضها، والتي أثبتت صلة مباشرة بين أوتكين وإيغور كورنيت، وزير داخلية جمهورية لوهانسك الشعبية، وأمرت واغنر بالقضاء على القادة المنشقين. وفي مارس/ آذار 2016، تباهى موقع سبوتنيك آند بوغروم القومي الروسي على الإنترنت بأن رجال واغنر قاموا بتصفية أكثر من عشرة مقاتلين من ميليشيات لوهانسك، إلى جانب قائدهم الجامح. ويدّعي جهاز الأمن في أوكرانيا أيضاً أن مجموعة واغنر نزعت سلاح لواء أوديسا التابع لجيش جمهورية لوهانسك الشعبية بعد أن طوّق قاعدته في مدينة كراسنودون بدعمٍ من الدبابات والمدفعية.

واغنر هي واحدة من عدة شركات روسية عسكرية خاصة تقاتل في أوكرانيا حددتها إنفورم نابالم، وهي منظمة تطوّعية مقرّها أوكرانيا تقوم بتجميع الأدلة من وسائل التواصل الاجتماعي عن تورط روسيا في دونباس، ويقال إن جهود واغنر كانت ناجحة، وقد تغلب المتمردون ونظراؤهم من المرتزقة على هجوم الجيش الأوكراني، وانشقّت الجمهوريات الانفصالية التي يدعمها الكرملين وحصلت على نوع من الاستقلال الذي تحتفظ به اليوم.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين… استراتيجي عسكري يُحارب بكل البيادق

لكن فرصة واغنر الكبيرة جاءت مع إطلاق مشاركة روسيا الرسمية في الحرب في سوريا في سبتمبر/ أيلول 2015، فقد خصصت وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية مقرّات قيادة لواء البعثة الخاصة العاشر في بلدة مولكينو بالقرب من مدينة كراسنودار بجنوب روسيا باعتبارها معسكر تدريب عسكري لمجندي واغنر، وهذا وفقاً لما قاله أقارب مجند واغنر، تامرلان كاشمازوف، والذين زاروا المعسكر لاحقاً للمطالبة بإجابات عندما فُقد في سوريا، وتحدثوا لاحقاً لمحطة تلفزيون دوزد المستقلة.

يتردد العديد من المرتزقة بشأن الحديث عن تجاربهم مع الصحفيين الغربيين. ولكن أحد الرجال، الذي يزعم أنه جندي سري، يخبر نيوزويك أنه جُنّد للخدمة في سوريا عام 2015 عن طريق وكيل لشركة عسكرية خاصة كبرى، رفض أن يذكر اسمها، وذلك أثناء قتاله باعتباره متطوعاً في ميليشيا دونيتسك. أعطى اسمه الأول فقط -سيرغي، وقد قال: إنه سائق من دونيتسك يبلغ من العمر ثلاثين عاماً. لم يكن من الممكن التحقق من قصته بشكلٍ مستقل، على الرغم من أن التفاصيل تتفق مع مقابلات أخرى أعطيت للصحافة الروسية من محاربين قدامى في العمليات العسكرية الخاصة في سوريا.

يقول سيرغي في مقابلة هاتفية: “كان دافعي الرئيسي هو المال، وليس حب الوطن. يذهب معظم الرجال لكسب المال. عرضوا علينا 150,000روبل [2,600 دولار] في الشهر. وفي الوطن [في دونيتسك] فأنت محظوظ إن استطعت كسب 15,000. أخبرنا الذين يقومون بتجنيدنا أننا سنحصل على وظائف آمنة، حراسة الاتصالات والقواعد وما إلى ذلك”.

سافر سيرغي وغيره من المجندين الجدد إلى اللاذقية، سوريا، في طائرة مستأجرة، متظاهرين بأنهم مهندسون مدنيون، كما يدّعي. ولكن عندما وصلوا، كما يقول، سرعان ما وجدوا أنفسهم متورطين في قتالٍ عنيف. كان التدريب “بسيطاً للغاية” والنظام قاسياً. ويزعم أنه “لم يُسمح للمجندين بالاستحمام أثناء وجودهم في المعسكر قرب اللاذقية، وتغرّم الوحدة كلها إن عثر على شخصٍ يشرب”. دفعت الشركة جائزة قدرها 5,000 روبل (88 دولاراً) مقابل رأس أي عضو من التنظيم الإرهابي داعش تقتله، وفقاً لسيرغي.

كان التعويض المتفق عليه للإصابة الخطيرة 900,000 روبل (16,000 دولار)، بينما وُعد أقارب أي جندي متوفٍ بثلاثة ملايين روبل (53,000 دولار). وعلى حسب عِلم سيرغي عن طريق “شبكة المعلومات والإشاعات غير الرسمية” للمرتزقة، لم يُخدع أحد في أجره.

نشرت واغنر حوالي 3,000 موظف في سوريا في الفترة ما بين 2015 و2017، وفقاً لكونفليكت إنتلجنس تيم، وهو ما يطابق تقريباً الأرقام الرسمية للأفراد العسكريين الروس – 4,000 من القوات النظامية والطيارين- الذين يخدمون هناك. وقادت قوات واغنر معارك إستراتيجية، مثل قتال استعادة مدينة تدمر من داعش في 2016، وهو نصر احتفل به الكرملين بحفلٍ أقامه في المدرج القديم في المدينة السورية قدّمه فاليري جرجيف، المايسترو الروسي الشهير.

في مقابلة مع نيوزويك، يقول روبرت يونغ بيلتون، مؤلف (مرخّص للقتل: الأسلحة المستأجرة في الحرب على الإرهاب): إن قوات واغنر في سوريا تعمل في الغالب كـ “مستشاري التقدم…تدريب، وبعد ذلك توجيه إطلاق النار والحركة على الخطوط الأمامية”. وأضاف بيلتون: أن أحد مصادره الذي يعمل في دير الزور أخبره أن نوعية المقاتلين الروس “ليست مدهشة…لا يوجد الكثير من المحترفين في الفريق، ويوجد الكثير من الدماء”.

ويضيف بيلتون: كانت فرق واغنر في الغالب “فعالة في تدريب وتوجيه القوات السورية للتحرك وإطلاق النار والتواصل”. ونسقوا أيضاً الضربات الجوية التي ساعدت على تفوّق السلاح الجوي الروسي الساحق، والتي حوّلت الحرب لصالح الرئيس بشّار الأسد.

ووفقاً لفلغنهاور، المحلل العسكري، فإن واغنر وأمثاله حققوا إسهاماً حاسماً في الجهود الحربية للأسد. “إنهم يقومون بقتال خطير جداً… إنهم اختصاصيو جنود المشاة المنشقون الذين يقومون بتشغيل أسلحة مضادة للطائرات ومدفعية وأنظمة صواريخ وما إلى ذلك”.

ومقارنةً بالشركات العسكرية الرسمية في الولايات المتحدة، فإن موظفي واغنر يتعرضون إلى قدرٍ أقل بكثير من المساءلة، ويقول المحللون: إن نجاح الشركة الواضح تحقّق بتكلفة عالية. ووفقاً لموقع فونتانكا. آر يو، فقد تُوفيّ على الأقل 73 مرتزقاً في سوريا، أو 101 حسب تقدير كونفلكت إنتليجنس تيم.

وعلى الرغم من محاولات السلطات الروسية للتغطية على هذه الوفيات، نشرت بعض قنوات وسائل الإعلام المستقلة على الإنترنت مقابلات مع أقارب غاضبين. وفي أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وضعت داعش مقطع فيديو على الإنترنت لاثنين من موظفي واغنر المأسورين. عرّف الرجلان نفسيهما باعتبارهما مواطنين روسيّين باسم غريغوري تسوركانو، ورومان زابولوتني، لكن وزارة الدفاع الروسية نفت أية معرفة عنهما، وأثارت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الشكوك حول ما إذا كانا من الروس.

قال والديّ تسوركانو في ديسمبر/ كانون الأول، أي بعد ثلاثة أشهر من القبض على ابنهما، في مقابلة مع محطة تليفزيون دوزد: إن أحد عمال واغنر انتقل إلى منزلهم ليمنعهما من التحدث إلى الصحافة. وتمّ إخبارهما لاحقاً -مرةً أخرى عن طريق واغنر- أن ابنهما قد قُتل. قالت والدة تسوركانو وهي تبكي لتليفزيون دوزد في نوفمبر/ تشرين الثاني: “كنتُ ساذجة”. “قال بوتين مرةً: “نحن لا نتخلى عن الروس” وصدقتُ ذلك. والآن أنا أفهم أن تلك كانت كذبة. اللعنة عليهم، واغنر، جميعاً”.

وعلى الرغم من الرفض الرسمي للروابط المباشرة، يبدو أن الكرملين قد كرّم قادة واغنر على خدماتهم. وقيل إن أوتكين ونائبه ألكسندر كوزنيتسوف، الذي أدين في جرائم خطف وسطو، قد حصلا على وسام الشجاعة أربع مرات. تمّ تصوير كليهما في حشدٍ خاص مع بوتين في ديسمبر/ كانون الأول 2016، إلى جانب أندريه بوغاتوف، رئيس الشركة الرابعة لواغنر للاستطلاع والهجوم (فقد ذراعه في معركة تدمر)، والمدير التنفيذي لواغنر أندريه تروشيف. كما مُنح أيضاً بوغاتوف وكوزنيتسوف ميدالية بطل روسيا لخدماتهم الاستثنائية للبلاد، وذلك وفقاً لتقارير الصحافة الروسية. وأكّد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف صحة الصور، ولكن ليس الجوائز.

وقال السيناتور الروسي فرانز كلينتسيفيتش، نائب رئيس لجنة الدفاع والأمن في مجلس الشيوخ في البرلمان الروسي، لنيوزويك: “من الممكن أن يكون ذلك نتيجةً لضغط من الحكومة السورية. ربما قالوا، كان هؤلاء الرجال أبطالاً حقيقيين. ويستحقون أن يُقلَّدوا بوسام… لكن لا يوجد رابط رسمي بين هؤلاء الرجال والحكومة الروسية”.

وكان كلينتسيفيتش يضغط لسنوات لجعل وضع المرتزقة في روسيا قانونياً، يقول: “نحن بحاجة إلى الاستفادة من التجربة الأمريكية، ودمج الشركات العسكرية الخاصة في تخطيطنا العسكري. لكننا لم نستطع تمرير القوانين اللازمة بسبب الخلاف بين وزارة الدفاع وجهاز الأمن الفيدرالي حول من سيتحكم في مثل هذه الجماعات العسكرية. لديهم أسلحة ثقيلة خطيرة، ليست فقط أسلحة إيه كيه 47، لذا فهناك مسألة أمنية تتعلق بتنظيمهم”.

خلال السنوات الماضية، برز أوتكين، كأكثر شخصية غامضة في عالم الشركات العسكرية الروسية الخاصة.

يوافق سيرغي زيلزنياك، نائب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس دوما (مجلس النواب) على هذا الرأي.

يقول لنيوزويك: “يستخدم الأمريكيون الشركات العسكرية الخاصة طوال الوقت. فلماذا يجب ألّا نستخدمهم؟” يقول بعض المحللين: إن النقاش حول إضفاء الشرعية على الشركات العسكرية الخاصة ما زال يفقد النقطة الرئيسية، وليس فقط لأن الشركات العسكرية الأمريكية -التي هي أيضاً مثيرة للجدل- تؤدي أدواراً مختلفة. إن العلاقة الوثيقة بين الجيش الروسي والمرتزقة تسمح للكرملين بنشرهم باعتبارهم جنوداً سرّيّين في أماكن لا يستطيع الجيش الروسي الذهاب إليها رسمياً. الجيوش الخاصة هي أداة مثالية لعلامة الكرملين التجارية الجديدة للحرب المختلطة، التي يحشد فيها قوات سرية وشركات خاصة لتحقيق أهداف الدولة. يقول معهد غاليوتي للعلاقات الدولية: إن واغنر “تبدو وكأنها هيئة من القطاع الخاص، وتتصرف، أحياناً، باعتبارها واحدة منها، ولكن بمجرد أن تحتاجها الدولة، ستُجبر على الخدمة” و”إن شركة مثل واغنر هي ببساطة مثال صارخ على نموذج الشركات المختلطة السائدة، مع وجود شركات خاصة تُستخدم ليس فقط لتعزيز أهداف الكرملين في البلاد، ولكن الآن للقتال في حروبها في الخارج”.

وقد جدّد تدخّل روسيا في الشأن السوري طموح الكرملين في أن يصبح صاحب نفوذ في الشرق الأوسط، وقدّم المرتزقة وسيلة مثالية لإظهار القوة دون مشاركة رسمية من الكرملين، يقول فيلغنهاور: “أصبحت واغنر منظمة بشكلٍ جيد إلى حدٍ ما، وأثبتت أنها تستطيع أن تكون ذات فائدة كبيرة”.

في مارس/ آذار، بدأ جنود سابقون في شركة آر إس بي غروب، وهي شركة عسكرية خاصة، يزيلون ألغاماً في مناطق ليبيا التي استولى عليها اللواء خليفة حفتر المدعوم من موسكو بالقرب من بنغازي، بناءً على دعوة من شركة أسمنت محلية، كما أخبر مالك شركة آر إس بي أوليغ كرينيتسين وكالة رويترز. انتقلت القوات النظامية الروسية مؤخراً إلى القاعدة الجوية المصرية في مدينة سيدي براني، على بعد ستين ميلاً من الحدود المصرية الليبية، وكذلك وُزّع اثنا وعشرون فرداً من وحدة القوات الروسية الخاصة إلى قاعدة قريبة في ميناء مرسى مطروح البحري، على الرغم أنه من غير المعروف إن كان أي من مرتزقة موسكو لا يزالون يعملون لدعم حفتر.

الآن، في الوقت الذي تنهي فيه روسيا مشاركتها العسكرية في سوريا، يخمّن الكثيرون المكان التالي الذي سيرسل إليه بوتين جيوشه الخاصة، وأين سيرسو على الأرض النصب التذكاري التالي للجنود الروسيين السرّيّين الذين سيسقطون.

من الصعب مع الشركات العسكرية معرفة متى تنتهي المصالح الخاصة وتبدأ المصالح الحكومية

Facebook Comments

Leave a Reply